أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

حكايات هانس كريستيان آندرسون

الحكايات الشعبية (2/4)

حكايات هانس كريستيان آندرسون

بقلم/ د. وسام الدين محمد
وإلى الشمال من ألمانيا، حيث الدانمارك، تلك المملكة الشمالية العريقة، يأتي هانس كريستيان آندرسون جامع ومؤلف الحكايات الشعبية الأكثر شهرة في الثقافة الغربية، بعد الأخوين جريم؛ وكان قد ولد في مدينه اودنسه عام 1805، وكان الطفل الوحيد لأب حرفي على قسط بسيط من التعليم وأم أمية تعمل غسالة للملابس، وفي طفولته قدم له والده ألف ليلة وليلة التي بهرت عقل الطفل الصغير وفتح له أبواب الخيال؛ تلقى آندرسون تعليمًا ابتدائيًا في صغره، ثم عمل خياطًا بعد وفاة والده لفترة، قبل أن يلحق بالمدرسة الثانوية بكفالة أحد المحسنين، وهي الفترة التي اعتبرها آندرسون الفترة الأكثر سوادًا في حياته، حيث كان يتعرض للعقاب البدني، كما منع من كتابة الشعر وقراءه ما يرغب فيه من الكتب؛ عمل بعدة وظائف بعدما غادر المدرسة، كما بدأ في نشر قصائده ومسرحياته، والتي لم تحقق نجاحًا كبيرًا، فغادر الدانمارك في رحلة زار فيها ألمانيا وسويسرا وإيطاليا واسبانيا، وعاد لينشر مذكراته عن هذه الرحلات في الصحف محققًا نجاحًا بسيطًا، ولكن نجاحه الكبير كان عند نشره أولى مجموعات قصصه المخصصة للأطفال والتي حملت عنوان (حكايات خيالية للأطفال)، ثم لحقها بالجزء الثاني منها والذي حمل عنوان (حكايات خيالية جديدة للأطفال).
بعكس الأخوين جريم، لم يكن آندرسون مدفوعًا في مشروعه لجمع الحكايات الشعبية الخيالية بمشروع قومي رومانسي، بل كان يحركه شغفه بهذه الحكايات التي كانت تقصها والدته عليه وهو طفلًا، وتلك التي قرأها في ألف ليلة وليلة، وقد سمحت له رحلته الأوروبية في التعرف على الكثير من الحكايات الشعبية المنتشرة في أرجاء أوروبا، فحكايات آندرسون لم تقتصر على الأدب الشعبي الدانماركي أو الشمالي، بل ضمت حكايات من مختلف الثقافات الأوروبية، بل ومن الثقافات الشرقية أيضًا؛ وعلى الرغم من هذا الشغف، إلا أن بدايات آندرسون الأدبية كانت بعيدة كل البعد عن حكايات الأطفال الشعبية، حتى طلب منه ابن عمه أن يكتب قصه لطفلته الصغيرة، فتحركت نفسه لكتابه ما توفر في خياله من قصص شعبية طفولية جمعها من أرجاء أوروبا، كما أضاف من مخيلته قصص أبدعها.
من الحكايات التي استلهمها آندرسون من الآداب الشعبية الشمالية قصة حورية البحر الصغيرة، والتي تحكي عن حورية تقع في حب أمير شاب أنقذته من الغرق، وتتنازل طوعًا عن صورتها كحورية بحر لتصبح بشرية على أمل أن تتزوج من الأمير، ولكنها في صورتها البشرية خرساء لا تستطيع أن تخبر الأمير بحبها ولا بحقيقة أنها أنقذته من الموت المحتم، ولكن الأمير يتزوج من أميرة المملكة المجاورة والتي يظنها من أنقذته، ويصبح على الحورية أن تقتل الأمير حتى تستعيد صورتها كحورية وصوتها، ولكنها تفضل الفناء على أن تقتل محبوبها، فتكون النتيجة أن تتحول إلى كائن خالد؛ وقد عالج آندرسون نهاية القصة المأسوية، إذ كانت تنتهي بفناء حورية البحر الصغيرة، ولكنه منحها فرصة النجاة حفاظًا على مشاعر قراءه والذين كان قد حددهم بداية بأنهم الأطفال.
ومن أهم الحكايات التي أدرجها آندرسون في حكاياته، قصة (ثياب جديدة للإمبراطور)، ويحكي فيها عن إمبراطور متكبر اشتهر بحب المظاهر والتي ينفق عليها من أموال الدولة، ويصل إلى عاصمة إمبراطوريته نصابين، يزعما أنهما يعملان بالحياكة، وأنهما قد أوتيا موهبة حياكة ثياب مذهلة لا يراها الأغبياء وغير الأكفاء، ويوافق الإمبراطور على أن يمنحهما ثروة في مقابل أن يصنعا لها تلك الثياب السحرية، وبالفعل يبدأ النصابان في حياكة الثياب، ويرتدي الإمبراطور هذه الثياب، والتي هي وهمية لا وجود لها، ولكن الإمبراطور يمدح الثياب حتى لا يكون غبيًا، وكذلك حاشيته تمدح الثياب لتفادي أن توصم بالغباء، ويخرج الإمبراطور في ثيابه الجديدة إلى العامة، والذين يمدحون كلهم ثياب الإمبراطور الجديدة، ما عدا طفل صغير يصيح «الإمبراطور يمشي عاريًا»، فيبدأ الناس يقولون أن الإمبراطور عاريًا؛ وقد استوحى آندرسون هذه القصة من اسبانيا، ويعتقد بعض الدارسين أن هذه القصة كانت شائعة بين يهود الأندلس بغرض السخرية من الحكم المستنصر الخليفة الأموي، بينما يعتقد البعض الآخر أن لها أصولًا هندية؛ وكعادته، غير آندرسون نهاية القصة، إذ كانت القصة الأصلية تنتهي بأن يخدع النصابان الإمبراطور والناس ويفران بالثروة، ولكن في نهاية آندرسون تظهر الحقيقة وينفضح غباء الإمبراطور ونفاق الحاشية بسبب طفل، ويرى بعض المؤرخين أن هذه النهاية بالذات استلهمها آندرسون من واقعة وقعت له صغيرًا، إذا كان يشاهد في طفولته بصحبة أمه ملك الدانمارك في موكبه، فصاح «إن هو إلا إنسان عادي»، وهو ما جلب عليه استياء المحيطين.
مثلت حكايات هانس كريستيان آندرسون مادة إلهام للعديد من المبدعين، فتحولت بعض قصصها إلى أعمال مسرحية وتلفزيونية وأفلام، ومن أشهر تلك الأفلام التي استوحيت أحداثها من قصص آندرسون فيلم الرسوم المتحركة (حورية البحر الصغيرة The little mermaid) والذي انتجته ديزني عام 1989؛ كما ترجمت حكاياته إلى ما يزيد عن مائة وخمسية لغة، منها اللغة العربية، إذ ترجمتها دُنى غالي وستيج جاسموسن عام 2006 وصدرت دار مدى الدمشقية بدعم من صندوق هانس كريستيان آندرسون في الدانمارك، وهي ترجمة رائعة في مجلد واحد، مع ترجمة وافية لهانس كريستيان آندرسون، ومقدمات أدبية ونقدية؛ كذلك ترجمت جينا غراب المجموعة الأولى من حكايته ونشرت عن مؤسسة هنداوي المصرية عام 2020، وكانت مكتبة الأسرة قد أصدرت ترجمة لحكايات آندرسون ترجمها عبد الحميد يونس عام 2005، كما أصدرت الدار المصرية اللبنانية عام 2014 ترجمة قام بها توفيق علي منصور لحكايات آندرسون، ولم أطلع على هاتين الترجمتين.
تقبلوا مودتي

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0