دين سياسة مختارات مقالات

فقه التغيير … قراءات سياسية في قصص القرآن

فقه التغيير … قراءات سياسية في قصص القرآن (يوتيوب)

الدكتور/ محمد المختار الشنقيطي

📍أعراض الداء، وملامح الدواء:

1/ أولاً: أعراض الداء:

1️⃣ العَرَض الأول: الفكرة (عَرَض فكري): ⬅️ (وثنيّة سياسيّة):

– تعريف الوثنيّة السياسيّة: (هي النظر إلى الحاكم بنوع من القُدسيّة تُخرجه من نطاق البشريّة جُزئيّاً أو كُليّاً).
– ظاهرة تقديس الحُكّام ليست جديدة في التاريخ البشري، بل عبادة الحُكّام موجودة في كثير من الحضارات القديمة حتى منتصف القرن العشرين كان اليابانيون يعبدون الملك (الإله).
– من أمثال الوثنيّة السياسية مدح المتنبّي لسيف الدولة بقوله:
يا من ألوذ به فيما أُؤمّله .. ومن أعوذ به مما أُحاذره.
لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره .. ولا يهيضون عظماً أنت جابره.
لو لم نعلم القائل والمقول فيه لظننا أن هذه الأبيات (ابتهالات) قيلت في جوف الليل.
– وقد أشار الشاعر محمد إقبال إلى هذا العَرَض -الوثنيّة السياسيّة- فقال:
نحتُ أصنام آزر .. صَنعةُ العاجز الذليلْ.
والذي يطلب العُلا .. حَسْبه صَنعة الخليلْ.
فصنعة آزر: نحت الأصنام، وصنعة الخليل: تحطيم الأصنام. ونحن مأمورون باتّباع ملة الخليل عليه السلام.
– (ثقافة الوثنيّة السياسيّة) تسرّبت إلى ثقافتنا من (الثقافة الساسانيّة)، ولهذا نجد في الأثر (السلطان ظلّ الله في الأرض)، فقد كان الصحابة -خصوصاً في فترة الخلافة الراشدة- لا يقبلون مثل هذه التعبيرات، فقد قال رجل لأبي بكر الصديق: (يا خليفة الله)، فقال الصديق: (لست بخليفة الله، أنا خليفة رسول الله، وأنا راضٍ بذلك).

2️⃣ العَرَض الثاني: البناء (عَرَض هيكلي): ⬅️ (هرميّة فرعونيّة):

وهذا العَرَض يوجد في كل نظام استبدادي.
– ففي رأس الهرم: رأس الدولة المُتألّه (فرعون).
– ثم النُخبة السياسية المُنتفعة (هامان).
– ثم المافيا المالية أو المال السياسي (قارون).
– ثم آلة القمع المادّي (الجنود).
– ثم آلة القمع المعنوي والروحي (السَحَرة).
– ثم القاعدة العريضة وهي (الشعب المظلوم).

3️⃣ العَرَض الثالث: الأداء (عَرَض صناعة القرار): ⬅️ (شورى السيف):

القيادة الفرديّة أثبتت فشلها.

2/ ثانياً: ملامح الدواء:

1️⃣ علاج العَرَض الأول -الوثنيّة السياسيّة-: وذلك ب(التوحيد السياسي):

الإسلام دين التوحيد ولا يرضى ب(الوثنيّة السياسية)، ولكن تسرّبت إلى ثقافتنا التاريخية ملامح من الوثنية السياسيةتأثُّراً بثقافات الأمم الأخرى التي تفاعلت معها الثقافة الإسلامية عبر القرون.

2️⃣ علاج العَرَض الثاني -الهرميّة الفرعونيّة-: وذلك ب(الأُفُقيّة النبويّة):

لا بد من تفعيل مشاركة الشعب لحاكمه ونُخبته السياسية ورقابتهم ومحاسبتهم.

3️⃣ علاج العَرَض الثالث -شورى السيف-: وذلك ب(شورى الجماعة):

لا بد أن تكون القيادة جماعيّة، وأن يكون شرط الوظيفة العامة: الأمانة والقوم، وأن يُفعّل هذا الشرط، ولا تجتمع هاتان الصفتان -القوة والأمانة- عادةً في شخص واحد، ولذا لا بد من القيادة الجماعية القائمة على (الشورى)، وحينها سنجد عند هذا أمانة وعند هذا قوة، وسيكون التكامل القيادي في قيادة البلد.
– جعل الإسلام (الشورى) في (بناء) السُّلطة، و (المُشاورة) في (بناء) السُّلطة، يعني أن السلطة من أولها إلى آخرها لا بد أن تكون جماعية.

📍 شروط التغيير:
– التغيير نوعان:
1️⃣ النوع الأول: التغيير من الأعلى: وأبرز مثال له (تولٍّي يوسف عليه السلام السُّلطة).
ويوسف عليه السلام لم يطلب السلطة إلا عندما كان مُؤهّلاً لها وتوفّرت فيه الشروط التالية:
١- الشرط الأول: عزة النفس: (ارجع إلى ربك فسأله) فرفض الخروج من السجن ب(عفو ملكي) وإنما يريد الخروج ب(إعادة الاعتبار) له وإرجاع الكرامة وإظهار براءته، وهذا أمر صعب وخاصة عندما يقضي الإنسان في السجن مدةً طويلة ك(سبع سنين)، حتى رسول الله غبط يوسف عليهما السلام على هذا فقال في البخاري: (نحن أولى بالشك من إبراهيم، ولو مكثتُ سبع سنين وأتاني الداعي لأجبت).
فالاحتكاك بالسُّلطة خطير جداً، ويحتاج الداعية أن يكون عزيز نفس، فقد تسعى لتغييرها فتُغيِّرك أنت بالإغراء وبالإغواء وبكل وسائل السلطة المعروفة.
٢- الشرط الثاني: الإيجابية: فأخذ يوسف عليه السلام زمام المبادرة وقال للملك (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)، فلا تنتظر رسول الله يأتيك كما أتى رسول الملك ليوسف عليه السلام في السجن، فإذا وجدتَ نفسك مُؤهّلاً وقادراً على التغيير فتوكّل على الله.
٣- الشرط الثالث: الكفاءة: فيوسف لم يطلب السلطة بدافع من الأنانية وإنما طلبها لمصلحة عامة، ولم يطلبها عفويّاً بل طلبها طلباً عقلانيّاً مُعلّاً فقال: (إني حفيظ عليم)، فلديه الكفاءة والخِبرة والقُدرة.

٤- الشرط الرابع: التجرُّد: أن تدخل السلطة لإصلاحها بنيّة مُتجرّدة لا بنيّة المصلحة الشخصية والذاتية، فيوسف عليه السلام أنقذ أمةً وثنيّة من الموت جوعاً ولم تقبل رسالته حتى مات عليه السلام، والدليل في سورة غافر على لسان موسى عليه السلام (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً)، فالأصل أن الداعية يُسهِم في الخير مهما كان ولمن كان -وإن كان كافراً- وإن لم يستجب له أحد.

2️⃣ النوع الثاني: التغيير من الأسفل (من قاع المجتمع): وأمثلة هذا النوع كثيرة وهو ما عليه أغلب الأنبياء، ولذلك نجد أغلب أتباع الأنبياء من الفقراء والمستضعفين، ولذا في البخاري في قصة سؤالات هرقل لأبي سفيان: هل أتباعه من الفقراء أم من الأغنياء؟ فقال أبو سفيان: عامة أتباعه من الفقراء، قال هرقل: وكذلك أتباع الأنبياء عامتهم من الفقراء. وفي جواب قوم نوح له (.قَالُوٓاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ ).

📍والمنهج الصحيح في التغيير ينبغي أن يجمع بين النوعين -التغيير من الأعلى والأسفل-؛ لأن الدعوة عامة للجميع، ولنا في هذا الجمع نموذجان:
١- موسى عليه السلام حيث بدأ دعوته بإقناع فرعون في أول الإسلام (هل لك إلى أن تزكى • وأهديك إلى ربك فتخشى)، فلما يئس من فرعون انتقل إلى المرحلة الثانية وهو دعوة بني إسرائيل.
٢- محمد صلى الله عليه وسلم حيث كان من أتباعه فقراء وعبيد، ولكن أيضاً كان من أتباعه من أعيان قريش كأبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ومصعب بن عمير وغيرهم.
ففي السعي إلى الخير ينبغي أن نطرق كافة الأبواب (باب السلطة)، و (باب النُّخبة)، و (باب المجتمع) وغيرهم، ونترك الباب مفتوحاً للجميع، والتوفيق من الله عز وجل.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0