سياسة عروض كتب مختارات مقالات

النقد الناعم للصهيونية والرواية التوراتية في كتاب روحي الخالدي السيونيزم

صدر حديثا عن دار الأهلية في عمان: النقد الناعم للصهيونية والرواية التوراتية (في كتاب روحي الخالدي السيونيزم) –
مع كل الشكر للصديق الناشر احمد ابو طوق على جهده العظيم
ادناه جزء من مقدمة الكتاب – من دون هوامش:
هذا النص: الخلفية والضرورة
خالد الحروب
تموز (يوليو) ٢٠٢١
انتظر كثيرون قراءة كتاب “السيونيزم أي المسألة الصهيونية – اول دراسة علمية بالعربية عن الصهيونية” لمحمد روحي الخالدي من تحرير وليد الخالدي، الصادر حديثا (2020) عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية والمكتبة الخالدية في القدس، نظرأ للمكانة التقديرية البالغة للكاتب والمحرر والناشر. وكغيري من المتشوقين للكتاب انكببت على قراءته برغبة استكشافية وتوقعات كبيرة، لكنني اصبت بخيبة امل كبيرة وحيرة وداهمتني تساؤلات عديدة، وجدتُ نفسي بعدها مدفوعا الى كتابة هذه المقاربة النقدية، منطلقا من إحساس بمسؤولية علمية ومسؤولية وطنية أيضا. أصل الكتاب مخطوطة غير مُكتملة كتبها روحي الخالدي في فترات متقطعة بين سنوات 1908 و1913 وهي سنة وفاته، ويبدو انه اشتغل عليها في أكثر من مكان حيث اقام، في بوردو في فرنسا، وإستانبول والقدس، ولم ينشرها وحُفظت في ارشيفات العائلة. المخطوطة الاصلية عُثر عليها في جزئين واحد مكتوب بخط روحي الخالدي نفسه، والآخر بخط شخص آخر. المؤرخ الفلسطيني الكبير وليد الخالدي اشتغل على المخطوطة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وعلى نحو متقطع، كما يروي في مقدمة الكتاب المُسهبة والمُمتعة، وفي سنة 1988 نشر بحثا عن المخطوطة تضمن فصولا منها في كتاب تكريمي عن قسطنطين زريق نشرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وحرره هشام نشابه. وقبل هذا التاريخ نشر عز الدين المناصرة ملخصات من المخطوطة في مجلة “شؤون فلسطينية” سنة 1982 بعنوان “مخطوطة عن الصهيونية من عام ١٩١٢ لروحي الخالدي”، ويذكر المناصرة انه اطلع على المخطوطة (او ال 110 صفحات التي توفرت له آنذاك) اول مرة سنة 1976. بيد ان نشر المخطوطة بكل فصولها مع شروحات وافية حول كيفية جمعها تأخر الى ما بعد ذلك بكثير، الى ان صدرت الآن على شكل الكتاب الذي بين أيدينا.
بعد خيبة الامل الأولية قرأت الكتاب مرة ثانية بتأن إضافي وبأمل تعديل ما اصابني من احباط، وهذه المرة اشتغلت عليه من منظور المُحقق فشرعت في كتابة ملاحظات عديدة، ورجعت الى ثلاثة كتب سابقة لروحي الخالدي كنت قد قرأتُ بعضها (وهي “أسباب الانقلاب العثماني”، و”الادب عند العرب والافرنج وفكتور هوجو”، و”الكيمياء عند العرب”)، بغية المقارنة بين انتاج روحي الخالدي السابق وكتاب “السيونيزم”. كما عُدت الى كتاب نجيب الخوري نصار “الصهيونية: ملخص تاريخها، غايتها وامتداداتها حتى سنة 1905” والذي نُشر سنة 1911، وهو الكتاب الذي اعتمد عليه روحي الخالدي وتقريبا ضمنه كله في كتابه. واستعنت أيضا بالنسخة الإنجليزية المتوفرة لدي لمذكرات ثيودور هرتسل للتوثق مع بعض المعلومات الواردة في كتاب الخالدي والتأكد منها، بالإضافة الى كتاب هرتسل عن “الدولة اليهودية” الذي نشره سنة 1896. بحثت أيضا عن نص مهم اقتبس منه روحي الخالدي وهو لصحفي وكاتب يهودي عثماني، داود فريسكو، وهو كتيب بالفرنسية بعنوان “الصهيونية” Le Sionisme. واهم من ذلك انني رجعت الى الموسوعة اليهودية The Jewish Encyclopedia التي اعتمد عليها نصار والخالدي في كتابيهما وخاصة المجلد الثاني عشر، والتي صدرت اجزاؤها الإثني عشر بين سنوات 1901 و 1906، وقارنت النصوص الاصلية مع تلك المُترجمة والمُقتبسة في نص نجيب نصار أولا ثم المُقتبسة ثانية في نص روحي الخالدي ثانيا.
بعد القراءة المتأنية والفاحصة للكتاب والمقارنة مع كتاب نجيب نصار ومع النصوص الاصلية في الموسوعة اليهودية وجدت نفسي امام سؤال كبير: كيف يمكن ان يصدر هذا الكتاب حاملا اسم روحي الخالدي المؤرخ والسياسي والكاتب ورفيع الثقافة وقد شهد له الجميع بعلو كعبه في البحث والتنقيب والتحليل؟ وهل علي المضي وعدم التردد في نقد ما رأيته يستحق النقد برغم الاحترام والتقدير للخالدين، روحي ووليد، والمؤسستين الناشرتين؟
في كتب روحي الخالدي السابقة نرى الباحث الدقيق والعميق، والمؤرخ التحليلي والموسوعي الذي يفيض حماسة حول ما يكتب، وينخرط في الموضوعات نقدا واضافة. اما في كتاب “السيونيزم” فإننا نُدهش لغياب ذلك الباحث الدقيق الذي تعرفنا عليه، وعوضا منه نرى كاتبا متسرعا، لا يدقق في المعلومة، ويأخذ من الآخرين من دون النسبة إليهم، ويكتب ببرود وغياب حماسة مثيرة في موضوع هو أخطر الموضوعات على وطنه، ولا يندمج في كثير من جوانبه نقداً واضافة بالشكل الذي عهدناه فيه ونتوقعه منه. في “السيونيزم” هناك روحي خالدي آخر غير الذي عرفناه في السابق. وامام هذين “الروحييَّن” قررتُ الانحياز لروحي الخالدي الذي الذي عرفناه جميعا في ابحاثه السابقة، والانحياز لكتبه المُنجزة التي نُشرت بإشرافه وبعد ان انهاها واشتغل عليها بمهنيته، ثم دفع بها للمطابع، على حساب المخطوطة التي لم تنته ونُشرت من دون اذنه بطبيعة الحال ولا ترتقي لمستواه البحثي والمهني. في ضوء هذا التقديم، ينطلق هذا الانحياز وهذه المقاربة من الاعتبارات التالية:
أولا: صدور كتاب “السيونيزم” الذي هو اصلاً مخطوطة غير مُكتملة يُعتبر خطأً كبيرا، وعلى الأغلب ان روحي الخالدي لم ينشرها لأنها كانت غير صالحة وغير جاهزة للنشر بعد، وربما كان في وارد الإضافة والتعديل عليها، وما كان ليوافق على صدورها ونشرها على شكل الكتاب الذي بين أيدينا، خاصة بعد مرور زمن طويل عليها وبعد تراكم المعرفة حول الصهيونية، هذا مع التقدير للمقدمة التي كتبها وليد الخالدي واستهدفت وضع المخطوطة في سياقها التاريخي وأشارت طبعا الى ان العمل هو في الأصل مخطوطة غير منشورة. لكن المقدمة والتفسيرات والشروحات الواردة فيها لا تجيب على أسئلة كثيرة وابقت النص، الكتاب، مفتوحاً لنقد واسع كما سيرد.
ثانيا: حتى لو افترضنا ان المخطوطة كانت شبه جاهزة للنشر وان الموت المُبكر لروحي الخالدي سنة 1913 هو الذي قطع الطريق على نشرها، فإنها لا ترتقي للمستوى البحثي الذي عرفناه في كتب روحي الخالدي الأخرى ولا تتناسب مع قامته الفكرية والثقافية، بدليل الإختلالات الكثيرة التي تضمنتها والتي تفرض عدم نشرها. وإذا كان ثمة إصرار، ولو غير مُبرر او مفهوم، على نشرها فكان من المُفروض ان يُكتب على غلاف الكتاب “مخطوطة غير مُكتملة” بحيث تفتح باباً لإيجاد التبرير لوجود تلك الاختلالات. لكن هذا الباب تم اغلاقه مع الأسف بسبب الوصف الذي حمله غلاف الكتاب تحت العنوان الأساسي والذي اعتبرها “اول دراسة علمية بالعربية عن الصهيونية”. فضلا عن ذلك فإن هذا الوصف ليس صحيحا من ناحيتين. الأولى هي ان رسالة نجيب الخوري نصار عن الصهيونية المُشار اليها أعلاه هي الأولى عربيا من ناحية تاريخية، برغم عدم كونها “دراسة علمية” بالمعنى الحرفي، وهو الامر، أي اسبقية نصر نصار، معروف ويؤكده ايضا نيفيل ماندل في كتابة العرب والصهيونية قبل الحرب العالمية الأولى Arabs and Zionism before World War I. والناحية الثانية صعوب اعتبار مخطوطة روحي الخالدي علمية أيضا، للأسباب التي سنأتي عليها ادناه.
ثالثا: صدور هذه المخطوطة على شكل كتاب يحمل اسم روحي الخالدي الذي يحظى بمكانة ريادية في التاريخ الفلسطيني والعربي، وبتحرير وتحقيق وليد الخالدي الذي يُعتبر أحد أعمدة التأريخ الفلسطيني الحديث موقعا وصدقية وانتاجاً، وبرعاية مؤسسة الدراسات الفلسطينية ذات الإرث العريق والمكانة الراقية مع المكتبة الخالدية التي تُعتبر من اهم المكتبات التراثية في القدس وفلسطين يمنح الكتاب “مرجعية علمية” في موضوع الصهيونية يصعُب على أي كتاب آخر ان ينافسها. مقدمة الكتاب-المخطوطة اضافت عليه ايضا هالة كبيرة من خلال إعلاء أهمية المخطوطة وما جاء فيها من تتابع اكتشاف لأجزائها، وتلاحق الاهتمام بها خلال فترات متقطعة على مدار أكثر من ثلاثين سنة. كما تضمنتْ المقدمة صورا لدفتر الملاحظات التي كان روحي الخالدي يكتب فيها، وصفحات من ذلك الدفتر بخط يده، وهذا زاد من القيمة التاريخية والأصلانية للمخطوطة ووفر لها كل ذلك سلطة معنوية ومعرفية وتاريخية مُبالغ فيها. وتبعاً لهذه الإعلاء في شأن النص، فسوف يعتقد كثيرٌ من القراء خاصة من الجيل الجديد ان هذا الكتاب، وللأسباب المذكورة، هو المرجع الأول والاهم والأكثر صدقية حول فهم الصهيونية وبأعمق ما يمكن، وهذا يفرض مسؤولية علمية ووطنية لوضع الكتاب المنشور في المكان الملائم له بعيدا عن الهالة التي حظي بها تحريرا ونشرا.
وأخيرا، وتكرارا، تمثل هذه المقاربة في جوهرها دفاعا عن روحي الخالدي وموقعه في التاريخ الفلسطيني والعربي ومكانته العلمية والريادة، وتتوخى الموضوعية والدقة ولا تنطلق من اي موقف مُتحامل على روحي الخالدي لأي سبب كان، ولا من أي موقف مُسبق يُجامل روحي الخالدي ويتقبل كل ما كتبه من دون رؤية نقدية. وعلي ان اشير في هذا التقديم ان الصديق سليم تماري انتقد بعضا من الأفكار النقدية الواردة في هذه المقاربة والتي كانت قد نُشرت في شكل مُختصر في شهر آذار (مارس) 2021، وكتب في معرض دفاعه عن نشر الكتاب-المخطوطة ما يلي:
“انطلقت (مؤسسة الدراسات الفلسطينية) من مهمتها الأخلاقية لإبراز النتاج البحثي والثقافي الفلسطيني، ونشره على أوسع نطاق عندما اخذت القرار في نشر هذا النص، بالإشتراك مع المكتبة الخالدية، ووضعه امام القارىء الفلسطيني والعربي لدراسته وتحليله والحكم عليه.”
ما يرد ادناه هو تطبيق عملي وربما حرفي لما جاء ذكره تماري، أي ان النقد الوارد يقوم على دراسة وتحليل نص الكتاب-المخطوطة، ضمن سياقه التاريخي، ويحكم عليه استنادا الى نتائج الدراسة والتحليل والسياق.
ملاحظة أخيرة، حاولت كل جهدي ان تبقى قراءتي النقدية ورغم ما قد يتبدى من صرامة وربما قسوة في بعض مواضعها ملتزمة بالموضوعية والاحترام ومن دون الانتقاص من احد. لذلك كان الإهداء في صدر الكتاب كالتالي: “إهداء … إلى وليد الخالدي، المؤرخ والمعلم، تقديرا واحتراماً”
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0