ثقافة سياسة عالم الصحافة فكر مختارات مقالات

القنوات الفضائية العربية بين الشافعي وعمر بن الخطاب

القنوات الفضائية العربية بين الشافعي وعمر بن الخطاب

بقلم/ وليد عبد الحي
لم اعتمد يوما في متابعتي للأخبار على مصدر واحد، لكني أعتمد على قنوات قليلة أكثر من غيرها في رصد ما يجري، فالجزيرة والميادين والعربية والبي بي سي وروسيا اليوم والسي ان ان وفرانس 24 هي القنوات الاكثر متابعة من قبلي.
وسأتوقف في مقالي هذا عند قنوات عربية ثلاث هي الجزيرة والميادين والعربية:
1- التوجهات العامة:
تمثل قناة الجزيرة الذراع الاعلامي لحركة الاخوان المسلمين بشكل خاص وأغلب الحركات الاسلامية بشكل عام ، وهي مدعومة ماليا “ومقرا” من الحكومة القطرية التي تقدم ما يعادل 80-85% من ميزانية الجزيرة وتغطي الجزيرة باقي نفقاتها من الاعلان والذي يأتي اغلبه من مؤسسات او شركات مرتبطة اما بالاخوان المسلمين او بالقطاع العام القطري.
اما قناة الميادين، فهي قناة تمولها بشكل تام الحكومة الايرانية، وهي تفتقر بشكل شبه تام للاعلان التجاري، وتكاد الاخبار ذات الصلة بايران او حلفاء ايران تطغى على مادتها الاعلامية.
اما قناة العربية والممولة من الحكومة السعودية ومن شركات الاعلان بخاصة السعودية او الخليجية، تكاد أن تكون الأكثر وضوحا في توجهاتها بخاصة في معاداة كل ما تؤيده الجزيرة او الميادين، وطبقا لعدد من التقارير فهي اكثر القنوات الثلاثة تبعية لممولها الرسمي.
2- مضامين التوجهات السياسية للقنوات الثلاثة:
يمكن توصيف القنوات الثلاثة على النحو التالي: الميادين هي الاكثر ” تزويقا ” لمحور المقاومة وللوضع داخل ايران ، والعربية هي الاكثر تزويرا واستخفافا بعقل المتلقي والأكثر ميلا للإعلام الغرائزي، اما الجزيرة فهي الأذكى تمويها بين القنوات…
أ- الميادين:
هذه القناة تقدم نفسها على انها قناة المقاومة، لكنها تخلط في مادتها الاعلامية بين “ثقافة رفع المعنويات والتحريض على الخصوم” وبين حقيقة الواقع وملابساته وبشكل قد يخلق آمال كاذبة وثقة مفرطة على غرار –ولو بحدة اقل- ما كان عليه الاعلام الناصري، وتطغى على مادتها الاعلامية فكرة مركزية هي ان “محور المقاومة ينتصر وولى زمن الهزائم وان موازين القوى تميل تدريجيا لصالح هذا المحور، ويتم سوق ما تعتبره الفضائية دلائل على صحة ما تقول، سواء شواهد عسكرية او سياسية او اقتصادية وبشكل يفتقر لقدر كبير من الدقة في احايين ليست قليلة .
فالوضع الاقتصادي في ايران اسوأ كثيرا مما تقوله الميادين، وهو امر يقر به بعض قادة ايران والكثير من الباحثين والمؤسسات الدولية، وانتصارات اسرائيل في الميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية لا يتم الاشارة لها لكي لا تشوب دعاية الانتصار شائبة، فمثلا الردع بين المقاومة واسرائيل يقدم كاشارة نصر، لكنه يخفي أن ذلك يعني التوقف عن نهش العدو وتركه يزيد قوته قوة على غرار تجربة اتفاقية الهدنة بين العرب واسرائيل عام 1949، عندما استيقظ العرب عام 1967 على قوة حطمت جيوشهم تحطيما مذلا في ساعات قليلة…وسوريا التي نجحت في لجم المشروعات الغربية لا تتم الاضاءة فيها على ضيق مساحة حرية القرار السياسي لها بفعل توازنات تحالفاتها وانضباطها المموه في مواجهة الهجمات الاسرائيلية المتكررة، والصراع داخل العراق لا يتم تحليله الا من زاوية الحشد الشعبي دون لمس مستوى الاضطراب وعدم الاستقرار والفساد وهروب الكفاءات وتنامي النزعة الاستقلالية للأكراد الى حد رفع اعلامهم في المناسبات العراقية كما جرى خلال تنصيب الرئيس الايراني الجديد…وتتحرج الميادين عن نقد نهج السلطة الفلسطينية، واذا استبعدنا قضية نزار بنات فان الميادين تراعي هذا الجانب كثيرا. ولكي ادلل على تغييب شبه تام(لا اقول تاما) لبعض انتصارات اسرائيل على محور المقاومة و التحرر العالمي، يكفي الاشارة الى ضعف تغطية الميادين ل (على سبيل المثال لا الحصر):
أ‌- نجاح اسرائيل في الحصول على صفة المراقب في الاتحاد الافريقي وبلوغ عدد الدول المعترفة باسرائيل في القارة الافريقية الى 46 من اصل 55 دولة(أي بنسبة 84% تقريبا)..
ب‌- تجنب الميادين الحديث عن تطور العلاقات الاسرائيلية الصينية في اغلب القطاعات بل والروسية في بعضها.
ت‌- ليت الميادين تقدم لنا تقارير عن كيف اصبحت فييتنام” قبلة اليسار السلفي” هي المستورد الثالث عالميا للسلاح الاسرائيلي.
ث‌- لماذا تغييب التقارير عن المعارضة الايرانية وبعضها يضم نخب فكرية وادبية وازنة.
ج‌- هل تحلل الميادين التقارير العلمية عن الفقر والفساد والجريمة والبغاء والمخدرات في ايران؟
ح‌- بل عندما تستضيف الميادين بعض المفكرين فانها تأخذهم للمساحة التي تعزز الصورة التي تريد الميادين رسمها، فمثلا عند استضافة الكسندر دوغين (المفكر الروسي الاكثر شهرة) لم تناقشه في موقفه من أن اليهودي الجيد هو الذي يهاجر لاسرائيل واليهودي السيء هو من يندمج في مجتمعات المنفى، بل اخذت الميادين النقاش معه الى حيث تحب فقط.
ب- الجزيرة:
كما اشرت فان الجزيرة هي الاكثر قدرة على التمويه، وقد اشرت سابقا الى ان الجزيرة هي ربما القناة العربية الوحيدة التي لا تستخدم تعبير “داعش” في نشراتها او تعليقاتها، بل تستخدم تعبير “تنظيم الدولة”، ولا تقول النظام الاسرائيلي أو النظام السعودي او النظام الافغاني بل تصر على ” النظام السوري او النظام المصري”، ولا تقول المشير خليفة حفتر بل “اللواء المتقاعد” ولكنها لا تطلق اية اوصاف على ضباط المعارضة الليبية او السورية او العراقية أو المصرية او اليمنية…وتطلق على انصار الله اسم الحوثيين او جماعة الحوثي، ولا تصف مثلا بوكو حرام بجماعة ” الهوساوية او الشيكاوية او البرناوية او اخيرا اليوسفية”…فالتسميات والالقاب هي ” السر وأخفى”.
ولا داعي للعودة لنتائج الدراسة التي اشرفت عليها حول مضامين الجزيرة والتي يغلب عليها الانحياز في المادة الاعلامية والضيوف والاخبار للبعد الاسلامي على حساب غيره من التوجهات.
ولا شك ان اخبار الجزيرة عن السعودية والامارات والبحرين هي اخبار “موقف سياسي” أكثر منها اخبار سياسية.
أنا أطلب من القارئ ان يتابع الصور التي تكررها الجزيرة من مراسلها الياس كرام عن صواريخ المقاومة في معركة سيف القدس..فالصورة تبين عشرات الصواريخ المنطلقة من غزة باتجاه فلسطين المحتلة…لكن المراقب للصورة يجد ان صواريخ القبة الحديدية اسقطتها كلها تقريبا (اشتعال الصورايخ وانفجارها في الجو)، فهل هذه الصورة المتكرر بريئة ام موضوعية؟ السياق العام يساعد على الفهم.
جانب آخر:
بعد آخر، لماذا لم تغط الجزيرة بشكل كاف انضمام ” حزب اسلامي اخواني منشق ” للحكومة الاسرائيلية الجديدة؟ الم ينشق حزب الحركة الاسلامية الجنوبية عن حركة رائد صلاح بعد اوسلو 1993، بل وخرج عن صف القائمة المشتركة وايد الحكومة اليمينية الجديدة في اسرائيل…انا لا اناقش التوجهات بل اناقش مواقف الجزيرة في تغطيتها..هل غض الطرف لان موقف زعيم الانشقاق منصور عباس ط مربك أم مخجل”…
من جانب آخر، لو نظرنا في تغطية الجزيرة للتطبيع الاماراتي والبحريني مع اسرائيل او علاقة الطرفين ببعضهما في القطاعات المختلفة، وقارناه مع تغطية الجزيرة لتطبيع المغرب (ذات الحكومة الاخوانية..والحكومة التي اضافت لدستور بلادها نصا عن ان التراث اليهودي يشكل جزءا من تراث المغرب…الخ من مواقف) فهل هناك توازن في حجم ومضمون التغطية؟ ولو قارنا الامر مع التطور الكبير في العلاقات التركية الاسرائيلية ( اقتصاديا وسياحيا واستخباريا (وهو ما اكده اردوغان في تصريح علني)، سنجد ان موقف الجزيرة تطبيق دقيق لمقولة الامام الشافعي “
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَة وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
ج- العربية:
دون أي تطاول، ارى انها الاكثر غباء في اخبارها وحواراتها بل وكذبها (ويكفي العودة لمسلسل خاشقجي وكيفية تغطيته التي تذكر في التاريخ العربي بهبنقة)، او في تغطية حرب اليمن التي وعدنا ممولها انه سينهيها في ثلاثة اسابيع وها نحن على ابواب الاسبوع الاربعمائة دون بصيص أمل)، فهي مكشوفة في كل توجهاتها ولا تحتاج لعناء لمعرفة توجهاتها، وفيها سذاجة مفرطة في بعض الاحيان.
اخيرا: اين يلتقون؟
في متابعتي لتقديم خبر حصول اسرائيل على صفة المراقب أهملت القنوات الثلاث تفسير احد اهم الاسباب التي جعلت هذا القرار يفشل في ثلاث مرات سابقة منذ تحولت منظمة الوحدة الافريقية الى الاتحاد الافريقي عام 2002، ان مراجعة تقارير مراكز الدراسات الاسرائيلية المختلفة بل واغلب صحفها تشير الى أن الرئيس الليبي معمر القذافي كان احد اهم اسباب عدم قبول الافارقة بصفة المراقب لاسرائيل وقدرته على ” الدعم المالي او الاغواء السياسي او تبادل المنفعة مع الافارقة او العزف على وتر التحرر “تفسر تردد الافارقة في قبول اسرائيل بعد ظهور الاتحاد الذي كان هو احد اهم الداعين له وداعميه..
المحطات الثلاث تجاوزت هذا الامر في تحليلها للخبر الجديد، لان الميادين لا تريد اغضاب قطاع شيعي يحمل القذافي مسؤولية نهاية موسى الصدر، لكنها تكرر النشاط الجزائري لاعادة النظر في القرار الافريقي لانها لا تنقل الا اخبار النصر لمحورها، والجزيرة لا تؤمن ب” أذكروا محاسن موتاكم” لان موقفها من القذافي اكثر من معروف، بينما العربية تصر على تقيؤ غرائزيتها في كل خبر…
القذافي له عيوب لا تحصى، بل انا من المقتنعين بعدم صلاحيته للسلطة وكتبت ذلك في زمنه، لكن تغييب الفضائيات العربية مواقفه الايجابية بذرائعيات كريهة امر غير مقبول على الاقل من وجهة نظري.
خلاصة الامر..
من الطبيعي ان تكون وسائل الاعلام ليست موضوعية وهو امر اتفهمه تماما تماما كباحث متواضع في علم السياسية، لكني اردد مقولة عمر بن الخطاب “لست بالخب ولكن الخب لا يخدعني”.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0