سياسة عالم الصحافة مجتمع مختارات مقالات

ريما ومحمد.. قصة حب يُجهضها وداعٌ قسريٌّ

ريما ومحمد.. قصة حب يُجهضها وداعٌ قسريٌّ

بقلم/ نبيل سنونو

اهتزّ قلب سامية سعد ليلاً مع رنين هاتفها، المتصل هو ريما، ابنتها البكر التي حط الفرح رحاله في حياتها بعقد قران محمد، أول أخ لها سيدخل القفص الذهبي، وبجنينها الذي يداعبها، وطفليها مريم وزيد، وهما يحتضنان ملابس العيد: “ماما.. الأولاد كتير خايفين”.

– “تعالي عنا يا ماما، ببعت إخواتك ياخدوكي”.

– “لا يا ماما، خلينا في دارنا، الواحد خايف يطلع، القصف وين ما كان”.

الثانية بعد منتصف الليل، احتل الرعبُ والدة ريما وإخوتها، أيقظهم نبأ قصف شقة في حي تل الهوا، حيث تسكن ابنتهم، أحمد أخوها الأكبر هاتف شابا في المنطقة، سمع صراخا، هرع الجميع إلى هناك وسبقتهم قلوبهم، سيارات الإسعاف “طارت” للوصول إلى الضحايا.. علموا أن الشقة المستهدفة هي التي تقطنها ريما.

تساقطت دموع سامية حتى شكلت أنهارا تجري فيها حرقة قلبها.

17 أبريل/نيسان 1990 تاريخ دقت فيه طبول السعادة في قلب سامية التي ولدت ريما نهارا، وفاجأت أهلها بذكائها في طفولتها، حتى تكلمت “قبل أوانها”، وسارت على قدميها في عامها الأول، وأظهرت وعيا أكبر من سنها كلما أعطتها والدتها قطعة شوكولاتة وحافظت على نظافة ملابسها.

ريما أسمرانية البشرة نما شعرها كشلال في طفولتها، لدرجة لم يتصورها البعض، ووصفها الكثيرون بأنها فائقة الجمال، دللها أهلها، ولم تلتحق بالروضة التي لم تتحمل البقاء فيها يوما واحدا، لكنها اتسمت بالنباهة.

لفتت موهبتها في الرسم انتباه الجميع، مذ كانت في المستوى الابتدائي، حلمت بحفظ القرآن الكريم، وأتمت 17 جزءًا وسورتي البقرة وآل عمران، ومدت أنظارها لاختصاص الطب، والماجستير والدكتوراة.

معلمتها في المدرسة قالت لوالدتها يومًا: “لما بعبر الصف بحس قدامي مُدرِّسة مش طالبة”.

زغردت دقات قلب ريما بحصولها على 99% في الصف الحادي عشر، وقبل أوان امتحانات الثانوية العامة بشهرين، غلبها المرض، وأبلغت والدتها بقرارها.

– يا بكون مميزة يا بلاش.

– بتقدري بشهرين تدرسي وتراجعي المنهج.

– وإذا مجبتش مجموع مميز؟

استقرت على موقفها، وامتنعت عن التقدم للامتحانات، وفي العام التالي تسلحت بالعلم والإرادة لخوضها برفقة شقيقتها، وتوفي والدها قبل الامتحان بيوم بجلطة، بعمر 48 عاما.

ريما التي تعلقت روحها بروح أبيها وتجاوزت علاقة الأبوة إلى الصداقة والأخوة، صممت على أن تحقق حلمه، وتقدمت للامتحانات، وحصلت على معدل 93%.

أصرت سامية على تعليم بناتها ريما، وسمر، وسالي، اللاتي أنجبتهن قبل أبنائها الذكور الثلاثة: أحمد، ومحمد، وعمر، لتعوض نفسها من خلالهن عما لم تمكنها ظروفها من إنجازه.

بعدما قضت أعوام الدراسة، كمن يعض على أصابعه للظفر بهدفه، تخرجت ريما من اختصاص الإدارة التكنولوجية، وحصلت على دبلوم في ريادة الأعمال، وعملت بمجالات متعددة، منها تدريس طلبة المدارس من شمال قطاع غزة لجنوبه ومن شرقه لغربه.

حدّثت والدتها: “نفسي أعمل ماجستير ودكتوراة”، ومُنحت فرصة للدراسة في جامعة أمريكية بعدما أنجبت طفلها زيد، واضطرتها حاجته إلى الرعاية للرفض، ويومها قال لها زوجها: “هخليكي تحققي حلمك إن شاء الله”.

اللقاء الأول

بصوتٍ حانٍ يلامس القلب روت سامية حكاية ارتباط ابنتها بمحمد التلباني: التقى بها خلال العام الأول من دراستهما، في رحلة إلى دار المسنين والأيتام، ولفت أداؤها انتباهه، وزارني ليفصح لي عن رغبته بالزواج منها.

لكن سامية قالت له: ربما تتخرج ريما وأنت لم تبنِ مستقبلك بعد، لهذا لا أعدك، وإذا جاءها نصيبها الله يسهل عليها.

تحرى محمد وسيلة اتصال بخال ريما الذي اتصل بشقيقته وقال لها: الشاب طيب، وإذا خطب البنت نصيحتي لا ترفضيه.

دار نقاش انتهى إلى أن تكمل ريما دراستها قبل أي ارتباط، وفي العام التالي لتخرجهما تقدم لخطبتها رسميا.

صمم محمد على أن تكون ريما ملكة قلبه، متجاوزا ما جرت عليه العادة من أن يكبر العريس عروسه، حيث تكبره هي بشهر.

لم يخيب الشاب ظن حماته التي تتحدث عنه بكلمات كأنها تربت فيها على كتفه: “لمستُ فيه الزوج الصالح لابنتي، تعاملت معه في مواقف عدة قبل خطبتها فعليا، وقلت: يريد الله أن يعوض ريما”.

أحبت ريما محمد من صميم قلبها، وخافت عليه من “الهوا الطاير”، وعدته حماته واحدا من أبنائها، وبادلها الشعور ذاته.

تحشرجت سامية واختنق صوتها وضاق نفسها بعدما حُرمت من الهواء العليل الذي استنشقته في كل مرة دعاها محمد إلى البحر برفقة زوجته وطفليه.

عاملتهما جدتهما كقطعة من قلبها، وهما اللذان قضيا معها فترات عمل والدتهما، وأحبت زيد حبا جما، فهو حفيدها الأول: “فرحتي بولادته كانت أكبر من فرحتي بولادة ريما”، لدرجة أنها وثقت حياته بالصور ومقاطع الفيديو.

استمد زيد طموحه من والديه، حدثهما عن نيته في أن يكون رائد فضاء، ولطالما أشعلت أمه حماسه بمقاطع الفيديو في يوتيوب عن خفايا هذا العالم.

أصر محمد على إنجاب طفل جديد في سبتمبر/أيلول وهو الشهر ذاته الذي رأى فيه زيد (4 أعوام ونصف) ومريم (عامان ونصف) نور الحياة، وحملت ريما جنينها الذي كبر داخلها ووصل لشهره الخامس، فرح به الجميع، لكن مريم أصابتها الغيرة وقالت لوالديها: “أنا البيبي، مفش بيبي غيري”.

عدت ريما وزوجها الأيام والليالي لاستقبال طفلهما، وهي تحلم بسماع صرخته الأولى، وتحضرت لشراء ملابس خاصة به بعد عيد الفطر الذي حل في مايو/أيار، وهو الموعد الذي حُدد لمعرفة نوع الجنين.

تملك محمد الشعور بأن زوجته تحمل أنثى، حتى بات الجميع يقول لها مازحا: “بنتك هيها كبرت”.

قبل عيد الفطر حلّق قلب ريما وزوجها وطفلاهما في سماء السعادة، وصممت على شراء الشوكولاتة قبل 10 أيام من حلوله، حتى مازحتها والدتها: “بدري! لو شريناها حناكلها احنا”.

يومها ذهبتا إلى السوق، وطلب زيد لعبة سيارة إطفاء شاهدها في مقطع فيديو، واختارت مريم لعبة عروسة مع أدوات المكياج، سبق ذلك بساعات بداية العدوان الجوي على قطاع غزة في 10 مايو/أيار.

خبأت ريما اللعبتين لتهديهما إلى طفليها في يوم العيد، وأرادت أن تكون هذه المناسبة مختلفة، شاركت والدتها بصنع الكعك، وتحضرت لحفل بعد العيد بمناسبة عقد قران أخيها الأوسط: محمد على العروس التي ساهمت في اختيارها.

استقرت أركان البهجة في عائلة ريما، في انتظار كل هذه المناسبات السعيدة.

12 مايو/أيار بعد أيام من ذكرى ميلاد زوج ريما، كان الجميع على موعد مع الفاجعة.

اتصل زيد ومريم بجدتهما للسلام عليها قبل أن يناما على فراشهما الذي جاور سرير والدتهما خشية من أن تصيبهما شظايا الصواريخ التي أطلقتها طائرات الاحتلال الحربية على جميع أنحاء قطاع غزة، وأصابت منازل ومؤسسات، وغيرها.

خلدت الجدة إلى النوم وأفزعها النبأ الذي وصلها ليلا بقصف شقة في حي تل الهوا، التقطت هاتفها المحمول للاتصال بابنتها، لكن لا مجيب.

جازفت بالخروج من المنزل وسط الغارات، لم تعر اهتماما إذا كان الطريق آمنا أو لا، الهدف الوحيد هو الاطمئنان على ريما وأسرتها.

فور وصولها شاهدت الإسعافات، أيقنت أن المستهدف هو شقة ابنتها، لم تتمكن من رؤيتها، أو معرفة مصيرها، هز الخوف قلبها.

توارد إليها أن ابنتها نقلت إلى المستشفى، دون أن تعرف مصير طفليها وزوجها، توجهت إلى هناك، علمت أن سيدة وطفلا وصلا جثتين هامدتين، سارعت إلى ثلاجة الموتى، تعرفت إلى جثمان زيد، ولم يُسمح لها برؤية ريما التي أصابتها الصواريخ في رأسها.

“دفنوها من غير ما أشوفها”، تمزقت عينا سامية، وتحولت دموعها إلى لهيب كبركانٍ لا ينطفئ.

فشلت المحاولات في الوصول إلى مريم، عادت فرق جهاز الدفاع المدني للبحث عن بارقة أمل، فتشوا المكان والعمارات المحيطة دون جدوى، وفي اليوم التالي أعاد أخوالها الكرة، ولم يجدوها.

أيام طويلة من الخوف والترقب والحيرة والانتظار فُقدت مريم فيها، حتى عُثر على جثمانها في 21 مايو/أيار.

أسندت سامية ظهرها إلى الكنبة، دون أن تسند روحها الملتهبة: “وجدوا جثمان ريما وزيد في مكانهما”، أما زوجها محمد فهو في العناية المركزة، لا يقدر على الكلام أو الحركة، ووُصفت حالته بأنها “موت سريري”.

10 ديسمبر/كانون الأول هو ذكرى زواج ريما ومحمد الذي اعتادا الاحتفال فيه، لكنه سيحل هذا العام ليملأ قلبه المصاب بالحزن، دون أن تقوى شفتاه على النطق، وتتحول كل كلمة مدفونة في داخله إلى سهم جارح.

سيفقدها محمد إلى الأبد، وسيتحسس في قلبه حبها وحب طفليه، لكنه لن يلتقي بهم.

لن تحضر ريما زفاف شقيقها محمد، ولن تزور والدتها مجددا، أو تذهب معها إلى السوق لشراء ملابس الطفل الجديد، الذي استشهد قبل أن تلده أمه ويراه أبوه.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0