مختارات مقالات

تجربة حياة: أنا والجامعة – الجزء الثامن

تجربة حياة:
أنا والجامعة – الجزء الثامن

بقلم الأستاذ الدكتور عادل الأسطة

ربما تكمن إحدى مشاكل جامعة النجاح الوطنية في موقعها وفي طبيعة المجتمع النابلسي بخاصة والوضع الفلسطيني بعامة ، بالإضافة إلى كون الفلسطينيين جزءا من العالم العربي الذي يعاني من بنية سياسية واجتماعية بائسة .

عندما ذهبت إلى ألمانيا درست في جامعة ( بامبرغ ) التي تقع في وسط البلدة القديمة ، ومثلها جامعة ( فرايبورغ ) ، كما لو أنهما تقعان في خان التجار في نابلس ، وقد مدح كارل زوج المستشرقة التي اصطحبتنا إلى ألمانيا هذا الموفع ، وقال إن جامعتنا بين الناس غير بعيدة عنهم .

ما اعتبره كارل في مجتمع غربي ميزة هو ليس كذلك في مجتمع عربي وبخاصة في المدن الصغيرة التي يعرف أكثر الناس فيها بعضهم ، بخلاف المدن الكبيرة مثل القاهرة وبيروت .
قبل أن أتعين في الجامعة كان موقف باصات الجامعة قرب دوار المدينة مقابل ” أحذية نانا ” ، ومرة أصغيت إلى مراهق يمر قرب الباص وينادي مستهزئا :

– جامعة الن- اح . مستبدلا حرفا بحرف الجيم ، كما لو أن على الجامعة ألا تكون مختلطة وتخضع لمفهومه للأخلاق .

بعض أهل المدينة من المحافظين لم يستسيغوا قبل تأسيس الجامعة إقامة مسرح في المدينة أو إقامة ناد مختلط للعائلات ، بحجة الحفاظ على الأخلاق ، ولما أقيمت الجامعة ازداد عدد طلابها وطالباتها وصار قسم من الطلاب والطالبات يمشون معا في البلدة ، وهذا لم يرق ربما لبعض الناس ، علما بأن الاختلاط كان في معهد النجاح حاصلا قبل تأسيس الجامعة بسنوات ، ولكن عدد طلاب المعهد كان قليلا وكان الاختلاط يتم داخل أسوار الكلية.

طبعا لا يمكن تعميم حالة المراهق باعتبارها تمثل وجهة نظر سكان المدينة كلهم ، ومع ذلك فإنه كان يصدر عن توجه عرفته المدينة قبل سنوات قليلة حين اعترض على إقامة مسرح في المدينة وإقامة ناد مختلط هو النادي الذي أقيم لاحقا في مكان بعيد عن المدينة .

ما أود كتابته هنا هو أن موقع الجامعة في داخل المدينة ترك مجالا لتدخل السكان فيما يجري فيها ، وزاد الطين بلة حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال .

ليس غريبا وما سبق أن تصبح الجامعة وما يجري فيها على لسان المواطنين وأن يدلي كل واحد من هؤلاء بدلوه بصفته الخبير العليم وصاحب الفضيلة وأنه يمون على فلان وفلان ممن يعملون فيها.

في العالم العربي لا تبني المدارس ولا الجامعات شخصية طالب يعتمد على نفسه حتى بعد أن يتخرج، ومن هنا لا بد من الاعتماد على الأب أو القريب أو الواسطة، وهكذا يتدخل الآخرون ممن هم خارج الجامعة في شؤونها.

لن تستغرب إن كنت عضو هيأة تدريس أن يزورك في بيتك والد طالبة أو قريب لها ليتوسط لك بشأن ابنه أو ابنته الذي رسب في المساق الذي تعلمه، أو أن يأتيك والد طالب أو طالبة، ممن يعملون في الجامعة، لتساعد ابنه أو ابنته أو قريبه. ولن تستغرب أيضا أن يطلب منك أخوك أن تنجح فلانا أو فلانة من أبناء أصحابه، فالكل في نابلس يعرف الكل، والكل يمون أو يتخيل نفسه أنه يمون على الأساتذة وعلى إدارة الجامعة.

الطلاب القليلون الذين كانوا يعتمدون على أنفسهم كانوا قليلين، وغالبا ما كانوا سجناء أمنيين قضوا في السجن سنوات، وهؤلاء شكلوا حالة ما عادت مع مجيء السلطة تتكرر.

ولم يقتصر الأمر على المجتمع، فقد كانت الفصائل غالبا ما تتدخل في العلاقة بين الأستاذ وبعض الطلاب المنتمين لها، وإذا كنت قريبا من هذا الفصيل أو ذاك، فإن الطلب منك بمساعدة أعضائها يزداد، وهذا كله يفقد العملية التعليمية في الجامعة بعض استقلالها.

مرة في 90 القرن العشرين كتبت مقالا عنوانه “جناية الفصيلية على المجتمع الفلسطيني” وبقدر ما كان للفصائل دور إيجابي كان لها في الوقت نفسه أدوار سلبية في التعليم، فأنت صرت ترى الطلاب تؤلف قلوبهم، فيختارون هذا الأستاذ دون غيره لأنه من فصيلهم أو…

هنا أشير إلى أن الجامعات العربية ليست أفضل حالا، وما عليك إلا أن تقرأ رواية خالد خليفة “لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة” لتعرف هذا، وما عليك إلا أن تتابع بعض ما جرى في بعض الجامعات الأردنية في السنوات الأخيرة لتتأكد من أن بنية المجتمع العربي والنظام السياسي فيه يفسدان الجامعة دورها الريادي ويقللان منه، فبدلا من أن تقود الجامعة المجتمع تغدو ذيلا له، وبدلا من أن تعتمد الصرامة العلمية في شؤون التعليم والتعيين تحضر الواسطة والفصيلية والعائلية وعلى رأي بعض أهل نابلس الذين يميلون إلى الدعابة، فإن هذا “مننينا” -أي من أهل نابلس- ومن جماعتنا ومحسوب علينا، والكلام يطول ويتشعب وإلى اللقاء في الجمعة القادم

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.