آدم و حواء فكر مختارات مقالات

قوة أفكارنا عن الواقع وأثرها في عيشنا في هذا الواقع

بقلم/ آلاء السوسي
قبل يومين رأيت “بوست” عظيم  عن فكرة “رمسنة الأشياء”، والجمال والسحر في مقابل الواقع.
البوست اختصر انتقال عظيم في حياتي من طرف إلى آخر، وأحدث انقلاب حقيقي بشخصيتي، انقلاب أحببته وتمنيت لو أنه حدث في فترة أسبق، وبفضله آمنت فعليًا بقوة “أفكارنا” عن الواقع، وأثرها في عيشنا في هذا الواقع.
في الحقيقة لم أكن يومًا درامية بالمعنى الكامل، لأنني أشعر بالارتباك -طبيعيًا- من كل الفورات العاطفية، أيًا كان مصدرها-، ولا أستطيع الاندماج بحالة عاطفية جماعية أو فردية إلا بعد وقت طويل أسائل فيه هذه العاطفة بشكل متأنٍ وطويل، يحتاج مني الإيمان بحقيقية عاطفتي وقتًا طويلًا، والتضامنات المؤسسة على العاطفة لا تحتمل هذا الوقت الذي أستهلكه أنا في مساءلتها.. هذا ما جعلني أفوِّت فورات عاطفية كان عليَّ المرور بها في عمر معين، كالمراهقة مثلا، وتجريب لذة هذه الحماقات..
وربما فوَّتُ علي فكرة “الانتماء” إلى الجماعات: الاجتماعية أو السياسية، على حد سواء، لأنني أفتقر إلى حالة الهيجان الدرامي التي تؤسس لأي انتماء اجتماعي أو سياسي.
لكنني كنت أكتب قصائد درامية، وكنت أنظر لعواطفي الشخصية بحساسية مفرطة، ودرامية، لا أقبل الرفض وأتحاشاه، وأحمي نفسي من احتمالات الألم بتجنبها، أما الآن فإنني أعلم إن الحياة اوسع مني، وإنني جرم صغير، ولم يحتوِ العالم الأكبر، بل يعيش فيه فقط، وعليه أن يستحق الحياة فيه بالحياة فيه بالفعل.
دائما أشعر بوجود ربط عميق بين الإنسان الدرامي، الذي يسعى إلى رمسنة حمامة تقف على الشباك لتصبح على انفعال مع تجاربه الذاتية التي هي مركز الكون، وبين عدم الشعور الكافي بالمسؤولية تجاه الواقع، أو عدم وجود نية للتفاعل الحقيقي مع هذا الواقع ومساسه بشكل حقيقي، أول تماس حقيقي مع الواقع هو الإيمان المطلق بأنك مجرد “شخص” يعيش فيه، يلتقي بآخرين ويلتقي به آخرون، وتجربته مجرد تجربة، وهو مجرد إنسان ضمن ملايين؛ يحيا ويموت ثم لا يذكره أحد.
الدراما والرمسنة والشجن عوالم تخلق حلقة من الموت الفعلي لفكرة السعي لحل أي موقف صعب نواجهه، وتعطل الطرق التي قد تؤدي إلى حلول، مقابل استمرار تلك الحالة الدرامية..
أصبحت مؤخرًا أقول لنفسي: لا تتورطي مع أشخاص دراميين، سواء على مستواهم الشخصي أو السياسي، وبالمناسبة: الدراما السياسية أو التاريخية هي من اسوأ أنواع الدراما، لأنها تتراكم وتوُرث وتصبح تاريخًا مهولًا لا يمكن مجابهته، إنها دراما تجعل معتنقيها -أقول معتنقيها لأنها تصبح دينًا- يفضلون استمرارها بأي ثمن، على ان تنتهي، يعرفون أنها لن تنتهي طالما تتحرك بوقود درامي فعال، يحترق ويعيد إنتاج نفسه بأجيال وأجيال من الإنتاج اللغوي والشعبي، ويستمرون في حالة رمسنة عظيمة لكل خسارة، مقابل بقاء فعاليتها في التاريخ.
الأشخاص الدراميين لا يمكنني احتمالهم.. في الواقع ،قد يكونون شديدي الذكاء والجمال ومثاليين، لكن تورطهم الدرامي يجعلهم غير محتملين بالنسبة لي. وبالتاكيد لا أبدو محتملة بالنسبة لهم، إننا نقف في موقعين مختلفين تمامًا.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0