دين مختارات مقالات

سقوط حصن الدفاع الأول ليهود خيبر “حصن الناعم”

هذا الحبيب 
فتح مكة / غزوة خيبر (5)

بقلم/ د. ربحي الجديلي
سقوط حصن الدفاع الأول ليهود خيبر “حصن الناعم”:
إلتحم الجمعان مجدداً وأبدى المسلمون في هذه الجولة من ضروب الشجاعة والتضحية في سبيل الله ما أذهل اليهود، وجعلهم يستميتون في الدفاع عن أنفسهم وعن حصونهم، وانتهى هذا القتال الشَّرِسُ حول حصنِ ناعم بانهيار قوات اليهود بعد قتالٍ دام لأيام متعددة، فهُزِمَ اليهود في معركة هذا الحصن وخرجوا منه وتسللوا إلى حصن الصَّعْب، وفتح الله على رسوله أول الحصون، حصن ناعم الذي كان خط الدفاع الأول لخيبر، وكان ذلك بداية الانتصار للمسلمين، بسقوط مرحب وأخيه ثم الحصن الأول من حصون خيبر “حصن ناعم” الشديد، وفرّ اليهود للحصن الآخر حصن الصَّعْب.
___
غزوة خيبر تختلف عن سابقاتها من الغزوات:
هذه الغزوة اختلفت عن غيرها من الغزوات السابقة التي خاضها رسول الله ﷺ..
فهذه الغزوة لم تكن ساعة أو ساعتين، ولكنها استمر عِدَّةَ أيام متصلة، وهذا غريب في عُرْف القتال؛ فكما رأينا قبل ذلك في بدر وفي أُحد وفي غيرها كان اللقاء يومًا واحدًا، ولكن في هذه الغزوة الشديدة دارت المعركة أياماً كثيرة، فأكثر من 10 أيام والمسلمون يحاصرون حصن “ناعم” قبل أن يظفروا بفتحه،
وها هم يحاصرون حصن “الصعب”..
__
“المجاعة” ابتلاءٌ عظيم حلَّ بالمسلمين في خيبر:
مع أن الحصار كان شديدًا، ومع أن فتنة الحرب كانت أكبر، إلا أن الله أراد أن يبتلي المؤمنين،
فأوقعهم في أمر صعب إلى جوار صعوبة الحرب، وهو أمر الجوع؛ إذْ دخل المسلمون في جوع شديد جدًّا لدرجة أن الصحابة تهامسوا فيما بينهم بخصوص الطعام والجوع، حتى أصبح الموقف حرجًا للغاية.
قال الصحابة: لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء
وعندما ازداد الجوع على المسلمين، قام بعض أفراد الجيش بذبح بعض الحمير للأكل.
والحقيقة أن العرب كانت تأكل الحمير في ظروف معيّنة، ولم يكن الأمر محرمًا على المسلمين في ذلك الوقت، ونصبوا القدور، ولم يكن هذا بعلم الرسول ﷺ.
___
النبي ﷺ يأمر صحابته بسكب قدور اللحم على الأرض دون أكلها:
لما رأى الرسول ﷺ النيران مشتعلة قال: “عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟”
(رسول الله ﷺ يعلم أنه ليس مع الجيش لحم يطبخ، ولا شيء يوقد عليه نار)
فقالوا: يا رسول الله، نوقد هذه النيران على لحم.
فقال ﷺ: “أَيُّ لَحْمٍ؟”
فقالوا: لحوم الحُمُر.
(يعني لحوم الحمر التي تُستخدم في النقل، وهذه الحمير لم تكن محرَّمة على المسلمين حتى هذه اللحظة)
قال ﷺ: “لاَ تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا وَأَهْرِقُوهَا”.
(رغم الموقف الصعب الذي يعيشه الجيش الإسلامي في هذه اللحظات العظيمة، يحارب جيشاً قوياً مدرباً متحصناً، وعنده من الطعام ما يكفيه لأشهر كما سيأتي؛ إلاّ أن الرسول ﷺ قام ونَهَى عن أكل لحوم الحُمُر الأهليَّة بل أمرهم بسكب القدور بما فيها من لحوم ومرق، وهذا موقف عصيب وجلل،
إنه لموقف صعب حقًّا، فالصحابة في ضائقةٍ وجوع شديد، وبدأت اللحوم تنضج ورائحة اللحوم بدأت تظهر، والصحابة متشوِّقون للأكل، ثم أتى النهي من عند رسول الله ﷺ، وهذا النهي لا ينصاع له إلّا مؤمن كامل الإيمان،
وبفضل الله فإن جميع الجيش بلا استثناء قد نجح في هذا الاختبار، ولم يأكل أحد من هذه اللحوم،
بل إن الرسول ﷺ لم يكتفِ بتحريم الأكل من لحوم الحُمُر الإنسيَّة، وإنما قال: “أَهْرِيقُوهَا واكْسِرُوهَا”؛
ليختفي كل أثر لهذه اللحوم، فسأل بعض الصحابة: أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ يعني بدل الكسر نغسل القدور
فقال : “أَوْ ذَاكَ”
وبالفعل استجاب الصحابة لأمر رسول الله ﷺ فسكبوا القدور وغسلوها من أثر لحوم الحمير،
واشتد مصاب المسلمين وازداد جوعهم، فذهبوا إلى رسول الله يطلبون شيئاً يقتاتون منه، فلم يجد رسول الله ﷺ ما يعطيهم.
___
رسول الله ﷺ وصحابته يتضرعون إلى الله ليطعمهم:
في ظل هذه الأزمة الكبيرة وبعد استجابة الصحابة لأمر الرسول ﷺ، لجأ المسلمون لجوءاً كاملاً إلى الله، وهذا من أبلغ الفوائد في الأزمات، لجوء المسلمين الصادقين إلى الله؛ ليفتح لهم أبواب الرحمة.
ووقف المسلمون يدعون مع الرسول ﷺ، هو يدعو وهم يؤمِّنون، فقال: “اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَرَفْت حَالَهُمْ وَأَنْ لَيْسَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ، وَأَنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيْءٌ أُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، فَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حُصُونِهَا عَنْهُمْ غَنَاءً، وَأَكْثَرَهَا طَعَامًا وَوَدَكًا”.
___
سقوط حصن الصَّعْب:
رغم الجوع إلا أنهم كانوا صناديد يحاصرون حصن “الصعب بن معاذ” الذي كان أغنى الحصون بالطعام والشراب والذي كان شديد المناعة أيضًا، فإذا تم فتحه فسيزيدهم قوة وزادًا لاستكمال الحرب، فهاجمه المسلمون بقيادة الحباب بن المنذر الأنصاري، وحاصر المسلمون الحصن ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أمر رسول الله ﷺ الجيش باقتحام الحصن، فكان للمسلمين ما كان، حيث فتحوا حصن الصَّعْب فسقط بعد حصن ناعم.
___
يتبع إن شاء الله..
صلى الله على محمد

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0