علي رسول الربيعي
دراسات وأبحاث فكر فلسفة مختارات مقالات

الدّيمقراطية التداولية والفئات المحرومة

الدّيمقراطية التداولية والفئات المحرومة

 

بقلم الدّكتور/ عليّ رّسول الرّبيعيّ

لقد تناولت في دراسات سابقة الادعاء القائل بأن الجماعات ذات الامتيازات ستهيمن في أطار التداول حتما على الأقليات المحرومة، لأن هذه الجماعات سوف تهيمن على مجريات النقاش العام؛ وجوابي هو: أن هناك أسباباً كثيرة تنبع من الحالة المثالية للتداولية نفسها لصالح أشكال النقاش التي لا يحدث فيها  مثل هذا. لكنني قلت إن هناك مشكلة أعمق هنا، وهي مسألة ما إذا كانت فكرة المداولة ذاتها – فكرة اتخاذ القرارات من خلال عملية محاججة  منطقية تسود فيها الحجج  الأكثر وزنا في النهاية – لاتكون منحازة ضد الجماعات المحرومة. هذا هو مطلب يونغ في حقيقته عندما تقول أن المداولات  تمنح أمتياز  للخطاب “الرسمي والعام”، بوصفه خطاب “نزيه و “ينطلق من المقدمات الى الخلاصة بطريقة منظمة تحدد بنية الاستدلال”.  تؤكد ساندرز، أيضاً، أن المداولات تتطلب حديثًا “منطقيًا، وموجهًا لمشكلة مشتركة” بدلاً من الحديث “العاطفي والمتطرف الذي ينتج المصالح الخاصة” وينحاز اليها. يؤكد كلاهما أن قواعد التعبير المقبولة ذات طبيعة تميزية ضد والأقليات والنساء ايضا كمثال لاسيما في المجتمعات التقليدية، التي يجب يفسح لها المجال لتقديم وجهات نظرها ومطالبها بطريقة أو أخرى. وفقًا لـ يونغ وساندرز، فإن ما تحتاجه المجموعات المحرومة ليس المداولة على الإطلاق، ولكن أشكال التفاعل السياسي الأخرى التي يمكن أن تظهر فيها وجهات نظر هذه الجماعات واهتماماتها الخاصة بوضوح أكبر، وهو ماتقوم بتفصيله يونغ وساندرز.

لسوء الحظ ، قدم مؤيدو الديمقراطية التداولية روايات مختلفة إلى حد ما عن أساليب التفكير التي يتطلبها التصور التداولي المثالي. مستوحاة إحدهن من عمل جون راولز، حيث قدمت تلك الروايات ببلاغة في سلسلة من المقالات كتبها جوشوا كوهين يصف فيها الإجراء التداولي المثالي بأنه ينطوي على “التفكير العمومي”. ويتطلب هذا من المشاركين في المداولات أن يقتصروا على المجادلة بشأن المقترحات التي يفضلونها بطريقة محددة: يجب عليهم تقديم أسباب، يعتقدون أنه يجب على الآخرين قبولها، بغض النظر عن التزاماتهم الشخصية المختلفة. وكما يقول كوهين:

لن يؤدي الأمر ببساطة إلى تقدم الأسباب التي تجعل المرء  في الموقع الصحيح أو المقنع: فقد يتم رفض مثل هذه الاعتبارات من قبل الآخرين الذين يعتبرون أنفسهم في الموقع المعقول والمقبول. يجب على المرء بدلاً من ذلك أن يجد أسبابًا  يقبلها الأخرين ويخضعون لها، والاعتراف بهؤلاء الآخرين على قدم المساواة، وإدراك أنهم يمتلكون ما يمكن أن يعد  التزامات معقولة، ومعرفة شيء عن هذه  الالتزامات التي  لديهم- على سبيل المثال، قد يكون لديهم التزامات أخلاقية أو سياسية التي تفرض ما يعتبرونه التزامات  جوهرية.”

 المطلوب أن تبدأ المداولات، وفقًا لوجهة النظر هذه، من خلال تقديم حجج مفادها أن كل شخص لديه سبب للقبول، أو  بمعنى آخر حجج تحتكم الى التي أرض مشتركة – ايً  لمبادئ العدالة المشتركة، أو أفكار تتعلق بالصالح العام. فمثلا ، المطلوب أن يكون هناك احتمال كبير للتوصل إلى توافق في الآراء – إذا كان الجميع يحتكم فقط الى الأسباب التي يمكن لأي شخص آخر قبولها، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن أن يكون هناك اختلاف جوهري حول ما يجب القيام به.  يحاول كوهين  أن يفلت من هذا الاستنتاج  من خلال الإشارة إلى أنه قد يكون هناك خلاف حول الوزن النسبي للاعتبارات التي اجتازت اختبار العقل العام، وبالتالي قد لا يزال يتعين إجراء تصويت بالأغلبية في نهاية المداولات. لكن مع هذا الرأي، فإن الجميع يؤيدون الأسباب الكامنة وراء القرار الذي تم التوصل إليه؛ إنه فقط ان البعض يعطون أوزان مختلفة لها وبالتالي يصلون إلى استنتاج عملي مختلف.

 من الواضح تمر وجهة نظر راولز- كوهين بألوان متعددة لأختبار العقلانية والشرعية التي أشرت إليها في البداية. ستكون القرارات التداولية عقلانية بمعنى أنها مبررة لأسباب مشتركة بين الجميع في المجتمع المعني، وتأتي شرعيتها مباشرة من هذا المصدر نفسه. لكن في الوقت نفسه، يبدو أنها معرضة بدرجة كبيرة للنقد الذي وجهه باحثون مثل ساندرز ويونغ. لأنه يتطلب من الجماعات المحرومة عندما يطرحون قضاياهم أن يقييدوا أنفسهم  بالحجج المطلوب أن تكون  مقنعة للجماعات المحظوظة أو المهيمنة ذات الأغلبية.  وبصوغ أكثر دقة، على الرغم من أنهم لا يُمنعون رسميًا  وشكلياً من تقديم حجج معقولة من وجهة نظرهم الخاصة فقط، لكن عليهم أن يكونوا مستعدين للأنتقال إلى التفكير بالجانب العمومي إذا كان يعولون على ان تكون معقولة ومقبولة، وبالتالي يستوفون شروط الإدراج في المداولات كأشخاص. 

ومع ذلك، أعتقد أن وجهة نظر المداولة هذه مقيدة للغاية: فهي تقدم وصفًا متجانسًا جدًا لنوع التفكير والأستدلال الذي يجب أن يكمن وراء قرار ما إذا كان يجب تمرير بقية مستلزمات الشرعية الديمقراطية. بادئ ذي بدء، ما لم نقتصر الديمقراطية التداولية على مجموعة فرعية صغيرة من القرارات التي قد يتعين على مجتمع سياسي ديمقراطي اتخاذها، يجب أن تكون الإجراءات التداولية مرنة بما يكفي للتعامل مع العديد من أنواع مختلفة من القضايا. وفي حالة وجود بعض المشكلات ، يكون نطاق التفكير المنطقي بالمعنى الذي يطرحه راولز- كوهين محدودًا للغاية. تتطلب بعض الأسئلة، على سبيل المثال، أولاً وقبل كل شيء أن يحدد الأشخاص تفضيلاتهم وبعد التداول يمكن أن يُبلغ الأشخاص أعضاء التداول  قرارهم النهائي فيما يخص الأفضليات المعبر عنها. إن المعلومات الأساسية  المطلوبة او التي تكون الحاجة اليها للوصول إلى قرار في حالة كهذه هي معلومات حول ما يفضله معظم الناس، وفي هذه المرحلة لا يكون الحديث إلا عن مدى ملاءمتها. قد يكون الموضوع الذي يدور حوله النقاش أو التداول  مفضلاً بشكل كبير لدرجة أنه لا توجد حاجة لمزيد من المداولات.  أما إذا كان هناك خلاف كبير، فقد نحتاج إلى تسوية إجراءمعين لحلها. في الحالة الثالثة، يجب أن يكون هناك حجة منطقية حول سبب كون هذا الإجراء هو الإجراء المناسب لاستخدامه في هذه المشكلة. لكن النقطة الأساسية هي لا يتعين على المشاركين تقديم أسباب موضوعية لدعم الموضوع أو القضية  التي يفضلونها في مثل هذه الحالة ؛ فقد يكفي أن يذكروا تفضيلاتهم والاتفاق على إجراء عادل للتوصل إلى قرار. ليست هناك حاجة  لينتقل الناس إلى أسس أخلاقية عالية وتقديم الأسباب التي تجتاز اختبار راولز- كوهين فقط.  

قد تكون المشكلة ، في حالات أخرى، هي أن الناس ينتقلون إلى أسس أخلاقية عالية بسرعة كبيرة، بمعنى أنهم يجدون أنفسهم يجادلون حول قواعد أخلاقية متضاربة ومع ذلك يعتبرونها اساسية. تكمن الصعوبة في أنه إذا طبقنا اختبار راولز- كوهين، فسيتم تقليص كلا الجانبين في صمت لأنهما يعلمان أن الحجج التي يريدون تقديمها لن تكون مقنعة لأولئك الذين يختلفون معهم. وهكذا، فإن المدافعين المؤيدين للحياة عادةً ما يبنون حججهم على افتراضات دينية حول قدسية الحياة التي لايمكن توقع أن يشاركهم فيها  العلمانيون. إذا كان للمداولات أن  تمضي قدماً هنا، فيجب أن تتخذ شكل البحث عن حلول لا يجدها أي من الطرفين بغيضة أو غير مقبولة تمامًا. تحدث جوتمان وطومسون، في مناقشة توضيحية للقضية، عن “اقتصاد الخلاف الأخلاقي”. يتضمن هذا أولاً وقبل كل شيء اعلان أنك تحترم الأسباب التي قدمها خصومك على الرغم من أنك لا تشاركهم فيها أو لاتؤيدها، وأنك تدرك عمق وصدق التزاماتهم. ثم ينطوي على إيجاد حلول عملية لا تسيء إلى هذه الالتزامات بشكل صارخ.

سوف تنطوي المداولات بالفعل، في بعض الأحيان، على التماس مبادئ جوهرية يشترك فيها الجميع تقريبًا في المجتمع السياسي. ويبرز هكذا  بشكل واضح في النقاش حول السياسة التعليمية مثلا، عندما يتبين أن هناك اتفاق عام  على  مبدأ تكافؤ الفرص حول  ضرورة  أتاحة  فرص نفسها لتعليم الأطفال بغض النظر عن جنسهم أو طبقتهم أو خلفيتهم العرقية. لكن بدلاً من التذرع بهذا المبدأ لأنه يجتاز اختبار الرفض المعقول، يمكن ان يتم تبنيه وتطبيقه لأنه تبين أثناء المناقشة أن هذا المبدأ يؤيده الجميع بالفعل. بمعنى آخر، يبدأ الناس في النقاش حول التعليم من مجموعة متنوعة من وجهات النظر، يرتبط بعضها ارتباطًا وثيقًا بقيمهم الشخصية أو معتقداتهم الدينية، لكنهم سيدركون مع تقدم النقاش أن الحجج التي يقدمونها لا ترضي الآخرين. وبدلاً من أن تكون المداولات شرعية فقط عندما يقتصر المتداولون على التفكير العام بمعنى راولز – كوهين ، فإن الاقتراح هنا هو أن البحث عن اتفاق سيكون بمثابة مرشح (فلتر) على أنواع طبيعة وأسباب والبواعث التي تسود النقاش، ويتم التخلص من الأسباب الخاصة بجماعة بعينها على وجه التحديد لأنه يتضح لمؤيديها أنهم لن يحظوا بموافقة واسعة. ليس من الضروري تحديد أنواع الأسباب المسبقة المسموح بها لتحديد السياسة مسبقًا،اذا يمكن تعتمد عملية التداول  بدلاً من ذلك لتحديد الأسباب المقبولة عمومًا.   

  يمكن القول عن طريق الانتقاد هنا أن الديمقراطية التداولية لا تتطلب سوى إقناع الأغلبية بصحة سياسة معينة: قد يكون الإجماع هو المثل الأعلى، لكننا نعلم أنه في معظم الحالات، لا يمكن تحقيق ذلك، ولذا يجب أن يتم اتخاذ القرارات بأغلبية الأصوات. وعلى المنوال نفسه، فإن المبادئ التي تعبر من المرشح- الفلتر-  التداولي تحتاج فقط إلى مبادئ تحضى بدعم الأغلبية – إذا كان بوسعي أن اضمن  أن معظم جمهوري يوافقون على  ذلك ، فلا داعي للقلق من الآخرين، طالما أهتمامي هو أن حججي يجب أن تسود في النقاش. إذا طبقنا معيار راولز- كوهين، على النقيض من ذلك، أنا مضطر أن أعثر على أسباب مقنعة للجميع، وهذا يعد قيدًا أقوى على التداول من الذي أقدمه.

  حسنًا، أوافق على أن المداولة الديمقراطية يجب أن تشمل أكثر من مجرد البحث عن أي حجج تجلب إليها أغلبية  المشاركين في التداول. يجب أن تهدف العملية التداولية إلى اكتشاف نتائج السياسة التي تتمتع بأوسع دعم ممكن، على الرغم من أنه من غير الواقعي افتراض أن الإجماع الصارم سوف يتحقق على الإطلاق. وبالتالي، وبحساب بسيط، إذا تبين أن 51 في المائة من هيئة التداول ستدعم النتيجة (ا )، لكن 80 في المائة ستدعم النتيجة (ب)، والتي لا تختلف اختلافًا جذريًا عن ا، ولكنها تتجاهل العناصر التي يرى العديد من 29 في المائة أنها مرفوضة تمامًا ، ثم يجب أن تتوج المداولات الجيدة باختيار( ب). ما يحفز هذا الاختيار في المقام الأول هو احترام المشاركين في التداول. لديهم أسباب مخلصة لرفض (ا) أسباب لا أشاركهم بها ولا أؤيدها، ولكن يمكنني التعرف عليها وأعترف بها  كأسباب خاصة بهم . إذا كان هناك بديل مثل ب  يستوعب هذه الأسباب دون مطالبتي بالتخلي عن الكثير، فيجب أن أؤيد ذلك. علاوة على ذلك، ينبغي عليً أن أفعل ذلك ليس فقط احتراماً لأولئك الذين لا أوافق معهم، ولكن من أجل تعزيز جو عام من الثقة داخل هيئة التداول. في المرة القادمة، قد أتحول إلى أقلية لديها أسباب قوية وصادقة للاعتراض على السياسة التي تتطلب دعم الأغلبية، وسأريد أن يتم الاستماع إلى أسبابي وإذا أمكن ذلك

اقتراحي، إذن، هو أننا يجب أن نفهم التداول والتشاور ليس كمطلب  نقصر فيه أنفسنا على تقديم الأسباب والحجج التي نثني بها على أنفسها أمام أعضاء هيئة التداول، ولكن نقدمها كمطلب من أجل الوصول إلى اتفاق على شروط  ترضي الأعضاء الأخرين وقناعاتهم. هذا المطلب، كما اقترح، سيكون مرشحًا  لأزالة بعض الحجج في سياق النقاش دون استبعادها مسبقًا. وبهذا الفهم حققنا إرضاءًا لكيفية عمل التداول، دعنا نعود إلى التحدي الذي تطرحه كلا من يونغ وساندرس، حيث يقولن أن التداول أو المداولات منحازة بطبيعتها ضد الجماعات المحرومة لذلك يتطلب هذا أستخدام أشكالًا أخرى من التواصل. إن وجهات نظرهم تستحق الأهتمام ، لذا  ودعونا ننظر في التهم الموجهة ضد التداول أولاً، ثم مزايا البدائل المقترحة.

من بين التهم الموجهة إلى المداولات أو التداولية من قبل يونغ وساندرس هي أن التداولية تعطي الامتياز للخطاب المنطقي وحسابات العقل البارد على حساب الكلام العاطفي والمتحمس؛ وأن التداول أو التشاور  يفضّل التفكير الرسمي والمجرّد على حساب الاهتمامات الملموسة لفئات معينة؛ وكذلك أنه يفضّل الكلام “المعتدل” على حساب الكلام “المتحمس”. يكشف تفحص التهمة الأولى أنها تعتمد على انفصام زائف بين العقل والعاطفة وبالتالي هي خاطئة، بمعنى أن كل الكلام السياسي والحجة يجب أن تنقل مشاعر والتزامات المتحدث،ولكن أيضا إعطاء أسباب إما إيجابية بالنسبة لبعض المقترحات، أو سلبًية ضد بعض البدائل. صيحة الألم ليست تدخلاً سياسياً، إلا إذا كانت مرتبطة ضمنيًا أو صريحًا ببعض المقترحات لتخفيف الألم. صحيح أن بعض المتحدثين يقولون في بعض الأحيان، “إن هذا الوضع لا يطاق”، ويبينون السبب وراء عدم إمكانية تحمله، لكن  يكون هذا ذو معنى منطقي فقط في سياق يقدم فيه المتحدثون الآخرون وسائل اصلاح او علاج  يقترحونها. ولكن عندما نتحرك من الاحتجاج أو الغضب نحو الحلول، يجب تطبيق قوانين أو شرائع العقلانية القياسية – فمن الواضح أنه من غير المعقول أن تقترح كحل، سياسة تجعل الأمور تسوء فعليًا  بالنسبة للمجموعة المتأثرة، أو التي أخضعت بعض المجموعات الأخرى لأنواع المعاناة أو الحرمان التي كانت سببا في الاحتجاج بدايةً. يعد الكلام العاطفي مهماً لأنه يوضح للآخرين مدى قوة المجموعة المعنية حول الموقف الذي يجدون أنفسهم فيه، ولكن الكلام العقلاني مهم أيضًا، بسبب الحاجة إلى إقناع الآخرين بأن العلاج الذي تقترحه هو بالفعل علاج. يبدو لي، في الواقع، إهانة للمجموعات المحرومة أن أقترح  أن قواعد العقلانية الجدلية  معبأة ضدهم، لأنه يعني ضمناً أنهم لا يستطيعون تقديم حجج متماسكة للتغييرات التي يريدون إحداثها.

 وهناك تهمة أخرى هي أن التداول يأتي لصالح أو يفضل “خطابًا رسميًا وعامًا” وبهذه الطريقة  يعبر عن موقف تميزي ضد المتحدثين الذين يرغبون في لفت الانتباه إلى بعض المظالم الملموسة أو مخاوف مجموعة معينة. مرة أخرى أعتقد أن هذا يخلق انفصام زائف. تتخذ الحجة السياسية،  في أغلب الأحيان، شكل ربط الموقف الذي تجد جماعة معينة نفسها فيه بمبدأ عام تم تطبيقه في الماضي على جماعات أخرى ويحظى الآن بموافقة واسعة النطاق. 

أخيرًا، لدينا تهمة أن المداولة تحبذ الكلام المعتدل على الخطاب المتطرف، وهو ما أخذه هنا لكي أكوًن ملاحظة  ليس  حول  طريقة الكلام  المفضلة ولكن عن جوهرها ؛ التهمة ، بمعنى آخر، هي أن المطالب والمقترحات الراديكالية المتطرفة غير مواتية، وتفضل الاقتراحات التوفيقية. أعتقد، بطريقة ما، أن هذا الاتهام صحيح بالفعل. خذ قضية مثل العمل الإيجابي الذي يحمل الناس طيفًا واسعًا من الآراء فيه – في أحد الجوانب، هناك رأي مفاده أن أصحاب العمل لهم حق التمتع  بالحرية التامة في استخدام أي شخص يحلو لهم، حتى لو كانوا متحيزين جنسياً أو عنصريًا ؛ في المقابل، هناك رأي مفاده أن العدالة تتطلب منا تطبيق حصص عرقية وجنسية صارمة لضمان تمثيل كل جماعة  في كل فرع من فروع العمل بالتناسب التام مع حجمها؛ بين هناك عدد من المواقف التي يمكن أن نصفها بأنها معتدلة. لنفترض أن أعضاء مجتمع سياسي يحملون آراء موزعة بالتساوي عبر هذا الطيف. من المرجح أن تكون نتيجة المداولات (الجيدة) واحدة من الآراء المعتدلة – لأسباب لابد أن تكون واضحة من وصفي السابق للعملية التداولية – سيتخلى الناس عن الحجج القائلة بأنهم لا يتلقون سوى القليل من الدعم العام، وسيبحثون عن حل لا يسيء بشكل صارخ لالتزامات الآخرين، وهكذا دواليك. وسوف يبحثون عن حل هذا لا يسيء بشكل صارخ لألتزامات الآخرين، وهكذا دواليك. ولكن بعد ذلك يمكن القول أن هذا هو بالضبط ما تتطلبه الديمقراطية في مثل هذه الحالة. إن الشكوى من أن أحد وجهات النظر المتطرفة – مثل وجهة نظر التي تبنى ” الكوتا” أو المحاصصة بقوة، والتي قد تجتذب بالفعل دعم بعض أعضاء الجماعات العرقية المحرومة – لم يتم تبنيها، هو بالحقيقة شكوى بشأن الديمقراطية نفسها، وليس بخصوص التداول كإجراء. تقول ساندرز، في مرحلة ما، في البيئات التي توجد فيها تفاوتات جسيمة في السلطة والوضع والمكانة، قد تكون الدعوة إلى حل وسط قريبة من وضع خطير في مايؤدي الى قمع منظورات الفئات المهمشة. ومثل هذا القمع اذا ما حصل فأنه ليس حلاً ديمقراطيا ابدأً. ولكن هناك فرق حاسم بين قمع منظور – عدم السماح له بالدخول في النقاش الديمقراطي، أو تجاهله عند طرحه – وهو أمر غير ديمقراطي بالفعل، وبين عدم اتباعه عند التوصل إلى قرار نهائي. باستثناء الحالات التي يكون فيها لكل شخص التفضيلات نفسها، أو يمكن أن يتفق مع مجموعة الأحكام نفسها، فلا يمكن للديمقراطية أن تساعد إلا أن تكون عملية حل وسط يتخلى فيها المشاركون عن جزء من مطالبهم الأولية من أجل التوصل إلى اتفاق. الأدعاء المقدم باسم الديمقراطية التداولية هو أنه يسمح بالنظر في كل منظور ووزنه في سياق المداولات، دون أن يكون بالطبع قادراً على ضمان أن أي منظور معين سوف يسود في النتيجة النهائية.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0