سياسة قصص قصيرة مجتمع مختارات مقالات نصوص أدبية

أين مريم؟… الحصول على جواب هذا السؤال البسيط استغرق ١١ يومًا

بقلم/ فاطمة أبو حية – موقع بنفسج
أين مريم؟… الحصول على جواب هذا السؤال البسيط استغرق ١١ يومًا، ظلّ هذا السؤال الشغل الشاغل للعائلة منذ الثاني عشر حتي ٢١ من الشهر الجاري.
بعد انتصاف ليل يوم ارتكاب الجريمة بساعتين تقريبًا، استهدفت طائرات الاحتلال بيت محمد التلباني في حي تل الهوا بمدينة غزة.
قبل القصف، كان في البيت أسرةٌ سعيدة، أبٌ، وأمٌ حامل في الشهر الرابع، وابنيهما زيد (٥ سنوات) ومريم (٣ سنوات).
بعد القصف، صار البيت كومة من ركام، خرجت من تحته جثتا الأم الحامل وزيد، وانتشل المسعفون الأب وقد أُصيب إصابة حرجة جدًا تُبقيه في العناية المركزة حتى اليوم، أما مريم فلم يظهر لها أثر لأحد عشر يومًا.
لم يتوقف البحث عن مريم على مدار أيام، الدفاع المدني، وأقاربها، والجيران، جميعهم يفتشون في كل مكان قد يخطر على البال، تحت الأنقاض، وفي شوارع الحي، وعلى أسطح البنايات القريبة، فقد كان تفكيرهم في البداية يتجه نحو احتمال أن يكون جسدها طار إلى مكان قريب بسبب شدة الانفجار.
بعد طول بحث، صار من المرجح أن جسد مريم الصغير تفتت من قوة القصف، هذا هو الاحتمال الأقرب للعقل، لكنه الأبعد عن القلب، فكيف للأهل المكلومين أن يتقبلوا “تبخّر” جسد الصغيرة.
استمرت العائلة بتحريك أنقاض البيت حجرًا حجر، حتى ظهرت الجثة.
كان ظهورها مؤلمًا بقدر ما كان مُريحًا للبال، صحيح أن الأهل عرفوا مصير حفيدتهم ووجدوا جثة يدفنوها وتم تسجيلها شهيدة بعد كل هذه الأيام، لكنهم فقدوا أي أمل غير منطقي كانوا يتمسكون به بأن يجدوها حيّة في مكانٍ ما.
كانت مريم، على صغر سنّها، متشوقة لقدوم أختها، لم تكن تفهم أن ثمة احتلال يقتل حتى الجنين في بطن أمه.
هكذا إذًا، انقلب حال آل التلباني في غمضةِ عين، من أسرةٍ تبحث عن اسم للبنت الجديدة القادمة بعد أشهر قليلة، إلى أسرةٍ لم يبقَ منها إلا أبٌ إصابته تهدد حياته.
عانت الشهيدة الأم “ريم سعد” في محطات عدّة بحياتها، منها مرضها خلال الثانوية العامة واضطرارها للتخلف عن الاختبارات، وهي المتفوقة التي تنتظر معدّلًا مرتفعًا، ثم وفاة والدها قبل يوم واحد من بدء اختبارات الثانوية في العام التالي، وبغياب الأب ظهرت أوجه جديدة من المعاناة لكل الأسرة، وكانت ريم الذراع الأيمن لوالدتها في السعي لتخطي الصعاب، كونها أكبر إخوتها.
مع ذلك، حافظت على تفوقها ونشاطها، وأنهت حفظ القرآن الكريم، ولم تتخلَ عن مواهبها المتعددة، والتي كان الرسم والفن التشكيلي والكروشيه أبرزها، وتجاوزت ذلك إلى العمل في مجال تنمية المواهب.
أرادت لابنيها تميزًا كالذي عاشته، فأخذت تعلمهما ما يكبر عمرهما، وكان الرسم على قائمة المواهب التي اهتمت بتنميتها عندهما، وكانت صديقةً لهما حسب وصف معارفها، خاصة الكبير زيد.
من الحوارات الأخيرة لهذين الصديقين، زيد وريم، حوارٌ على وقع القصف والخوف، وثّقته الشهيدة في خاصية القصص عبر “انستجرام” قبيل المجزرة التي طالت أسرتها، هو كالتالي:
زيد: ماما بدنا نروح ع الجنة.
ريم: آه يا رب نروح كلنا سوا.
زيد: طيب ماما أنا بدي أروح ع التاتا خلص سكرت الجنة هلقيت.
ريم: له يا ماما، هو الجنة بدها تسكر، الحمد لله إن ربنا الله.
زيد: يعني الجنة دايما مفتوحة ما بتنام.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0