تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

الحياة العلمية في فلسطين .. حياة متواصلة

الحياة العلمية في فلسطين .. حياة متواصلة

الكاتب والباحث/ ناهض زقوت

أهدانا الصديق الباحث الدكتور رشاد عمر المدني كتابه الجديد “الحياة العلمية في فلسطين في مرحلة الصراع الصليبي الاسلامي من سنة 1098- 1291م”، ويقع الكتاب في 342 صفحة، والكتاب في أصله رسالة الماجستير التي نالها الباحث في قسم التاريخ الاسلامي من الجامعة الاسلامية بغزة ، وقد طبعه كتاباً عن مكتبة سمير منصور للطباعة والنشر بغزة عام 2014.
الصديق الدكتور رشاد المدني أعرفه باحثاً مثابراً منذ أوائل تسعينات القرن الماضي حينما كان مديراً لمكتب مجلة البيادر السياسي بغزة، وكان اعلامياً متميزاً في مجال تغطية أحداث الانتفاضة الأولى عام 1987، والتوثيق للقرى المدمرة بالتعاون مع مركز التوثيق في جامعة بير زيت. في هذه السنوات تعرفت عليه، ونشر لي يومها أولى مقالاتي عن المسرح الفلسطيني في قطاع غزة على ثلاث حلقات في المجلة، وما زلت احتفظ بهذه المقالات لأنها كانت بداياتي في الكتابة الأدبية.
يوضح الباحث في تقديم دراسته الأهداف التي سعى لإبرازها في دراسته والتي تمثلت في كشف الدور الذي لعبه الاحتلال الصليبي للقضاء على الحركة العلمية وقتل العلماء في فلسطين، ودور المؤسسات العلمية كالمدارس وجهود العلماء في تنشيط الحياة العلمية في فلسطين، وانجازات السلاطين والملوك الأيوبيين والمماليك وتوضيح دورهم في احياء الحركة العلمية والثقافية في فلسطين.
يأتي كتابه الجديد في أربعة فصول، كل فصل يتناول جانباً من موضوع دراسته، بالإضافة إلى التمهيد الذي استعرض فيه الحياة العلمية في فلسطين قبيل العدوان الصليبي، والعلوم السائدة في فلسطين خلال القرن الخامس الهجري، مع الاشارة إلى المراكز العلمية وأهمها المدرسة الناصرية، ودور العلماء في الحياة العلمية.
وفي الفصل الأول يتحدث عن السيطرة الصليبية على المدن، وأثرها على الحركة العلمية في فلسطين. وفي الفصل الثاني يتناول مظاهر الحياة العلمية في فلسطين في ظل السيطرة الصليبية، وصور الحياة العلمية في ظل الاحتلال، والرحالة الاوروبيون، وأثر الحروب الصليبية على الغرب الاوروبي من الناحية العلمية، ويذكر العلماء الفلسطينيين في عصر الحروب الصليبية، والعلماء الذين قدموا إلى فلسطين المحتلة. ويشير في الفصل الثالث إلى جهود السلاطين الايوبيين والمماليك في دعم الحياة العلمية في فلسطين بعد تحرير فلسطين في معركة حطين سنة 1187م، إذ أخذت الحياة العلمية بالنهوض، ونشطت الحركة الفكرية، مع ذكر مساهمات علماء فلسطين في الحياة العلمية، واهتمام السلاطين بالعلم فأنشأوا المدارس ودور العلم وزودوا المكتبات بالكتب، وأوقفوا العديد من الأوقاف دعماً للحياة العلمية والفكرية. ويناقش في الفصل الرابع العلوم النقلية والعقلية في فلسطين بعد تحريرها من المحتل الصليبي، وتتمثل هذه العلوم في: العلوم الدينية وهي الحديث والفقه والتفسير والقراءات والتصوف. وكذلك علوم اللغة العربية كالنحو والصرف والادب. وأيضاً التاريخ والجغرافيا والطب والرياضيات والكيمياء، ويذكر أسماء العلماء الذين نبغوا في هذه العلوم.
ويؤكد الباحث في ختام دراسته بأن الحياة العلمية والفكرية في فلسطين قبيل الغزو الصليبي كانت نشطة ومحل اهتمام العديد من العلماء، وكان تركيزهم على العلوم الدينية. أما بعد الاحتلال الصليبي الدموي الذي سعى إلى تفريغ البلاد من سكانها بالقتل والتهجير القسري، واحلال الاوروبيين مكانهم، كل هذا كان له تأثير كبير على الحياة العلمية والفكرية، اذ عمل الصليبيون على اخمادها وقتل علمائها. وقد أبرزت الدراسة النشاطات العلمية لعدد كبير من العلماء والفقهاء الفلسطينيين في عصر الحروب الصليبية، وذلك من خلال أعمالهم العلمية وفتاويهم وخطبهم، ومشاركتهم في قتال الصليبيين. وبعد تحرير فلسطين من الاحتلال الصليبي نشط العلماء والفقهاء في إعادة الحياة العلمية بدعم ومساندة الملوك والسلاطين.
كتاب مرجعي جدير بالقراءة والاطلاع للتعرف على المعلومات والحقائق عن مظاهر الحياة العلمية والثقافية في فلسطين زمن الصليبيين والايوبيين وبداية العهد المملوكي، وعن غياب معالم
الحياة العلمية والثقافية في ظل الاحتلال التي لا يكون لها وجود بشكل كبير، اذ يعمد الاحتلال إلى تغييبها أو تغيير مفاهيمها بما يخدم المحتل، ولكن كان العلماء والفقهاء المخلصين للعلم دور كبير في مقاومة الاحتلال الصليبي، ونتعرف على دورهم في إعادة الحياة العلمية إلى فلسطين التي ما زالت متواصلة تقارع الرواية الاسرائيلية الزائفة أن فلسطين لم تكن مسكونة بل خالية، ولكن ما قدمه الباحث وغيره من الباحثين عن الحياة العلمية والثقافية في فلسطين عبر القرون الماضية يؤكد زيف الرواية الاسرائيلية.
كل التحية والشكر للباحث الصديق الدكتور رشاد المدني على هذا الجهد العلمي، الذي يستحق أن يكون في المكتبات العربية عامة والمكتبات الفلسطينية خاصة، للتطلع الأجيال الجديدة على ما انجزه العلماء الفلسطينيون ومساهماتهم في رقي الحياة العلمية والثقافية الفلسطينية.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0