علي رسول الربيعي
دراسات وأبحاث فكر فلسفة مختارات مقالات

فوكو: الأبستمي، الجينالوجيا، والسلطة

فوكو: الأبستمي، الجينالوجيا، والسلطة

بقلم الدّكتور/ عليّ رّسول الرّبيعيّ
يُعد ميشيل فوكو (1926-1984) بحق أنه “أعظم تلاميذ نيتشه المعاصرين”؛ كان مؤرخًا وفيلسوفًا وناقدًا أدبيًا وأكثر من ذلك.[1] كان الهدف من دراساته وتحقيقاته الشاملة، التي عبر عنها قائلًا، هو “أنتاج تاريخ للأنماط المختلفة التي، يتم من خلالها جعل البشر ذوات، في ثقافتنا”.[2] يبدو أن الكشف عن أكبر عدد الكبير من الأكراهات والقوى الثقافية التي تلعب دورًا في تشكيل حياة الإنسان هو هدفه الأساس من البحث والتحقيق. وكما يقول إدوارد سعيد، “لقد بحث وكشف عن تقنيات المعرفة والذات التي تكتنف المجتمع، وجعلته خاضعًا للحكم، والسيطرة، وكذلك حتى عندما طورت هذه التقنيات محركاتها الخاصة التي لا يمكن السيطرة عليها وغير الخاضة لحدود أو مبررات.” بالإضافة إلى ذلك، قام فوكو على المستوى النقدي بصفته “فيلسوف موت الإنسان”؛ “بحل النماذج الأنثروبولوجية الحديثة للهوية والذاتية الكامنة وراء البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.” [3] لقد أوضح أن الطريقة التي يعمل بها الناس في المجتمع لم تكن لأنهم أحرار وذوات مستقلة على الطريقة الديكارتية، أو فنانين انفراديين، أو موهوبين، أو مهنيين محترفين، ولكن بسبب سلطة الأيديولوجيات والأنضباط وقواعد السلوك التخصصات والخطابات وانظمة المعرفة التي حددت القواعد المسبقة التي نظمت تفكير وكلام وسلوك كل الناس. ابتكر فوكو قواعد حول مثل هذه القواعد وكشف آليات السلطة والسيطرة التي تمارسها أو هي عليها. لم يكن لدى فوكو أي أوهام حول أنظمة المعرفة هذه، لا سيما أنها تجسدت في مؤسسات مثل العيادة، والملجأ، وتاريخ النشاط الجنسي.[4] وهنا نريد أن نسأل: كيف كان يرى العالم وما هو الدور الذي لعبه مفهوم رؤية العالم في تحليله؟
تعتبر فكرة الإبستيمي فكرة اساسية ومحورية في فكر فوكو، ويبدو في البداية على الأقل أنه يحمل تشابهًا مع رؤية العالم. تقترح باميلا ميجور- بوتزل نفس القدر عندما تكتب أن “مصطلحات الخطاب والإبستيمي يُنظر إليهما في كثير من الأحيان بوصفهما تعبيرات خاصة عن المصطلحات الأكثر شيوعًا” الانضباط ورؤية العالم”.[5] يبدو أن هناك دعمًا نصيًا لهذه الدعوى، لا سيما في الكلمات والأشياء، حيث فسر العديد من القراء عرض الإبستيمي الكلاسيكي باعتباره مقولة أساسية تقوم عليها الإنتاجات الفكرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. كتب فوكو،على سبيل المثال : ” هناك دائمًا، في أي ثقافة وفي أي لحظة إبستيمي واحد فقط يحدد شروط إمكانية كل معرفة، سواء تم التعبير عنه في نظرية أو بصمت في ممارسة”.[6] إن صرح المعرفة، بالنسبة لفوكو، هو بنية معقدة، والإبستيمي، الذي يماثل رؤية العالم، هو جزء من هذا التعقيد العميق. يؤكد فوكو في “اركولوجيا المعرفة” أن “الإبستيمي قد يشتبه في أنه شيء يشبه رؤية العالم، وهو جزء من التاريخ مشتركة بين جميع فروع المعرفة، ويفرض على كل فرد المعايير والمسلمات نفسها، مرحلة من العقل، وهو بنية فكرية معينة لا يستطيع الناس في فترة معينة الهروب منها – مجموعة كبيرة من التشريعات المكتوبة مرة واحدة وإلى الأبد بواسطة يد مجهولة “.[7] إن هذه الجملة مثيرة للاهتمام، لأنها تحتوي على وصف فوكو الخاص لكل من الابستمي ورؤية العالم، نظرًا لارتباطهما الوثيق. يستلزم كلاهما مجموعة لا مفر منها من القواعد واللوائح، وطريقة للتفكير، ونمط من التفكير، ومجموعة من القوانين التي تولد وتحكم جميع جوانب المعرفة.
يخلط فوكو، في الوقت نفسه، بين الأمور إلى حد ما عندما يقول إن الابستمي باعتباره طبقة معرفية مهمة لا ينبغي ان تتطابق مع رؤية للعالم. يعترف في مقدمته لأركولوجيا المعرفة بأن غياب التطور المنهجي في ” الكلمات والاشياء” قد يكون قد أعطى الانطباع الخاطئ بأن “تحليلاته أجريت من حيث الكلية الثقافية”.[8] لذا اشار فوكو في الكلمات والاشياء، أن الغرض الأصلي من الكتاب لم يكن “تحليل للكلاسيكية بشكل عام، ولا البحث عن منظور للعالم او جهة نظر كلية عن العالم، ولكن دراسة” مجال محدد”.[9] فقد أوضح في “أركولوجيا المعرفة” – الذي يعتبره جزئيًا تصحيحًا لأعمال سابقة، بما في ذلك الكلمات والاشياء- إن “هدفه هو عدم استعمال مقولات المجموعات الثقافية (سواء وجهات نظر العالم، والأنماط المثالية، والروح الخاصة لعصر ما) من أجل فرض أشكال التحليل البنيوي على التاريخ”[10] وهكذا يبعد فوكو الابستمي عن مفهوم رؤية العالم كأحد جوانب منهجيته التاريخية. يجب عدم الخلط بين سعيه لتعريف الأول على أنه تمركز محلي تحتي مع التفسيرات الشاملة للواقع.
إن هذا المجال الاساس والحاسم للإبستيمي،على الرغم من غموضه المعجمي، هو أكثر ما يحرص فوكو على تسليط الضوء عليه، والقيام بذلك ليس عن طريق الدراسة التاريخية النموذجية، بل عن طريق أساليبه الشهيرة في “الاركيولوجيا” و “الجينالوجيا”. وبدلاً من التركيز على ما كان معروفًا (التاريخ) أو لماذا تكون المعرفة ممكنة (الابستيمولوجيا)، قام بالتحقيق في كيف تُبنى حقول ومجالات المعرفة (الأركويولوجيا).[11] لم يرغب في معرفة بُنى المعرفة فقط، ولكن أيضًا سلالاتها أو نسابها (الجينالوجيا). عرّف فوكو مبدئيًا الفكرة بأنها مستوحيًا من جينالوجيا الأخلاق لفريدريك نيتشه، بوصفها “اتحاد المعرفة المثقفة والذكريات المحلية التي تسمح لنا بتأسيس معرفة تاريخية بالصراعات والاستفادة من هذه المعرفة تكتيكيًا اليوم”. سيتم تحديد المعارف الخاضعة، والإفراج عنها، وتشغيلها من خلال هذا البحث الجينالوجي.[12] لقد سعى دائما في طروحاته ونظرياته ان يبقي الوصف الأركيولوجي يعمل جنبا الى جنب الجينالوجي.[13]
يرتبط التحقيق الأركيولوجي والجينالوجي في الإبستيمي ارتباطًا وثيقًا بتأملات فوكو حول موضوع السلطة. يضع أمام قرائه وجهة نظر عن العالم الذي يقع فيه البشر محاصرون داخل البنى اللغوية وأنظمة المعرفة مع عدم وجود إمكانية التخلص منها . كل خطاب بشري هو لعبة سلطة، كل ترتيب اجتماعي قمعي، وكل بيئة ثقافية استبدادية. في هذا الكون الفوكوي، لا توجد خطابات مميزة أو متجاوزة غير مثقلة بنسبية التاريخ أو ديناميكيات الهيمنة. العالم مليء بإرادة السلطة، ولا توجد علاقات اجتماعية لا تفسدها هذه الارادة.[14] تشير جميع الممارسات الخطابية إلى سياسة سلطة محددة واستبداد معرفي، لأنه كما يشرح فوكو، “الحقيقة ليست خارج السلطة أو تفتقر إلى السلطة”.
الحقيقة هي شيء من هذا العالم وكل مجتمع نظام الحقيقة الخاص به، و”سياسته العامة” للحقيقة: أي أنواع الخطابات التي يقبلها ويعتبرها حقيقة؛ الآليات والحالات التي تمكن المرء من التمييز بين وجهات النظر الصحيحة والكاذبة، والوسائل التي يتم من خلالها قبول كل منهما ؛ للتقنيات والإجراءات المعطاة اهمية في اكتساب الحقيقة؛ لها أثر في وضع أولئك المكلفين بقول ما يعتبر صحيحًا. [15]
ترتبط المعرفة بالسلطة أيضًا بسبب ارتباطها بالخطاب الذي يشكل العالم. العالم الذي تم إنشاؤه بواسطة الخطاب هو عالم من المؤسسات والمعرفة والممارسات التي يجدها نظام السلطة الحالي مفيدًا. المعرفة هي سلطة للأقوياء في الواقع. لذلك يوصي فوكو بالتخلي عن فكرة أن المعرفة مستقلة إلى حد ما عن استراتيجة ما وتخدم الصالح العام. بل إنه يقدم هذا الاعتراف البديل:
يجب أن نعترف بالأحرى أن السلطة تنتج المعرفة…؛ تقتضي تلك السلطة والمعرفة ضمنًا بعضهما البعض بشكل مباشر؛ فلا توجد علاقة سلطة بدون بنية ومجموعة من المبادئ الأساسية المترابطة في مجال المعرفة، ولا توجد أي معرفة لا تفترض وتشكل علاقات السلطة نفسها. يجب تحليل “علاقات السلطة والمعرفة” هذه، ليس على أساس الذات العارفة التي تكون أو لا تكون حرةً فيما يتعلق بنظام السلطة، ولكن على العكس من الذات التي تعرف، والأشياء التي يجب معروفتها وطرائق المعرفة يجب أن ينظر إليها على أنها آثار كثيرة لهذه النتائج الأساسية لمعرفة السلطة وتحولاتها التاريخية.. باختصار، ليس نشاط الذات العارفة مفيدًا أو مقاومًا للسلطة، ولكن معرفة السلطة، والعمليات والصراعات التي تجتازها والتي تتكون منها هي التي تحدد الأشكال والمجالات والممكنات للمعرفة.[16]
يجب أيضًا تضمين وجهات النظر العالمية باعتبارها بنيات معرفية في علاقة السلطة بالمعرفة. لا ينبغي فهمها، باعتبارها رؤى للحياة والواقع وتحديد للأفكار والقيم والأفعال، على أنها مجرد أطر مفاهيمية محايدة، بل يجب أن تكون موجودة في خدمة بعض البرامج وجداول الأعمال الاجتماعية والسياسية وحصن للسلطة (على سبيل المثال، الإيمان بمرجعيات دينية في الاسلام، الكنيسة في المسيحية، المذهب الطبيعي للماركسية والداروينية، إلخ). إن رؤية العالم أووجهات النظر العالمية، من منظور فوكو المتشكك، هي مجرد تراكيب لغوية لنخبة السلطة. إنها واجهات لواقع غائب وتعمل كوسيلة فعالة للقمع الاجتماعي.
يجب أن ترتبط، باعتبارها فرضيات مخيفة حول الواقع وتعمل كأدوات فعالة للإكراه، جميع روى العالم، ومهما كانت تتناسب، مع تقدير فوكو العام للنظام المعرفي ( الابستمي)، بـ “المجموعة الكلية من العلاقات التي توحد، في فترة معينة، الممارسات الخطابية التي تؤدي إلى ظهور … أنظمة رسمية”.[17] يجب أيضًا إخضاعهم، على هذا النحو، للتحقيق والفحص الأركيولوجي والجينالوجي، وبالتالي الكشف عن بنيتهم الفكرية ومصادرهم المعرفية ( الابستمي). إن مثل هذا التحقيق من شأنه أن يكشف ” عدالة لمن وأي عقلانية عندهم” تلك التي تخدمها رؤى العالم بالفعل. يقول فوكو في تجسيد لروح جورجياس وبروتاغوراس، في الأساس شيئًا كهذا: لا شيء موجود؛ إذا كان أي شيء موجودًا، فلا يمكن أن يفكر فيه الإنسان أو يدركه؛ حتى لو كان بالإمكان الوعي به، فلا يمكن توصيله؛ حتى لو كان من ممكن ذلك في ممارسات خطابية حيث تكون دائمًا في مصلحة الطرف الأقوى! أن النتيجة التي توصلت إليها ما بعد الحداثة الفوكوية في التحليل النهائي: ليست رؤى العالم سوى تفسيرات زائفة لواقع يرتدي فيه الجميع بدلة السلطة اللغوية.
وهكذا خضعت رؤى العالم، في سياق ما بعد الحداثة لإعادة تشكيل كبيرة. فوفقًا لجاك دريدا، يجب تفكيكها بصفتها أنظمة مركزية للفكر والمعتقد من أجل كشفها كنظم رموز مرجعية ذاتية تفشل في الاتصال بالواقع الخارجي. قدم ميشيل فوكو في وصف النظرة إلى العالم باعتبارها نتاجًا مرتبطًا بطبقة فكرية من الدرجة الأولى تسمى ابستمي أساسًا لفهم كيف تكون رؤى العالم جزءًا من علاقة المعرفة / السلطة التي تخدم مصلحة الطرف الأقوى، أو الطرف الذي يسعى للقوة. سيكشف التحليل الأركيولوجي والتحقيق الجينالوجي عن أصل ومحتوى هذه الأنظمة عن طبيعتها الحقيقية، وكيف تعمل اجتماعياً في تشكيل الذات وفي المقولات الأساسية للتجربة الإنسانية. وهكذا أدى الانتقال من العصر الحديث إلى ما بعد الحداثة إلى تغيير ملحوظ في فهم طبيعة وسمات مفهوم السلطة .
الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ
…………………………….
[1] Edward W. Said, “Michel Foucault, 1926-1984;’ in After Foucault: Humanistic Knowledge, Postmodern Challenges, ed. Jonathan Arne (New Brunswick, N.J.: Rutgers University Press, 1988), p. 1.
[2] Michel Foucault, afterword to Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics, by Hubert L. Dreyfus and Paul Rabinow (Chicago: University of Chicago Press, 1982), p. 208.
[3] Said, pp. 10-11.
[4] Said, p. 10.
[5] Pamela Major-Poetzl, Michel Foucault’s Archaeology of Western Culture (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1983), p. 23.
David Carr, Interpreting Husserl: Critical and Comparative Studies (Dordrecht: Martinus Nijhoff, 1987), pp. 220-21,
يعتقد ديفيد كار أن الإبستيمس مكافئ للمخططات المفاهيمية أو وجهات النظر العالمية، على الرغم من أنه يدرك أن فوكو نفسه ينكر أنها تشوه الشكل في وجهات النظر العالمية أو روح العصر الثقافي. تم تفسير عرض الإبستيم الكلاسيكي من قبل العديد من القراء على أنه خدمة أساسية وأساسية تقوم عليها الإنتاجات الفكرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. على سبيل المثال، كتب فوكو: “في أي ثقافة وفي أي لحظة، هناك دائمًا إبستيم واحد فقط يحدد شروط إمكانية كل معرفة، سواء تم التعبير عنها في نظرية أو بصمت في ممارسة”.
[6] Michel Foucault, The Order of Things: An Archaeology of the Human Sciences, World of
Man (New York: Random House, 1970; Vintage Books, 1973), p. 168.
[7] Michel Foucault, The Archaeology of Knowledge, trans. A. M. Sheridan Smith (New York: Random House, Pantheon Books, 1972), p. 15.
[8] Foucault, The Archaeology of Knowledge, p. 16.
[9] Foucault, The Order of Things, p. x.
[10] Foucault, The Archaeology of Knowledge, p. 15.
[11] Major-Poetzl, p. 21.
[12] Michel Foucault, Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings, 1972-1977, ed. Colin Gordon, trans. Colin Gordon, Leo Marshall, John Mepham, and Kate Soper (New York: Pantheon Books, 1980), pp. 83, 85.
[13] Foucault, The Archaeology of Knowledge, p. 2.34.
[14] Sheldon S. Wolin, “On the Theory and Practice of Power,” in After Foucault: Culture, Theory, and Criticism in the 21st , p. 186.
[15] Foucault, Power/Knowledge, p. 131.
[16] Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison, trans. Alan Sheridan (New York: Random House, Vintage Books, 1995), pp. 27-28.
[17] Foucault, The Archaeology of Knowledge, p. 191.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0