أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

عرض رواية افك الأسياد للكاتب عمر غبرا

(ما مِن شعبٍ ينزلُ أسيادهُ منزلةَ الإله إلا و يلقى بلاَءه)
عمر غبرا
بقلم/ نجوى الجزائري
في نهاية الأمر من هو الكاتب أو الأديب؟ أليس هو ذاته الفرد الذي يعيش في مجتمعه؟ يُأثر ويَتأثر به وبظروفه، يعيش يومياته و تقضُ مضجعه همومه و مشاكله، لكنه بشكل ما -لنقل بموهبة ما- أُتيحَ له التعبير عن هذا الرفض والصراخ بأعلى ما تستطيعه الكلمة من قوة، وبالتالي هو أداة وعي غفل أو تغافل عنه بقية أفراد المجمتع، إنه يعيش وعيًا شقيًا كما قال سارتر: 《لأنه يكتب في مجتمع تسوده الفوارق من كل نوع وتنتصب داخله العراقيل أمام ممارسة الناس لحرياتهم》.
يقدم لنا الكاتب الشاب عمر غبرا رواية: إفك الأسياد، حيث تدور أحداث الرواية في جبلٍ يضم عدةَ قرى ويعمل على تسيير أمور الجبل سبعة حكماء، يحدث أن يُعزل كبيرهم من منصبه إثر مكيدةٍ شنيعة كادها له أحد الحكماء فيخرج إلى مغارةٍ بأعلى الجبل ليعتزل بها الناس ثم يُقتَل بعد ذلك قبل أن تَظهر الحقيقةَ، لكن الحكيم المقتول يترك بعد موته شيئان: مذكراته و ابنته “آراس” التي تسعى لكشف قاتل أبيها و تبرئته مما نسب إليه.
آراس، يعقوب ، جورج، عباس، أوندال هي أسماء أبطال هذه الرواية، أراد لها الكاتب -في تنوعٍ ملحوظ و مقصود- أن تلعب أدوارها بعناية و بإحترافية الكتاب الكبار، في جبل ما بقرية ما ببلد ما، بل وتحت دين عالمي غير خاص، له طقوسه و صلاته. هي رواية عالمية لا تعنيها أن تمجد الأشخاص أو الحكام أو الديانات بقدر همها الأول و الأخير هو هذا الإنسان العالمي، الفقير البسيط القابع تحت رحمة سدنة المعبد وتحت وطأة حراس السلطة، هي صرخة في وجه ظلم الحاكم وتمرد ضد من يستغل الدين لأغراضه و أطماعه الشخصية، هي أيضا رواية من يحملون هم الوطن و الشعب، قصة حب عذري نوراني في ظل ظلام الظلم والقهر. يقول عمر غبرا على لسان “عباس” :(أتحسبني أحمقاً لا أرى الذي يجري لأولئك المساكين في أرضك وتحت سلطتك؟ فالفقير هُنا يزدادُ فقراً والقوي يزدادُ بطشاً، وما فتئ أعوانك يتصيدون قوت أخوتهم في هذه الأرض باسم الرب. ومن صَلحَ مِن أتباعك لا يجرأ على معارضةِ مَنْ فَسِدَ خشيةً على نفسهِ وسلطته. أهكذا يكون الخير الذي تدعو إليه، أهكذا يكون الصلاح، بأن يقتات الشعب على الفتات وللحاكم نصيبُ الأسد من خيرات شعبه، لا تحدثني عن الغايات النبيلة إن كانت الطرق إليها دنيئة مليئة بالخِسة).
يعّرف مشهد الرواية على أنه ( وحدات أصغر من الفصول الروائية، تعرض تتابع الأحداث و تظهر خصائص الشخصيات و ردود أفعالها و تعقد الحبكة و تحلها في إطارات محددة للزمان و المكان)، كان مشهد انتشار خبر موت الحكيم المعزول أول مشهد في الرواية وببراعة فائقة شّدنا الكاتب لتتبع بقية أحداث الرواية، جعلنا نلاحق تحركات الشخصيات إثر هذا الحدث الجلل، توقع ردود أفعالهم، و ما ستؤول إليه تبعات ذلك و فك لغز موت الحكيم، لكن عمر غبرا وبإحترافية كان يقطع تسلسل هذه الأحداث لتأتي مذكرات الحكيم المقتول تعود بنا لأحداث سبقت عزله وموته يروي من خلالها كيف كاد له أحد طلابه الذي استولى على الحكم و السيادة بعدها، في تشويق ماتع مع رحلة ابنة الحكيم “آراس” لإثبات براءة أبيها وكشف قاتله.
بلغة رصينة، حكيمة، جادة جدًا تلائم تمامًا ثقل الموضوع و عبء الأمانة التي تُلقى على عاتق الأديب و الكاتب في الدفاع عن حق الشعب المهضوم في أن يكون لسان حالهم و أن يذود بقلمه في سبيل حريتهم، و بحوارات جانبية ذات ألفاظ بليغة، فصيحة و عميقة تُظهر بلاغة الكاتب و قدرته على استغلال ملكاته الأدبية و براعته في السرد والتشويق مع حكم وأقوال بالغة الأهمية، الذكاء والجمال أيضًا كمثال لا للحصر في قوله: (من كان يعلم أن الرماد الواهن يخبئ تحته ألسنة اللهب وأن المروج الوديعة ستكون ساحة لنشوب الأعاصير! و لمَ لا؟ إن كان الهدوء و الوداعة زيف صدقته و نسيتُ أن الفوضى و الخراب هما أصل الأمر و أساسه وأن الزيف يتلاشى كحبات الأرز في أطباق الفقراء …).
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0