أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

عن رواية دفاتر الوراق لـ جلال برجس

بقلم/ نجوى الجزائري

” من هنا ولدت شخصية الوراق المثقف أمام زمن باتت الثقافة فيه تتراجع لتحل محلها أنماط حياتية جديدة ، إن العالم يتغير بسرعة مرعبة لا يستطيع الإنسان العربي مجاراتها؛ لهذا نشأت كثير من الأزمات إحداها ما مني به بطل الرواية (إبراهيم الوراق).” الكاتب جلال برجس.

بعض الأعمال الأدبية تكمن أهميتها و عمقها و بالتالي قوتها و روعتها في أنها تجمع وجهين أو واقعين، أحدهما الوجه الواقعي الذي يحمل همّ المشاكل الإجتماعية المجتمعية (و السياسية أيضا ) و الآخر واقع شخصي يحمل همّ الفرد أي الذات البشرية ، مكونات هذه النفس ، مشاكلها، أحلامها ، طموحاتها، تطلعاتها و كذا إنكساراتها و خيباتها، لهذا تكمن أهمية هذه الأعمال و أيضا مدى براعة المتناوِل لهذه الأفكار .

صراحة ما حدث معي مع رواية دفاتر الوراق، منذ صفحاتها الأولى( بقدر كرهي) لها إلا أنني لم أستطع تركها، فهي من الروايات التي لن تستطيع الفكاك من مخالبها، نعم تماما تشعر معها أنك مجبر ، ملاحق ، متهم ، مربوط بشكل خاص و غامض بشخصياتها ، أو مطارد تريد الخلاص لكن هيهات أن تتركها أو تتركك، إلا بعد الانتهاء من قراءتها ، رغما عنك سترى نفسك في شخصية إبراهيم الوراق و تتوجس في أي لحظة أن ينتفخ بطنك ثم سيتسلل إليك البرد و الجوع و أنت ملقى تحت جسر في ليلة من ليالي عمان الماطرة و لن تتركك الكوابيس …كأني بمسخ كافكا يظهر للوجود !!

لكن في النهاية طبعا ستصل إلى فهم مراد الكاتب و تكتشف مفتاح أو لغز هذا التعلق الشديد بالرواية في كونها أخذتنا منا نحو العالم السفلي لقاع مدننا ، للحياة الأخرى و الوجه الآخر الذي نحاول جاهدين إرتداء نظارات سوداء تعمي و تحجب عن أعيننا الحقيقة (عندما سقطت قشرة الطلاء عرفت الحقيقة ) القشرة أو القشة التي سقطت على إبراهيم، هي نفسها القشرة السميكة التي على أعين الشعوب العربية ،لكنها (كما حدث مع إبراهيم ) لن تصمد طويلاً و ستقسم ظهر البعير ….
دفاتر الوراق هي الرواية التي لم يسعَ الكاتب إلى تجميل مشاهدها ، هي رواية الصدمة ،الحقيقة العارية دون تزييف أو بهرجة، هي الرواية التي تكابد نفسك في تكذيبها و تكذيب وقائعها و واقعها ، واقع الشعب المغلوب على أمره، واقع العربي الذي كره من ظلم الإقطاعي، واقع المثقف العربي الذي بدل أن يرتاد الجامعات فهو نزيل سجون ،واقع اليتيم و اللقيط في زمن الألقاب و الحسب و النسب المزور ، واقع المرأة التي بدل أن تكون سَكن و وطن تحتاج هي الأخرى الى بيت و وطن دافئ.

ربما ما لامسته في رواية جلال برجس هو نقطة إلتقاء أو مساحة مشتركة أو أقول طفرة أو نبوغ تجمع الكاتب بعملاق الأدب الروسي (دوستويفسكي) و تكمن في نظري نقطة الإلتقاء هذه في كونهما يتعاملان مع الإنسان باعتباره كائنًا ميتافيزيقيًا؛ تُعبر دوافعه عن اللاشعور أو اللاوعي والعقل الباطن ( حوارات داخلية فلسفية و أحيانا عنيفة)، يدخلان في ذاته العميقة و منطقته الرمادية، إنسان مشتت، عاجز، هش، يجمع بين العفة و الإجرام ، إنسان المتناقضات، لهذا نجد تعدد الشخوص في روايات الكاتبين تكسر طابع الروايات ذات الشخصية الوحيدة و البطل المطلق .

_ الرواية أيضا رحلة مجانية في أمهات الكتب و الروايات : شخصية كوازيمودو لفيكتور هيجو، سعيد مهران لنجيب محفوظ، ديوجين الذي عاش في برميل ، أبله دوستويفسكي.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0