أسرة وطفل تربية مختارات مقالات

علموا أولادكم ثقافة الهزيمة!

علموا أولادكم ثقافة الهزيمة!
بقلم/ كريم الشاذلي
لأسباب تتعلق براحتي النفسية قررت أن أهجر التلفاز طوال التسع سنوات الماضية، سلامة عقلي وروحي كانت تستدعي مني أن أصم أذني وعيني عن شلال الترهات الذي ينفجر بمجرد إمساك جهاز التحكم “الريموت كونترول”، دعك من أن لا جديد يحتاج لأن أتابعه، لقد وصلنا فعلياً إلى مرحلة تدوير للفشل والإحباط، صولات عكاشة ومرتضى وميدو وحساسين لن تزيدني إلا غماً وعنتاً، وعليه فاعتزال هذا العته صار أمراً واجباً.
غير أن مخاصمتي لهذا الصندوق العفن ليس كاملاً، ذلك أنني ـ ورغم أنفي ـ أضطر لاستراق النظر حينما تستدعي جلستي في مكان عام أن أكون مواجهاً له، والحقيقة أنني لا أجد بأساً من متابعة الشاشة وما تقدمه في هذه الأوقات اللهم إذا كان ما يُعرض هو أحد برامج التوك شو أو استوديوهات التحليل الرياضي، حينها أدير ظهري مستعيذاً بالله ومستغفرا!
من هنا لم أجد بأساً في أن أشاهد بنصف عين أحد برامج المسابقات التي تقام للأطفال أثناء جلوسي في أحد المقاهي العامة أنا وبعض الأصدقاء، وبغض النظر عن تحفظي تجاه هذا اللون من المسابقات، إلا أنه لفت نظري شيء أثناء إجراء مسابقة لاختيار الأطفال الذين سيتم ترقيتهم في فرق للدخول للمراحل النهائية، وهو حالة الانهيار التي تنتاب الطفل وذويه حال الفشل، الغالبية العظمى من الأطفال كانت تبكي ـ خصوصاً المصريين منهم ـ وغير قليل من ذويهم كانت تنتابهم حالة من الحزن والغضب، وبعضهم اتهموا فريق التحكيم بالظلم والمغالطة!
والحقيقة أن هذه المشاهد والتي تسجلها كاميرا البرنامج كنوع من إضفاء نكهة إنسانية للحدث، تدلل على شيء خطير في تربيتنا، شيء خاطئ للأسف نمارسه كثيراً مع أنفسنا وأبنائنا، هذا هو تعاملنا مع الحياة من منطلق أنها سلسلة انتصارات متتالية.
كل آب وأم من هؤلاء ذهبوا بأبناهم وهم يمنونهم بالفوز والانتصار والمركز الأول، لم يدر بخلد أحدهم أن يعلم طفله ثقافة الهزيمة ولا أدبيات التعثر ولا روح الفرصة القادمة!
وبالتالي تصبح الهزيمة ـ والتي لم نضعها بالحسبان ـ أمر منكور، خاطئ، غير مستساغ، وتأخذ من أرواحنا الشيء الكثير.
وللأسف الشديد فإن هذا الخطأ التربوي كثيراً ما نمارسه مع أبنائنا في الحياة مدفوعين بثقافة “الأفعل” التي ترسخها فينا حملات التسويق والدعاية والإعلان، فنضع أبنائنا تحت ضغط “الأشطر، الأفضل، الأحسن، الأروع” ونلقي بهم في ساحة الحياة في سنينهم الأولى وقد خصمنا من رصيد فطرتهم كي نشحذ هممهم ورغباتهم ليصيروا شيئاً يستحق الثناء والإعجاب وبالتالي فخرنا وتميزنا ورضانا عن أنفسنا وتربيتنا!
أعلم أن كل أب وأم فينا عليه أن يهتم بولده وتنمية موهبته وتعليمه ووضعه على درب النجاح والتفوق، ولكن هذا كله لن يجدي نفعاً حين تكون نفسياتهم مهترئة وثقتهم بأنفسهم مهتزة وأرواحهم شرهة دائماً للانتصار كي يكونوا عند حسن ظننا بهم، خصوصاً وأن للحياة أدبياتها الخاصة التي تحتاج منا أن نُفهمها لأبنائنا ونعمل على بثها فيهم.
كم منا علّم أبنائه أن الحياة ربح وخسارة، وأن الخسارة لا تعني أنه فاشل، وإنما هي إشارة إلى أن هناك ثمة خطأ عليه أن ينتبه إليه في المرة القادمة؟
كم منا أفهم ولده أن الله ـ جل اسمه ـ يحب الاجتهاد، والتجربة، والعمل، وأن منهجه ـ جل اسمه ـ أنه يثيب حتى على الاجتهاد الخاطئ، طالما أننا نعمل ونبذل الجهد؟
كم منا تعامل مع ولده بمنهج الجهد المبذول لا النتيجة المتحققة، ذلك أنه يأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد كما اخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعليه فإن الربح ـ مع محبتنا وطلبنا له ـ ليس هو المعيار الوحيد لقياس الأمور؟
وكم منا استطاع أن يفصل بين قبوله لولده وحبه له وبين إنجازاته في الحياة، حيث أن أكثرنا للأسف الشديد قد يعطي إحساساً ـ ولو كاذباً ـ أن معيار حبه وقبوله لولده متوقف على تحقيقه للنتائج المرجوة؟!
كل هذه الإشارات نتغافل عنها ونحن ندفع بأبنائنا إلى معترك الحياة، وتكون النتيجة ما نراه اليوم من شره مدهش للفوز ولو على حساب القيم، ومباريات الضرب تحت الحزام التي يخوضونها بحثاً عن النصر، حيث لا شيء غيره يثبت لهم ولا للأخرين أنهم قد أدوا ما يجب عليهم أدائه.
ضف فوق ذلك كارثة أخرى، وهي كارثة الفزع من شبح التعثر والإخفاق، والذي يولد حالة من الإنكار السريع للفشل، ومحاولة الالتفاف حوله بدلاً من الاستفادة منه، وكيف يستفيد من فشله وقد علمناه أن الفشل يعني أنه فاشل؟!
القرآن الكريم عزيزي القارئ لم يكن مجاملاً تلك الفئة القليلة المؤمنة حينما تعثرت في مبتدأ مشوارها، لم يساعدهم في عملية خداع النفس التي حاول بعضهم أن يمارسها، بل كان واضحاً صريحاً قاسياً بعض الشيء وهو يفصح لهم عن مكنونات صدورهم “أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا، قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ..”، هذه التربية الواضحة التي تعلم الشخص دائماً معادلة “السبب والنتيجة”، “القرار وتحمل نتائجه” هي ما يجب أن نربي أنفسنا وأبنائنا عليها، وأنه كما قال الشاعر الفارسي “سعدي الشيرازي”: “إذا عكست المرآة قبح وجوهنا، فعلينا إصلاح الوجه لا كسر المرآة”!
من هنا نحن بحاجة إلى أن نُعلم أبنائنا دروس الحياة الحقيقية، تلك التي لن تعلمها لهم المدرسة، ولن تحنو الحياة عليهم عندما تصدمهم بها، علينا أن نوسع لهم دائماً الخيارات ونفهمهم أن الحياة فسيحة وفرصنا فيها بعدد أنفاسنا، وأن الهزيمة لا تكون هزيمة إلا إذا أقعدتنا عن المحاولة وتغلغلت بداخلنا، وأن احترامهم لأنفسهم وثقتهم بها لا يجب أن تنال منه ضربة غير موفقة، أو انكسار في لحظة ضعف، وإنما علينا بعد محاسبة النفس وتعلم الدرس أن نكمل الطريق، متسلحين بخبرتنا، تلك الخبرة التي دفعنا ثمنها غالياً، ولا يجب أن نضيعها في البكاء والنحيب واتهام الحياة بظلمنا والتربص لنا.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0