آدم و حواء مختارات مقالات

الروائي خلوصي عويضة يكتب عن منظومة وجوهر الشراكة المعنوية في الزواج

بقلم/ خلوصي عويضة

يشبه الأخدود جرحا في الجسد، أما الدائرة فمتاهة للروح، بينما الخط المستقيم أطول الطرق وأشقها على القلب، إلا أنه ممرٌّ آمن لمرفأ نجاة من الغرق….

من المجاز الذي يمزج اللؤم بالجمال، والواقع بالخيال، وصف عش أو بيت الزوجية ببستان، حرارة جوه شمس وثلج ورطوبة، تربته يوما رخوة وآخر صلبة، يرى الناظر صوبه عن بعد مروجا وقمما وهضابا سكب اللون الأخضر نوره حولها، ويرى الفاحص إضافة لما سبق وهادا وحفرا ومطبات تملأ جنبات أرضه. تسمع في البستان تغريد فرح، نواح حزن، صوت الصمت، صوت الحياة والموت، وفيه ترى زهر فواح عطره، وزنابق زينة بلا رائحة، وفيه شوك بين قارص ودام. ثمره حلو صاف؛ حلو حامض، ومرّ كدواء، ولا مناص من تذوق كل الأصناف، كي تمر عواصف العلاقة بسلام، لهذا تتباين ملامح قاطن البستان وتتأرجح تعابير وجهه بين ناهل من نهر سعادة لساعة أو يزيد، وغارف من حظوظ البشاشة والانشراح لأمد معدود، أو غارق في يمّ أسى مقيم.

إن الزواج من أجلّ النعم، حسبه من رفعة القدر والشرف أنه شرع ربّ العباد، وحسبه من حلو الخصال أن يقول أحد الشريكين للآخر ” هلمّ اتكئ ها هنا؛ ألق رأسك على كتفي”؛ فتنزاح في التو الهموم الثقيلة وتذوب متلاشية ببركة المودة والرحمة، وحاشا العلاقة المقدسة بين الرجل والمرأة أن تكون نقمة كما ُتنظّر لهذا المعنى المنفر أعمال السينما والدراما التي صدعت رؤوسنا بوصف أو نعت الزواج ب” مؤسسة فاشلة”، لا أجزم ” إنما الخشية واردة” إن كان مسلكهم هذا ناشئ عن خبث طوية وشر مستطير يهدف لتحطيم كيان الأسرة، أم هو عمى بصيرة وجهالة وسوء تقدير لعواقب ما يصنعون؟

في قضايا الفقه ثمة مصطلح متداول ” معلوم من الدين بالضرورة”، إشارة لأحكام المسلّمات كالفرائض والأركان. ويجب أن يكون معلوما من الحياة بالضرورة أن الزواج ليس طريقا مفروشا بالورود، فالعثرات له بالمرصاد، ويحتاج قطعه بنجاح الى ترو وحكمة وبصيرة، واكتساب مهارة المداراة، والتورية، ومجالدة ومجاهدة الغيظ والغضب لضبط الانفعالات الطارئة، أيضا ابقاء الباب مواربا حيث أمكن، أعني ما لم تقتض الضرورة الملحة حسما من أحد الطرفين وإلا أضمر الظان أنه مغبون غير ما يظهر، عندئذ يبدأ العد التنازلي لحتم أو احتمال مواجهة قدر الفراق.
أما بعد: روحان في قفص صدري واحد، داخل أسواره يتخاصمان، يتصارعان، ثمّ يؤوبان فيتآلفان ويتحابان؛ هكذا هما الزوجان الطبيعيان، غالبا؛ لا أحد منهما يرغب بمغادرة محبسه، خاصة بعدما تنضجهما تجارب الأيام فيتعلما الحكمة ويدركا معا أن فرع النهر ما لم يصبح نهرا فإنه يموت.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0