سياسة مقالات

 الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية بعد سيف القدس

 الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية بعد سيف القدس
بقلم/ حسام شاكر
لا توجد سياسة خارجية أوروبية موحّدة بمعنى الكلمة، لكن توجد خطوط عريضة للسياسات والمواقف الخارجية على مستوى الاتحاد مع تباينات نسبية في المواقف بين الدول الأعضاء. طرأ في السنوات الأخيرة تراجُع استراتيجي لمكانة أوروبا الموحدة في عالم متعدد الأقطاب، خاصة بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد وظهور أوروبا عاجزة في مواجهة روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم وإذلال ترمب لأوروبا في ملف الآصرة الدفاعية الأطلسية. انعكس هذا الضعف والتشرذم بوضوح على تأخُّر تفاعل الاتحاد الأوروبي بشكل مسموع مع تطورات العدوان الأخير، فوزراء الخارجية اجتمعوا بعد أكثر من أسبوع على العدوان وعجزوا عن الخروج بموقف جماعي متماسك بعد الفيتو المجري. قبل هذا كانت باريس تتحرك إزاء تطوّرات العدوان في اتجاه وبرلين تتحرك في اتجاه آخر، وهما القطبان الباقيان في الاتحاد بعد خروج لندن.
من عادة المواقف الأوروبية في جولات العدوان الحربي على الشعب الفلسطيني أن ينزلق بعضها إلى تعبيرات منحازة بوضوح إلى جانب الاحتلال تحت مقولات ذرائعية مثل “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” أو “ضمان أمن إسرائيل”، دون الإشارة إلى حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه وضمان أمنه وضرورة جلاء الاحتلال. يُساهم هذا التساوق مع دعاية الاحتلال في توفير غطاء دولي للعدوان الحربي، ثم يطرأ تحوّل نسبي في نبرة الخطاب مع ظهور عجز العدوان عن كسر الشعب الفلسطيني من جانب وافتضاح مزيد من جرائم الحرب المصوّرة – مثل استهداف برج الجلاء الذي يضم مكاتب صحفية دولية – من جانب آخر، فترتفع كلفة الانحياز وتتراجع تعبيراته.
يُشير هذا إلى أنّ صمود الشعب الفلسطيني على الأرض وكسر شوكة العدوان يفرضان تراجعاً في منسوب الانحياز وبحثاً عن مخارج ومعالجات للموقف.
إنّ أزمة السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي هي أزمة بنيوية في الأساس وقد تعاظمت مع تعدّد أهواء الدول الأعضاء كما اتضح خلال أزمات كورونا واللقاحات واللاجئين والمواقف من روسيا ومن تركيا وفي ليبيا. في حالة فلسطين توجد دول أوروبية منحازة بشكل تقليدي وجارف للاحتلال – مثل دول وسط أوروبا وشرقها – وأخرى تزاوج بين انحيازها المعهود والخرص على مكانتها الدولية، وثمة دول متقلِّبة نسبياً في مواقفها حسب ألوان حكوماتها مثل الدول المتوسطية – اليونان وإيطاليا وإسبانيا -، وتوجد دول تحرص على درجة من التوازن مثل السويد والنرويج، وهذه الدولة الأخيرة ليست عضوا في الاتحاد بما يُتيح لها هامشاً أوسع للمبادرات والمواقف الاستقلالية.
عموماً ظلّت المواقف الأوروبية في معظمها ملتزمة بخطوط الرباعية، وهذا ما تأكد أيضاً في عهد ترمب الذي امتنعت أوروبا عن مجاراته لكنها لم تتصادم معه. رغم ذلك تُدرِك الأطراف أنّ مشروع الدولتين كما تم تصميمه تلاشى تقريباً مع تحويل الضفة إلى معازل سكانية ضمن محيط استيطاني، لكنّ أوروبا تحرص على وعود الدولة الآتية عبر التفاوض والبديل عن هذا الوعد ببساطة هو المصارحة بالانسداد وغياب الأفق التفاوضي؛ بما يفرض السؤال عن البديل المتاح من جانب وتعزيز الوجهة الفلسطينية صوب الانتفاضات والكفاح المسلح، وهذا ما لا تريده أوروبا بالطبع. قامت أوروبا عملياً بتمويل الوهم وستواصل ذلك على هذا الأساس.
ثمة حاجة إلى تطوير الخطاب الفلسطيني، أو الخطابات الفلسطينية بالأحرى، في التعامل مع الأطراف الأوروبية والدولية، لينتقل الخطاب من مربّع الإجابة على الأسئلة أو الإملاءات إلى مربّع طرح الأسئلة والتأثير على أولويات النقاش، مع الاستفادة من المكتسبات المتحققة في الجولة الأخيرة. مثلا؛ ينبغي دفع الكرة إلى ملعب الاحتلال ليجيب على سؤال: ما مشروعه في فلسطين تحديداً؟ وإن كانت أوروبا غير قادرة مع المجتمع الدولي على استعمال نفوذها لإنهاء الاحتلال ولجم الاستيطان وتفكيكه فما يكون البديل الأوروبي عن هذا الانتظار المديد التي استمر ثلاثة عقود منذ مدريد ثم أوسلو دون تحقيق وعود التسوية السياسية؟ ولابد من مكاشفة فلسطينية صريحة وجريئة مع تعبيرات الانحياز الأوروبية ومواجهتها بأسئلة مقابلة من قبيل: وهل للشعب الفلسطيني الحق في الدفاع عن نفسه؟
لا غنى للخطابات الفلسطينية – كل من موقعه وطبيعة اختصاصه – عن حشد الدعم الدولي من جانب والمساءلة الأخلاقية والمعنوية والمنطقية والقانونية لمواقف الانحياز إلى الاحتلال وما توفِّره من غطاء لجرائم الحرب بقصد أو بدون قصد.
إنّ ما ينطوي عليه الاتجاه الغالب في المواقف الأوروبية من رفض الاستيطان ورفض الاعتراف بشرعية الاحتلال وتغييراته في شرق القدس والمنطقة ج يمثل رصيداً يمكن استثماره وتطويره، ولهذه المواقف أثر إيجابي في حشد مواقف دولية ضد الاحتلال.
لكنّ الواضح أنّ أوروبا لا تحوز إرادة سياسية للإقدام على خطوات من شأنها ردع الاحتلال وعزله، بما فيها مراجعة مجالات الشراكة المتعددة معه أو الصرامة في السلوك التصويتي في الهيئات الدولية. يبدو أنّ أوروبا تترقب سلوك إدارة بايدن قبل أن تفكر بتحركات جديدة نحو قضية فلسطين.
مِن عظات الأسابيع الماضية التي أدركتها أوروبا على الأرجح أنّ سياسة الحصار الخانق والمزمن على قطاع غزة رغم قسوته وتبعاته لم يكسر الشعب المُحاصَر، بل إنه ارتدّ على المحتلين بتصليب المجتمع الفلسطيني ورفع جاهزيته لتحدِّي الاحتلال. شاهد العالم غزة المحاصرة وهي تزعزع مشروع الاحتلال في ⁧‫فلسطين‬⁩ وتُحاصره بالجماهير والضمائر عبر العالم. لهذه الملحمة دلالتها في إسقاط رهانات الحصار على إنهاك القطاع من جانب أو على تفجير المجتمع الفلسطيني المُحاصَر من داخله، فالانفجار يتّجه نحو المحتلين كما يتّضح في جولات الردع الثقيل وفي المسيرات الجماهيرية أيضا (مسيرات العودة). إنّ الرهان على الحصار رهان عابث، ليس لأنه “لم يحقق أهدافه” كما قيل من قبل وحسب؛ أيضا لأنه يضغط على الاحتلال بالأحرى علاوة على كلفته بصفته سياسة عقاب جماعي جائر غير إنسانية وغير أخلاقية.
تقف أوروبا الآن في لحظة تشبه نسبياً ما كان في النصف الثاني من السبعينيات، عندما شرعت أوروبا الغربية وقتها في مراجعة نهجها من الانحياز المطلق للاحتلال إلى فتح الخطوط مع شريك فلسطيني، كان منظمة التحرير وقتها.
لن تتوقف محاولات تطويع المواقف الفلسطينية. أي رهان فلسطيني على تكرار تجربة التنازلات السخية لكسب الثقة هو بمثابة تجريب المجرّب. إغراء أطراف فلسطينية بتقديم تنازلات كي تُفتَح لها الأروقة يقتضي انتباهة مستمرة.
يقف المشهد الفلسطيني على مفترق طرق بين وحدة الشعب والميدان في مواجهة الاحتلال .. وتوحيد البيت السياسي الفلسطيني بعيدا عن الشعب ضمن الجدران السياسية والذهنية التي أنتجتها عقود الاحتلال وعهود أوسلو.
أوروبا السياسية معنية بجذب الموقف الفلسطيني نحو الخيار الثاني بديلا عن الخيار الأول، وما زالت أوروبا تتموضع ضمن دبلوماسية التمويل الذي قد يكون تمويلا مشروطا في بعض المحطات.
لا شكّ أنّ المقاربة الأنجح تتمثل في توحيد البيت السياسي الفلسطيني على مشروع وطني فلسطيني للتحرر من الاحتلال على أساس منجزات اللحظة وتطوير مكتسباتها والدفع باتجاه إرغام الاحتلال وداعميه على الاعتراف بالأمر الواقع الفلسطيني. عوائق هذا الخيار تتمثل أساسا في:
١/ القيادة الرسمية الفلسطينية ونهجها والتزاماتها وخشيتها المتأصلة من التغيير.
٢/ بنية السلطة الفلسطينية الاعتمادية على المانحين ومنظومتها الأمنية المكرّسة عملياً لدور وظيفي في خدمة الاحتلال.
٣/ المواقف العربية أو بعضها على وجه الدقة، والأدوار الوظيفية التي تتحرّاها بعض العواصم العربية في هذه المرحلة في إضعاف مكتسبات الشعب الفلسطيني التي تحققت في مايو ٢٠٢١.
٤/ محاولات التطويع الاقتصادي الذي يجري وربما مؤشرات الابتزاز المالي والتنفيذي في ملف إعادة الإعمار.
٥/ الأدوار الدولية المنحازة للاحتلال.
كشفت الأسابيع الماضية، من جديد، فجوة واضحة بين المواقف الجماهيرية والمواقف الرسمية في العديد من دول أوروبا. تعاظمت هذه الفجوة على ما يبدو في العدوان الأخير وتسبب إحراجًا لبعض المواقف الرسمية أحيانًا كما حدث في النمسا، لكنّ صانعي السياسة يحاولون عادة معالجة بعض هذا من خلال الإعلان عن خطوات وتعهّدات تدخل في الإطار الإنساني والمالي بمعزل عن الجوهر السياسي. لكنّ معالجة قضية فلسطين لن تتأتّى لأوروبا دون التطرق إلى الجوهر السياسي بطبيعة الحال، والبديل عن التطرّق إلى هذا الجوهر أو الحلول الجذرية هو افتضاح نموذج أبارتايد يصير عبئاً متزايداً على داعميه في العالم.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0