أدب و تراث تاريخ سياسة مختارات مقالات

الكاتب زكريا محمد: هوية للبيع

هوية للبيع
بقلم/ زكريا محمد
عندما أسمع هذه الأيام جملة (فلسطين جنوب سوريا) من بعض من يظنون أنفسهم عارفين، أتبسم رغما عني. فهؤلاء يظنون أن مثل هذه الكليشيه البسيطة يمكن لها أن تحسم أمرا شديد التعقيد كالهوية الفلسطينية، التي كان تاريخها كله تمزقا بين تأكيد الهوية ونفيها، بين تخصيصها وبين تعميمها، بسبب صعوبة الصراع مع المشروع الصهيوني وعمقه الاستعماري الغربي. وتذكرني جملتهم بسنوات الثلث الأول من القرن العشرين عندما كانت الهوية الفلسطينية معروضة للبيع مجانا: فقط احمونا من الخطر الصهيوني وسنكون ما تريدون: سوريين، مصريين، أو أي شيء. وأدناه فقرات من كتاب: “في قضايا الثقافة الفلسطينية” الذي صدر في التسعينات، تتحدث عن تلك الفترة.
(في المؤتمر القومي الفلسطيني الأول الذي عقد في شباط 1919، أُرغمت الحركة الوطنية الفلسطينية، في الواقع، على “شلح” هويتها الوطنية الخاصة، بسبب الخوف من الخطر الداهم الذي مثلته الحركة الصهيونية. فقد كان الاتجاه العام قبل المؤتمر يميل نحو “فلسطين للفلسطينيين”، إلا أنه مع انتهاء المؤتمر كان قد تم التخلي تماماً عن هذا الشعار خوفاً مما قد يحمله من تبعات على الصراع الفلسطيني مع الحركة الصهيونية. ففي ذلك الوقت، أي وقت انعقاد المؤتمر، تكشف للحركة الفلسطينية وعد بلفور ومغزاه، كما تكشف لها نطاق نفوذ الحركة الصهيونية وقوتها، الأمر الذي جعلها تشعر أنها غير قادرة على مواجهتها وحدها. وهكذا أزيح شعار “فلسطين للفلسطينيين” لصالح شعار “فلسطين جنوب سوريا”.
ولننظر إلى ما يقوله أحد المراقبين والمشاركين في النقاش الدائر وقتها، أي وقت المؤتمر، وهو خليل السكاكيني في يومياته: “إذا قلتم فلسطين للفلسطينيين فمعنى ذلك أنكم تخرجونا عن الجامعة العربية، فضلاً عما هناك من الخطر. إذ يقول العالم حينئذ أن اليهود فلسطينيون، فلهم الحق في أن ينزلوا فلسطين ويتخذوها وطناً لهم” ويضيف: “إن من الفلسطينيين من يرى ضم فلسطين إلى سوريا”، ومنهم “من يرى إلحاق فلسطين بمصر… تكثّراً بالمصريين أمام سيل المهاجرة الصهيونية الجارف.”
وهكذا “فالخطر الصهيوني”، خطر “المهاجرة الصهيونية الجارف” كان يدفع بالحركة الفلسطينية إلى الاندماج بسوريا، بل حتى بمصر، من أجل درء هذا الخطر، أي يدفعها إلى أن تتخلى عن “طابعها الخاص” وتتشبث بـ “طابعها العربي العام”، أو يدفعها إلى أن تصبح أكثر عروبية، وأقل فلسطينية.
وقد كان السكاكيني رحمه الله واحداً من أعداء فكرة “فلسطين للفلسطينيين” فهو يكتب في يومياته قبل انعقاد المؤتمر القومي، “الرأي الغالب في الجمعية [الفلسطينية] أن تطلب الجمعية من مؤتمر الصلح حق اختيار الحكومة التي تريدها أسوة بسوريا والعراق. وهناك فريق آخر يرى أن تكون فلسطين للفلسطينيين. وكلا الرأيين فاسد، لأنهما يعنيان فصل فلسطين عن الجامعة العربية [المجموعة العربية]، فإذا فصلت فلا بد أن يكون مصيرها… يهودياً.”
وهكذا “فالخطر الصهيوني” كان يدفع بعض الفلسطينيين نحو رفض شعار “فلسطين للفلسطينيين” وشعار استقلال فلسطين، لأنه قد يؤدي إلى أن يصبح مصير فلسطين يهودياً. عليه، فقد رأى هؤلاء الفلسطينيون أن “يخُصوا” هويتهم الذاتية، وأن يدمجوا ذاتهم في المحيط العربي العام خوفاً من الخطر الصهيوني.
لكن هذا البعض تحول إلى أكثرية جارفة في المؤتمر القومي. يقول السكاكيني في اليوميات ذاتها: “زارني يوسف العيسى فقال: قررنا [أي قرر المؤتمر] في جلسة أمس أن نُحيل اسم فلسطين سوريا الجنوبية فسّرني ذلك لأنه يُؤذن بعلاقة فلسطين بسوريا، فكأنه إعلان لمذهب جديد يعتنقه الرأي العام، وكأنه إبطال لذلك المذهب أن فلسطين للفلسطينيين.”
والحق أنه كذلك. فالتخلي عن اسم فلسطين ذاته، واستبداله باسم “سوريا الجنوبية” كان يعني إحلال “مذهب جديد”، يطمس الهوية ويدمجها بغيرها، محل مذهب “فلسطين للفلسطينيين” تحت ضغط الخطر الصهيوني، وتحت ضغط “الوضع الخاص” الذي كانت تريده بريطانيا لفلسطين من أجل تنفيذ المشروع الصهيوني. فإذا كان “الوضع الخاص” هو ما تريده بريطانيا فإننا نرفض هذا “الوضع الخاص” وما يشبهه، أي الاستقلال، من أجل درء الخطر الصهيوني.
وعليه، فإن اكتمال وضوح الخطر الصهيوني مع نهاية الحرب العالمية أدى إلى نتيجة واحدة: اندماج الحركة الفلسطينية بالمحيط العربي، والتخلي عن طابعها الخاص، لأنها شعرت بأنها غير قادرة على التصدي لهذا الخطر. ويمكن القول أن هذا الوضع ظل يلاحق الحركة الفلسطينية طوال القرن العشرين، فشعورها بالعجز عن مواجهة الخطر الصهيوني، كان يخفف من وعيها الذاتي لصالح الوعي العربي العام، على عكس جميع الحركات والهويات العربية التي ظلت طوال القرن العشرين تزيد التركيز على وعيها الذاتي.
ويفاجئنا السكاكيني بما هو أشد مما قال. فهو يضيف: “وفي الطريق التقينا بشكري أفندي التاجي، وهو من الذين يدعون لأن تكون فلسطين للفلسطينيين فتناوله أبو الفضل وقرّعه تقريعاً أليماً، وقال إن فكرة فلسطين للفلسطينيين ليست إلا فكرة صهيونية!”
إلى هنا وصل الأمر، أي حدّ اتهام من يقول أن فلسطين للفلسطينيين إنما هو صاحب فكرة صهيونية. وهذا ما أدى إلى إلغاء اسم فلسطين وإعطائها اسم “جنوب سوريا”. لقد ألغت الذات هويتها واسمها، ظانة أنها بذلك تحمى وجودها وتهرب من الخطر المحيط بها، ذلك أن الوعي بالذات، بالانفصال، بالتميّز، بوجود حدود، كان يهدد بأن يضع فلسطين المسكينة الصغيرة وحدها أمام المشروع الصهيوني. نعم، لقد “أخصى” الفلسطينيون وعيهم الذاتي من أجل النجاة، مثلما فعل حيوان السّمور في الأسطورة. فهو حين تطارده الحيوانات المفترسة يعمد إلى قطع خصيتيه ويرمي بهما لكي تتلهى بهما عنه فينجو. أما الفلسطينيون فقد أخصوا وعيهم الذاتي بأنفسهم من أجل النجاة).
وهكذا فأن قدر الهوية الفلسطينية أن تتمزق دوما بين مكوناتها المحلية والشامية والعربية. مرة تميل إلى تأكيد هذه المكون، ومرة إلى تأكيد ذاك، وتبعا للوضع واللحظات التاريخية. ولا يمكنها أن تشفى من هذا التمزق إلا حين يحدث تقدم في مواجهة المشروع الصهيوني. فعندها تستطيع، متحررة من الضغوط، أن تحدد حدودها براحة وحرية.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0