سياسة مختارات مقالات

الحدث التونسي 

الحدث التونسي 
بقلم/ مصطفى شحادة
هل هو انقلاب على الدستور والديمقراطية أم تصحيح للمسار ؟
قلنا في البداية انه لمعرفة ما حدث في تونس ، فلابد من فهم طبيعة النظام السياسي الذي أنتجه دستور “الثورة ” الجديد الذي أشرفت على صياغته حركة النهضة ، فيما عُرف بدستور الجمهورية الثانية التونسية ، باعتبار الجمهورية الاولى مَثَّّلها الحبيب بورقيبة ثم زين العابدين بن علي بدستور 1959 الذي صاغ نظاماً رئاسيا مستوحى من نظام الجمهورية الفرنسية الخامسة 1958 باعتبار ان النظام الرئاسي القوي سيكون ضمانة أصيلة لحرية الأفراد وحقوقهم ، اضافة الى انه ضمان للنظام والأمن وسداً منيعاً ضد كل فوضى
فما هي طبيعة النظام السياسي للجمهورية التونسية الثانية ؟
من قراءة مواد الدستور وخاصة في البابين الثالث والرابع ، والمتعلقين بالسلطتين التشريعية والتنفيذية ، سيتضح ان النظام السياسي الذي ابتدعه هذا الدستور هو نظاماً هجينا ليس نظاما رئاسياً وليس نظاما برلمانياً ، وانما من هذا وذاك ، اي نظاماً شبه رئاسي ، شبه برلماني ، بل يمكن القول انه نظام نصف رئاسي اراد له واضعوه ان يتجه نحو النظام البرلماني تدريجياً
كتب المفكر المقيم في الدوحة مقالاً بمناسبة الحدث التونسي ، ونشره في العربي الجديد بعنوان :” النظام الرئاسي في البلدان العربية مشروع استبدادي “
قال فيه ، ” كان المقصود ان يكون النظام في تونس برلمانياً ، ولكن في النهاية أُدخلت فيه عناصر من النظام الرئاسي ” وأضاف ” ان النظام البرلماني هو الأصلح لها بعد عقود طويلة من حكم الفرد المستبد ” ، وكأن المشكلة في النظام الرئاسي بحد ذاته ، أو ان النظام الرئاسي ليس ديمقراطياً ، مع العلم ان النظام السياسي الامريكي هو نظام رئاسي ، ويتغنى الجميع بديمقراطيته
والملاحظ أن أفكاره هذه قد تقاطعت مع مخططات حركة النهضة في رؤيتها للنظام السياسي الملائم لها في تونس ما بعد الثورة
فقد كانت حركة النهضة خلال مناقشة مسودة الدستور التونسي هي الحزب الوحيد الذي اراد النظام البرلماني من بين 20 حزباً سياسياً جمعهم الحوار الوطني لمناقشة الدستور
ولكن يبدو أن الواقع السياسي التونسي لم يشجع على الانتقال فوراً الى النظام البرلماني كما هو مألوف في النظم البرلمانية في العالم ، فالمشهد الحزبي غير مشجع ، والديمقراطية ضعيفة وتقاليد الحوار والمناقشة محدودة ولا تشجع على اعتماد آليات النظام البرلماني
فكان الحل نظام نصف رئاسي ، وتجدر الاشارة الى ان الفقيه الدستوري الفرنسي الشهير موريس دوفرجيه يعتبر ان النظام النصف رئاسي أقرب للنظام البرلماني منه للنظام الرئاسي ، حيث يجعل السلطة التنفيذية ثنائية برأسين ، رئيس الدولة ورئيس الحكومة ، والوزارة ( الحكومة ) هي المسؤلة سياسياً أمام البرلمان وليس امام رئيس الدولة
وبشكل عام في النظام النصف رئاسي نجد العناصر الجوهرية للبرلمانية ، والفارق هو أن رئيس الدولة عوضاً عن أن يكون منتخباً من قبل البرلمان يجري إنتخابه من الشعب بالاقتراع العام
اذا نظرنا في التوازن داخل السلطة التنفيذية كما عبَّر عنها الدستور التونسي 2014 ، فإننا نلاحظ أن رئيس الحكومة هو الذي يمثل حجر الزاوية بها ، لكن توزيع الصلاحيات يعكس رغبة في إقامة علاقة تعاون بينه وبين رئيس الدولة ، اذ يتعلق الأمر بتحقيق بعض التوازن لكن دون المساس بفاعلية النشاط الحكومي
فرئيس الحكومة هو المسؤول عن السياسات العامة للدولة مع مراعاة ما منح لرئيس الدولة من صلاحيات (الفصل 91)، كما يمارس السلطة التنظيمية العامة (الفصل 94)
ويختص ايضاً بإختيار واقالة الوزراء ، وبإجراء التعيينات والاعفاءات بالوظائف المدنية العليا ، ويتصرف في الادارة العمومية ( الفصل 92 ) ، ويترأس مجلس الوزراء ( الفصل 93)
وبالمقابل يُسمي رئيس الجمهورية محافظ البنك المركزي ، بناء على اقتراح رئيس الحكومة وبعد موافقة البرلمان ( الفصل 78)
أما في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي ، فإن الرئيسان يمارسان صلاحيات مشتركة
فيختص رئيس الجمهورية بالسياسات العامة في هذه المجالات بعد استشارة رئيس الحكومة ( الفصل 77) الذي يبرم الاتفاقات الدولية ذات الصبغة الفنية ( الفصل 92) ، ويحتكر المبادرة في خصوص مشاريع القوانين الموافقة على المعاهدات ( الفصل 62) الذي يمارس رئيس الجمهورية في شأنها اختصاصاً حصرياً في المصادقة ( الفصل 77) ، ويختار رئيس الحكومة الوزراء المكلفين بهذه المجالات ويمكنه إقالتهم بالتشاور مع رئيس الجمهورية ( الفصلان 89 و 92 ) الذي يملك اختصاص التسمية والاعفاءات في الوظائف العليا العسكرية ، والديبلوماسية والوظائف المتعلقة بالامن القومي بعد استشارة رئيس الحكومة ( الفصل 78 )
كما يترأس رئيس الجمهورية مجلس الأمن القومي الذي يُدعى اليه رئيس الحكومة ورئيس البرلمان ( الفصل 77 ) ، ويترأس وجوباً مجلس الوزراء في هذه المجالات
ولكن دعوة المجلس للانعقاد وتحديد جدول اعماله تبقى من اختصاص رئيس الحكومة ( الفصل 93 )
ويختص رئيس الجمهورية بالقيادة العليا للقوات المسلحة
ويتضح من خلال مختلف هذه العناصر ان التوزيع الدستوري للاختصاصات يفترض ارادة قوية للتعاون بين رأسي السلطة التنفيذية ، وفي غياب هذه الارادة تصبح ادارتهما للشأن العام امراً
مستحيلاً
ومن المآخذ الملفتة على الدستور التونسي أنه لا يحدد دائماً القيمة الملزمة قانوناً للتعاون بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ، إذ تنص بعض الفصول مثل ( 77 و78 و80 و89 و 92 ) على الاستشارة أو التشاور بين رئيسي السلطة التنفيذية بدون أن تذكر أي شئ إضافي حول مفعول هذه الاستشارة ، هل هي إعلامية بحتة ؟ هل ترغم على إتخاذ قرار مشترك وتوافقي ؟
مع العلم ان إغفال الدستور لهذا الموضوع يؤدي الى مضاعفة مخاطر التوتر داخل السلطة التنفيذية ٠
وعلى العموم يبدو أن رئيس الحكومة هو الشخصية الأهم في السلطة التنفيذية ، مع انه يستمد شرعيته من البرلمان ، بينما رئيس الجمهورية يتمتع بشرعية شعبية واسعة جراء انتخابه انتخاباً عاما مباشراً من الشعب
ولا تبرز شخصية رئيس الجمهورية الّا في حالة الظروف الاستثنائية ، حيث يسمح له الدستور بممارسة ديكتاتورية خلاص وطني باتخاذ كل التدابير اللازمة لتأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة ( اي لمرافق الدولة العامة )
وهو ما لجأ اليها الرئيس قيس سعيد لتصحيح المسار الثوري الذي تم حرفه خلال العشر سنوات بعد الثورة
…. يتبع
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0