سياسة مختارات مقالات

تحليل خطاب يحيى السنوار تجاه حركة فتح والسلطة الفلسطينية

بقلم/ مونتجمري حور

لا شك أن الكلمات الصادقة ليست جميلة، والجميلة منها ليست بالضرورة صادقة، وإن كانت لغة الخطابة وبلاغتها تفترسان الحقيقة، فالتحليل النقدي يرفع سيفه في وجههما.

يهدف هذا المقال إلى تحليل خطاب يحيى السنوار، قائد حركة حماس في غزة، بهدف استنباط التغير الواضح والمبطن لحركة حماس في تعاملها مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية في هذه المرحلة وما سيليها من اجراءات، ولاجراء ذلك سيتطرق المقال إلى التركيز على نقاط القوة ونقاط الضعف اللتان وردتا في الخطاب وتحليل محتواهما باختصار، ناهيك عن الأخطاء الفادحة التي وقع فيها قائد حركة حماس، يحيى السنوار، رغم أن الخطاب معد له مسبقا ورغم حمله الكثير من الرسائل، الا أنه كان مرتجلا، وقد فضل يحيى السنوار الاعتماد على ذاكرته دون أن يكتب أبرز النقاط التي كان سيتناولها ولو على شاكلة رؤوس أقلام، مما أوقعه في أخطاء وتناقضات عديدة سأستعرضها في هذا التحليل التالي:

– على صعيد اللغة المستخدمة: لم يستشهد السنوار بالايات القرانية والأحاديث النبوية كثيرا كما عودنا قادة حركة حماس، واختار أن يكون خطابا براغماتيا بامتياز في تناوله لعدة مواضيع بشمولية مختصرة.

– طغى على مجمل الخطاب لغة تحدي بالقوة لا تتناسب مع ما تحقق بعد انتهاء الحرب، فلكل حرب أهداف سياسية توضع قبل الدخول في الحرب ثم يقاس مدى نجاعتها وتحققها بعد انتهاء الحرب، ما يشي بأن اصراره على هذه اللغة كعادة قادة حركة حماس في خطاباتها الشعبوية هدفت الى دغدغة مشاعر العامة.

– رغم الأسلوب المبسط للخطاب الذي يخاطب عامة الناس، لم يتضمن الخطاب مصطلحات تسيء لحركة فتح أو السلطة الفلسطينية. وحتى مصطلح التنسيق الأمني الذي يشكل قضية خلافية، لم نسمع عنه ولو كلمة.

– جلس قائد حماس جلسة المنتصر وظهره مفرودا وكأنه القائد الجديد القادم للشعب الفلسطيني برمته الا أن جذوره الأمنية والعسكرية طغت على موقعه السياسي الحالي وقد تجسد ذلك في لغة جسده وفي استخدامه للمصطلحات.

بالاضافة إلى ذلك، كان الخطاب تعبويا تنوعت لغته: فعند التلويح بالتهديد أو التحدي، استخدم يحيى السنوار جملا خبرية مباشرة، وعند دغدغة مشاعر العامة، استخدم بلاغة لغوية عاطفية هدفت في كثير من المواطن باعتقادي إلى تقزيم القضايا الكبيرة والرئيسة ذات الأهمية البالغة بالنسبة لحماس كالانضمام إلى منظمة التحرير. ورغم هذه الأهمية المستجدة على نهج حركة حماس الا أن السنوار وصف منظمة التحرير في الخطاب بانها “صالونا سياسيا” أو “صالونا ثقافيا” مقللا من دورها إلى حد كبير وبذلك يكون رسم صورة ذهنية معاكسة للخط البراغماتي الحالي لحركته بالانضمام إلى منظمة التحرير.

– على صعيد الالتزام بالقوانين والأعراف الدولية: غابت المفاهيم والقوانين الدولية ذات الصلة عن الخطاب تماما وبذلك يستكمل السنوار نهج حركة حماس بتقزيم أهمية هذا الجهد المهم على الصعيد الدولي في محاصرة دولة الاحتلال وكشف انتهاكاتها وتعريتها، كما تجاهل ذكر الجماهير التي خرجت في فلسطين كافة وفي انحاء متفرقة من العالم لنصرة قضيتنا.

– انتهج السنوار خطابا تعبويا واستعراضيا لانجازات قوى المقاومة في التعامل مع العدوان الأخير على قطاع غزة، الا أنه وقع في خطأ فادح يثبت بالصوت والصورة ما يروج له الاعلام الإسرائيلي بأن هذه “الحرب” هي حرب بالوكالة وتبدى ذلك حين أشاد بايران وبتقديمها الدعم العسكري لحماس ولا شك أن الاعتراف بمصادر التمويل والدعم علانية، وإن كانت معروفة، هي أمر غير مقبول في حركات التحرر.

– أخفق يحيى السنوار عندما تحدث عن بعد الأنفاق عن الفاصل الحدودي وعن أن دولة الاحتلال لم تدمر سوى 5% من اجمالي الأنفاق البالغة 500 كيلو متر، فإن صحت المعلومات المجانية التي قدمها، فذلك افشاء لأسرار المقاومة، وإن كان ذلك من باب التهويل فمن حقنا أن نتساءل عن الجمهور المستهدف من هذه المعلومات.

– أن حديثه عن البروفيسور جمال الزبدة وابنه، رحمها الله وتقبلهمها، وأسماء أخرى ذكرها في خطابه يقدم اعترافا مجانيا للاحتلال الإسرائيلي بأن هؤلاء لم يكونوا مدنيين، وهذا يتوافق تماما مع الرواية الإسرائيلية التي تقدمها في المحافل الدولية، والأصل أن كل الضحايا الذين سقطوا هم مدنيون ولا داعي لتحديد هوياتهم، وكعادة حركة حماس، تعاطى السنوار مع الخسائر الجسيمة البشرية والمادية التي مني بها قطاع غزة كأضرار جانبية ثانوية لا تذكر.

– في توزيعات الشكر للقنوات الاعلامية والاعلاميين، شكر قناة الجزيرة بحرارة متناسيا دور قنوات عملت بمهنية عالية جدا لتغطية العدوان على أهلنا في قطاع غزة، مما يعتبر انتقاصا من دورهم وشأنهم.

– حاول دغدغة مشاعر أبناء حركة فتح حين ردد شعارات القيادات التاريخية لحركة فتح واتسم الخطاب بعدم المزاودة السياسية على حركة فتح.

– استخدم عبارات للتكامل بين العملين العسكري والسياسي بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية وهو يدرك تماما في دعوته هذه أن حركة حماس لا تزال على قائمة ولائحة الارهاب لدى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية، فهل هذا اقرار منه أن حماس أخفقت في استثمار الجهد العسكري سياسيا، وهل باتت حركة حماس تقر بحاجتها إلى شرعية السلطة الفلسطينية؟!

– استهجن الخطاب موضوع التقارب مع حركة فتح بتشكيل حكومة موحدة ذات برنامج سياسي متفق عليه وبذلك تكون حركة حماس أعطت ظهرها لحركة فتح عند الحديث عن أي تقارب أو تحقيق مصالحة حقيقية على الأرض، وفي المقابل، لا يزال الباب مشرعا أمام حركة فتح لتقبل الاحتواء الحمساوي الجديد.

– لقد أظهر هذا الخطاب شهية حركة حماس تجاه السيطرة والهيمنة على كل مناحي الحياة السياسية والأمنية والعسكرية، ومن الواضح أنها باتت تعتقد أن هذا استحقاقا لها نظير “انتصاراتها” إن جاز التعبير، وقد يصل بها شعور النشوة للاعتقاد بأنها تحقق الانتصار على حركة فتح والسلطة الفلسطينية وليس على المحتل الغاصب.

– المشهد الذي حاول السنوار رسمه عن قدرات حماس في مواجهة دولة الاحتلال عندما وصف اطلاق جناحه العسكري 250 صاروخ رشقة واحدة على تل أبيب وكانها شربة ماء بالنسبة إليه، في استعراض مبالغ فيه للقوة، لم يكن أسلوباً موجهاً الى دولة الاحتلال البتة، بل مرة اخرى للاستخدام المحلي.

– كان الخطاب مكتظا بالمعاني التي توشك أن تنفجر بالدلالات على أن حركة حماس تحاول خلع ثوب العزلة وارتداء ثوب الجماعة ولن يكون ذلك عبر تقارب في وجهات النظر مع حركة فتح وفصائل منظمة التحرير، بل عبر سياسة هيمنة مدروسة بدأت حركة حماس فعليا في انتهاجها.

• دكتوارة في تحليل الخطابة

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0