دين مختارات مقالات

هذا قولٌ لقومٍ يعقلون

هذا قولٌ لقومٍ يعقلون

بقلم/ أ. أسامة أبو نحل

نلفت الانتباه ومن باب الاجتهاد العلمي، إلى أن ما ورد في الآية الكريمة: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، لا يعني:

بأن القضاء على إفساد اليهود الثاني سيكون في آخر الزمان؛ أي قبيل نهاية العالم والبشرية كما يعتقد البعض خطًأ، وإنّما المقصود بوعد الآخِرة هنا هو موعد الإفساد الثاني لليهود.

أن القوم الذين قاموا بالقضاء على الإفساد الأول لليهود وهم الرومان في عام 135م حسب وجهة نظرنا، هم من سيقومون بالقضاء على الإفساد الثاني.

وعليه؛ فإن المقصود بقوله تعالى: (وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، أن المسلمين دون سواهم سيكونون أصحاب القضاء على الإفساد الثاني، وسوف يدخلون المسجد الأقصى كما دخلوه من قبل زمن الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب. وقد بدأت هذه المرحلة بالفعل، من خلال تمكّن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، والشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال منذ عام 1948، من إساءة وجه الكيان الصهيوني، و(مرمطة) مدنه الرئيسة كالقدس وتل أبيب وبئر السبع وعسقلان، الأمر الذي أصاب كبرياء هذا الكيان في مقتل لن يتعافى منه بإذن الله. وما ذهبنا إليه يؤكّده ما ورد عن الرسول الكريم؛ فقد قال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت بخط أبي، ثم روى بسنده إلى أبي أمامة قال: قال صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرّهم من خالفهم إلَّا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله. وهم كذلك”، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: “ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”.

وقد قال القاضي عيّاض: يحتمل أن تكون هذه الطائفة المنصورة مفرّقة بين أنواع المؤمنين (أي لا ينتمون لمذهبٍ إسلاميٍّ بعينه)؛ فمنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدّثون، ومنهم زهّاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين؛ بل قد يكونون متفرّقين في أقطار الأرض. وهذا يعني أن المسلمين الذين سيقضون على العلو الثاني لليهود لن يكونوا فقط من أهل السُنّة والجماعة، وإنما سيكون معهم مسلمين لا يتبعون مذهبهم، وهم كما نرى ما يسمّى اليوم بمحور المقاومة، بصرف النظر عن الخلافات المذهبية التي سوف تتنحّى جانبًا، ويلتحم المسلمون كجسدٍ واحد في ملحمةٍ قلّما شهدها العالم الإسلامي من قبل، ولا ننسى أن الدولة الحمدانية التي حكمت في شمالي العراق وسوريا وأجزاء من جنوب الأناضول، وهي ليست من أهل السُنّة والجماعة، كان لها دورٌ بارز في حماية الثغور الإسلامية في مواجهة الأخطار البيزنطية.

إن المسلمين اليوم على اختلاف أطيافهم المذهبية والسياسية، مطالبون بوضع خلافاتهم المذهبية جانبًا، ووأد المحاولات المشبوهة من بعض أتباع هذه المذاهب لتعميق الفجوة بين مذاهبهم، والالتزام بالحد الأدنى من التكاتف لمجابهة الخطر الصهيوني، والعمل سويةً في سبيل القضاء على العلو الثاني لليهود؛ فنحن كمسلمين يجب علينا أولًا وأخيرًا أن نتّبع إسلامًا بلا مذاهب كما قال المرحوم الدكتور محمود الشكعة؛ فالإسلام الذي نعرفه ونزل على رسولنا الكريم لم يدعو قط للفرقة المذهبية بين أتباعه. والله من وراء القصد.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0