سياسة مختارات مقالات

خطاب نتنياهو يكشف عن تباين سياسي واسع كان سائدا بين “إسرائيل” والولايات المتحدة

بقلم/ د. مونتجمري حور
دكتوراة في تحليل الخطابة

رغم أن خطاب الرئيس الإسرائيلي الأسبق بينامين نتنياهو عج بالرسائل، إلا انني لست بصدد تحليله كاملا الان، وسأكتفي بالإشارة الى بعض المؤشرات الهامة التي عكست حال من التباين الواسع بين دولتي الاحتلال وحليفتها الدائمة الولايات الأمريكية.

فمثلا تميز الخطاب بلغة استعراضية بدت في ظاهرها مجرد سرد وتفاخر لإنجازات قام بها وأنها لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن كل ما قدمه لا يغادر دائرة المزاودة السياسية على رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بينيت ولكننا سنرى في هذا التحليل ما هو أعمق من ذلك بكثير، فهو يقدم تباينا واضحا في الرؤى والمصالح بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بشأن أهداف السياسية الخارجية لكلا البلدين، وقد بدا ذلك واضحا حين علق نتنياهو على البرنامج النووي الايراني.

وبإجراء تحليل ناقد لهذا الخطاب، اتضح التالي:

أولا، يبدو أن تقارب اسرائيل مع الصين وروسيا في عهد بنيامين نتنياهو قد استفز الولايات المتحدة الأمريكية كثيرا وصل إلى حد الإطاحة به، حيث ترى الأخيرة في الصين وروسيا أنهما قوتين منافستين لها وتهددان مصالحها بل وهيمنتها. فعندما اختلفت إسرائيل في عهد نتنياهو مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن الملف النووي الإيراني وسبل التعامل معه، سعى نتنياهو إلى تقوية علاقات إسرائيل مع الصين وروسيا مما أثار حفيظة الأمريكيين.

ولمن من لم يتابع قضيتي الصين وروسيا، أقدم على عجالة التأصيل التالي:

الصين مرشحة بحلول عام 2030 لأن تكون القوة الاقتصادية الأولى في العالم، وهي تتخذ مسارا سلميا يقلق الولايات المتحدة فعلا، فكل القوى التي تبدأ كقوى اقتصادية كبرى، تتحول غالبا إلى ترسانة عسكرية ضخمة بعد تمكنها.

يشار الى أن خطة الحزام والطريق التي تنتهجها الصين تجاه الولايات المتحدة الأمريكية قد بلورتها الصين على ارض الواقع وهي ماضية في ذلك للسيطرة على طرق التجارة الحيوية في جزء كبير من العالم وبذلك تسقط الهيمنة الأمريكية سلميا. وبالنظر الى النظام الذي يحكم الصين، نجده نظاما شموليا لا يؤمن بالديمقراطية ولا التعددية السياسية وهذا يزيد من قلق الولايات المتحدة الأمريكية. بالعودة الى ادارة ترامب السابقة، اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية خطوات فعلية تجاه القضايا المثار حولها الخلاف في التجارة الدولية لاسيما قيمة اليوان الصيني.

على صعيد روسيل، تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إليها أيضا كقوة أخرى تنافسها.

ثانيا، وقع نتنياهو أثناء الخطاب في إبراز شخصيته ونسب كل ما تم إنجازه إسرائيليا إلى شخصه كحال الديكتاتوريات الاستبدادية، كما أنه وقع في شخصنة الأمور مع رئيس الوزراء الحالي بينيت ووجه له انتقادات لاذعة ومباشرة أثناء دفاعه عن “الانجازات” التي حققتها إسرائيل في عهده مقللا من قدرات بينيت على مواجهة التحديات ومتهما إياه بأنه ضعيف وأنه لا يرى أي داع لحالة القلق السائدة داخل الأوساط الاسرائيلية جراء التقارب الاسرائيلي مع الصين وروسيا ،وعدد من الدول الأخرى، قائلا “انها توراة مكتوبة، وجميعكم يرى هذه التغيرات الهائل” التي أنجزتها إسرائيل. ثم استعرض إنجازات داخلية له شملت إنشاء مرافق جديدة وشبكات طرق هنا وهناك وتحدث عن تفاخر وسعادة ” المواطنين في اسرائيل بذلك” على حد وصفه.

ثالثا، يثبت هذا الخطاب أن الجيش الإسرائيلي كقوة بشرية وكإمكانات هو جيش محدود في قدراته لولا الدعم الأمريكي له وأن إسرائيل سارعت إلى إنقاذ علاقاتها مع الولايات المتحدة. أقر نتنياهو أنه اتخذ اجراءات عملية، في نقل اسرائيل من كونها “دولة مهمشة” على حد وصفه الى دولة مؤثرة في المنطقة. وأن كل الاجراءات التي اتخذها لم تؤد الى حدوث “تسونامي” ضد اسرائيل ” كما حذر اليسار في إسرائيل مرار على حد تعبيره.

رابعا، تفاخر نتنياهو أن من ضمن انجازاته هو إقرار سياسة “السلام مقابل السلام” وليس السلام مقابل الأرض وأنه يسعى للحفاظ على ما تم انجازه في هذا الصدد متهما بينيت بأنه ضعيف على الصعيد الدولي ولن يتمكن من مواجهة التحديات في هذا المضمار، وهذا يعني أن إدراة بايدن من المحتمل أن يكون لديها رؤية سياسية جديدة تختلف عن رؤية الادارة الأمريكية السابقة، وأنها على الأقل لن تتبنى سياسة “السلام مقابل السلام”، ولكن علينا أن ننتظر قليلا لحين اتضاح رؤية ادراة بايدن الجديدة.

خامسا، قد يكون للولايات المتحدة الأمريكية يد في الإطاحة ببنيامين نتنياهو، واسرائيل بكافة أطيافها أيدت وأجمعت على هذه الاطاحة لضمان حماية علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ولاحداث تغيير.

بناء على ما سبق، يمكنني القول أن ما يحدث هو متغير جديد يدخل على الجغرافيا السياسية في النظام الاقليمي الشرق أوسطي وسيكون له تداعيات على العلاقات الأمريكية-الاسرائيلية، وهو نقطة جوهرية ستؤثر على المنطقة بأسرها.

ثامنا، بغض النظر عن الخطاب وحيثياته، الا أنه وفق نظرة موضوعية، نحن أمام دراسة نموذج جديد في الديمقراطيات داخل اسرائيل جمع قمة المتناقضات في ائتلاف اسرائيلي موحد أجمع أعضاؤه على اسقاط نتنياهو وعلى رغبة في التغيير.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0