قادة وأعلام مختارات مقالات

الذكرى الثامنة لرحيل الدكتور عبد الوهاب المسيري

بقلم/ أ. محمد أبو النور

قبل يومين حلت الذكرى الثامنة لرحيل الدكتور عبد الوهاب المسيري، ولأن كثيرا من الأصدقاء المقربين يعرفون كم كنت قريبا منه في الفترة الأخيرة من حياته الزاخرة بالسفر والمعرفة والعلم والفكر والترجمة والتنظير، فقد وجدت في صندوق رسائلي على حسابي بـ”فيسبوك” عددا كبيرا من الاستفسارات التي جاء أغلبها من نوعية: لماذا لم تكتب لنا شيئا عن المسيري؟ أو لماذا لم تحي ذكرى رحيل أستاذك؟

في حقيقة الأمر، كانت وفاة الدكتور عبد الوهاب المسيري واحدة من أكثر الأحداث حزنا وشجنا تلك التي مرت بحياتي على الإطلاق، ولأن المسيري ـ كما عرفته عن قرب ـ تجاوز فكرة المفكر أو المنظر أو السياسي أو الحكيم، وتعدى ذلك كله إلى كونه “ظاهرة” بكل معنى الكلمة في الحضارة المصرية المعاصرة، فقد رأيت أنه من أسخف السخف أن أكتفي بمجرد تدوينة عن مآثره أو أذكّر الناس بأنه رحل في مثل هذا اليوم.

على كل حال أنتهز دعوات الأصدقاء للحديث عن المسيري الذي رأيته ـ والذي لم أسمع أو أقرأ عنه ـ أي أن ما سيقال في هذه الأسطر يستند على عدد من الركائز الجوهرية وهي:

أولا: حديثي عنه كلام في علم التاريخ وليس في علم السياسة أو علم الصحافة.
ثانيا: ما سيقال ليس محاولة للحكم بل محاولة للفهم.
ثالثا: ما أدناه هو تجربتي الشخصية البحتة المتجردة معه.

(1)

في كل أوقات التاريخ، إذا أردت أن تفهم شيئا ما أو أن تحلل حدثا ما أو أن تتعرض بالنقد لشخص ما يجب أن تضع الشيء أو الحدث أو الشخص في سياقه العام، أي مجموعة المعطيات التي تحيط بالأمر وتتزامن مع ظهوره مثل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغير ذلك.

وحتى يتضح الأمر على نحو أدق، فقد كان أن ظهر المسيري وبزغ نجمه، في أوساط المثقفين والسياسيين، فحسب، في وقت كانت سلطة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ـ بالفعل ـ قد “شاخت في مواقعها” وكانت البلاد حبلى بأكبر عملية تغيير في تاريخها، وكانت الحياة السياسية بحاجة ملحة إلى رجل من نوع خاص، رجل موثوق من الجميع يدرك ما يدور في كواليس السياسية، وحكيم بما يكفي للحكم على الأمور بشكل دقيق، رجل يجمع بين ثقافة الغرب القائمة على الليبرالية التامة وبين الثقافة العربية الإسلامية القائمة على منهجية الإسلام كرسالة للإصلاح وليس كدين سماوي فحسب.

في أثناء ذلك كان أن خرج المسيري في مسيرة كبرى لحركة كفاية وتقدم الجموع مطالبا برحيل مبارك، وهو حدث غير مجرى الأمور تماما وبدأت معه مراكز صناعة الفكر في الغرب، وفي الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص تلتفت إلى أن الحركة الشعبية المناهضة لمبارك اكتسبت قوة دفع مهولة، بعد أن شارك فيها وقادها الرجل الذي قارب السبعين، والذي يتمتع بسمعة دولية لا يمكن تجاوزها والذي عمل دارسا ومدرسا في جامعات واشنطن دي سي ونيوجيرزي.

(2)

تزامن مع ظهور المسيري على الساحة طرح فيديو كليب “ليه بيداري كده” ذلك الذي أحدث صخبا وضجيجا لم يسبق له مثيل، قدمته الفتاة التي تخرجت في كلية حقوق جامعة بني سويف، والتي تعرف بـ”روبي” والتي كنت أعرفها بين عامي 2004 ـ 2005 بحكم عملي رئيسا لقسم التعليم بجريدة “أخبار بني سويف” الإقليمية، وكم كانت المفارقة رهيبة على نحو كامل، بين ظهور المسيري كملهم لحركة التغيير السياسية والاجتماعية وظهور روبي كـ(ملهمة) لحركة التغيير الأخلاقية.

وفي جلساتنا الخاصة كان الراحل العظيم، يتهكم على تلك المفارقة ويؤكد أنه بعد كل ما قدمه في حياته المفعمة بالعمل والبحث والدراسة والتعلم والتعليم، يعرف الناس روبي أكثر بكثير من معرفتهم له، وحتى إذا ظهر في برنامج يقدمه الراحل مجدي مهنا على فضائية دريم، يشاهده العشرات بينما إذا ظهرت روبي على “العجلة” في قناة ميلودي أو مزيكا يشاهدها الملايين فورا.

كان هذا التناقض الفج في الحضارة المصرية الراهنة يؤرق الرجل لدرجة جعلته بالفعل يكتب مقالا عن روبي، أعطاني نسخة منه قبل نشره، وكان المقال على حد ذاكرتي بعنوان “السياسة وروبي” وهو أحد توابع مقالته الأشهر “الفيديو كليب والجسد والعولمة” والتي نشرها في الأهرام، ومن المفارقات الأكثر غرابة أن أخبار روبي كانت تنشر بصورها “ديكوبيه” على نصف صفحة في الأهرام بينما كانت مقالاته تمنع من النشر (لأسباب سياسية) وأتذكر أنه قال لي ذات مرة ما منطوقه: “ببعت المقالات ينشروا واحدة آه وواحدة لأ”.

(3)

عندما أتذكر بداءة معرفتي بالمسيري استرجع عددا من الذكريات التي تدعو إلى الحيرة، وأتدبر معها ترتيبات الأقدار وتباديلها وتوافيقها ولوغاريتماتها، والحقيقة أنه الذي عرفني وتعرف علي، وليس العكس، ففي شتاء العام 2007 كانت نقابة الصحفيين ترسل عبر الفاكس لكل الصحف المعتمدة لديها نشرات بالندوات والصالونات الأدبية والفكرية التي تعقدها.

وقتها كنت محررا في أسبوعية “اليوم” التي يرأس تحريرها الكاتب الصحفي الأستاذ أحمد رفعت، وبطبيعة الحال كنت أحرص على حضور تلك الفعاليات، لكنني لم أنتبه إلى أن الطابق الرابع بنقابة الصحفيين سيحمل لي مفاجأة عظمى إلى هذا الحد.

ذهبت إلى النقابة وخطوت من المصعد فوجدت المسيري العظيم الذي أعرفه وأتابعه يجلس خارج القاعة قبيل محاضرته في أحد الصالونات الفكرية التى يعقدها مثقف مصري كان يعمل مترجما في الأمم المتحدة، ولما كان المجلس به نحو 6 مقاعد، كلها مشغولة إلا واحدا فقط؛ فجلست عليه، ومن حسن الحظ أن المقعد الخالي كان في مواجهة الرجل.

فجأة بينما يراجع رؤوس الموضوعات التي سيتحدث فيها من ورقة يطالعها، التفت إلي ـ وهو الذي لا يعرفني قبل ذلك ـ وقال للمحيطين: “مين الشاب الحلو ده؟!” وأتذكر أنني وقتها كنت أحرص على ألا أخرج من بيتي إلا مرتديا ملابسي الكاملة: بذلة بني قاتمة ـ قميص سماوي فاتح ـ رابطة عنق زرقاء زاهية، وعلى ما يبدو فقد لفتُ نظره من الوهلة الأولى، وظن أنني قريب أو ابن أحد أصدقائه وكلهم مفكرون وسفراء وسياسيون كبار، لكن أحدا لم يجبه، فالتفت إلي وسألني: “إنت مين يا جميل؟!” قلت: أنا فلان وعرفته بنفسي، وقبل أن يكمل كلامه كان أن جاءه النادل فطلب فنجانين من القهوة قال: “2 قهوة واحدة لي وواحدة للشاب الحليوة ده”.. قلت: شكرا يا دكتور. قال (مازحا): “القعدة هنا بالمشاريب”. قال لي النادل: قهوتك إيه؟ قلت: فرنساوي مضبوط، قال المسيري: “فرنساوي! رائع لكن أنا تركي، وده مؤشر مش كويس”، وكان الراحل خفيف الظل كما هو معروف.. وللذين يرتادون نقابة الصحفيين فقد كان سعر فنجان القهوة في هذا التوقيت “75 قرشا” لكن هذه القروش مثلت بالنسبة لي تحولا عظيما سوف تظهر آثاره بعد أسابيع قليلة من هذه الجلسة.

جاء النادل بالفنجانين، وبدأ المسيري ينشغل تماما في مراجعة ما سيقوله، وبعد قليل دخلنا جميعا إلى القاعة وتحدث بأفكار ما أزال محتفظا بها، حتى الآن، ملخصها أن دولة الاحتلال ليست سوى جيبا استيطانيا لن يكتب له البقاء، وضرب عددا من الأمثلة بجيوب مماثلة في أمريكا اللاتينية.

عندما حان وقت الأسئلة تقدمت بسؤال وقلت: هناك أخبار عن أنك مستهدف من الموساد على قائمة الاغتيالات السياسية بسبب مواقفك المناهضة لتل أبيب؟ فقال: “ما أعظم هذه النهاية لرجل مثلي.. أن يموت شهيدا بدلا من أن يموت على فراشه كالعامة، ليتهم يمنحوني هذا التكريم”. خرجنا من القاعة وطلبت منه حوارا خاصا، فأعطاني رقم هاتفه وقال: اتصل بي غدا.

(4)

لا أعرف كيف قضيت تلك الليلة منتظرا حلول الصباح بفارغ الصبر، لكن أعرف أنني اتصلت بالأستاذ عماد الأزرق، الصحفي بوكالة أنباء شينخوا، وطلبت منه أن يساعدني على طرح الموضوعات المناسبة لحوار مع رجل بحجم المسيري، وقد كان.

مع الساعة الحادية عشرة صباحا دق هاتفه حاملا رقمي، فرد شخصيا، ولما ذكّرته بنفسي، قال: “الشاب الحليوة؟!” قلت: أود أن أتشرف بحوار مع حضرتك، فرد سريعا: “النهاردة الساعة 5 في البيت عندي.. تعرف البيت؟” قلت: مع الأسف لا.. أعطاني العنوان وبخفة ظله التي كنت قد اعتدت عليها، قال: “الشارع إللي قبل نفق العروبة إوعى تنزل النفق لأنك لو نزلت النفق هتوه زي البلد ما هي تايهة”.

ذهبت إلى الموعد في الخامسة تماما، وفي منزله الرائع بمصر الجديدة رأيت ما لم أكن أتوقع.. خلية عمل من الباحثين الشبان وطابعات متطورة من طراز HP كانت غير منتشرة في مصر في تلك الأثناء وكتب ولوحات وتحف، كان الطقس أشبه بمكتبة إسبانية لفنان تشكيلي وليس لمفكر أو مثقف كبير.

دار الحوار في نحو ساعتين (مسجل على شريط كاسيت) وكان أكثر ما يشغلني ـ بشكل شخصي بحت كباحث في الشؤون الإيرانية ـ هو سؤاله عن حكايات ترجمته لكتاب الأستاذ هيكل The return of Ayatollah عودة آية الله، الذي صدر بالإنجليزية وترجمه الراحل بعنوان “مدافع آية الله” ونشر بالشروق، وأذكر أنه حدثني عن دقة الأستاذ هيكل وعلاقتهما الممتدة منذ السبيعنيات، وحكى لي أنه كان يزور هيكل كل أربعاء في مكتبه المطل على ضفة النيل الغربية بالدقي، ليراجع معه ما ترجمه أسبوعيا ـ وهو أستاذ الأدب الإنجليزي الذي لا يشق له غبار والذي درّس للأمريكان أنفسهم أدبهم في جامعاتهم ـ حتى خرج الكتاب على النحو الذي قرأناه جميعا.

(5)

رجعت إلى البيت وقضيت الليلة كلها أفرغ الحوار وأراجع المقالات التي طبعها لي والكتب التي أهدانيها، وكتبت الحوار في 25 ورقة دشت من القطع الكبير، وفي الصباح ذهبت إلى مقر الجريدة الذي يقع على بعد خطوات من منزلي بحي الهرم، ولما دخلت على الأستاذ أحمد رفعت مكتبه عرفت أن الجريدة قد تم الانتهاء منها بالكامل وأن العدد بصدد الذهاب إلى المطبعة.

ـ قلت: “أنا معايا حوار مع المسيري”.
ـ قال: “نعم.. المسيري؟!”.
ـ قلت: “أيوة”.
ـ قال: “فين؟!”.
ـ قلت: تفضل.

وبدأ يقرأ العناوين التي كانت صادمة له ـ ولي شخصيا ـ ومنها: “سأترشح للرئاسة وأواجه مبارك”. ثم بدأ يقرأ المقدمة والصفحات واحدة واحدة، حتى انتهى تماما من الخمس وعشرين ورقة، ثم قال: “فين التسجيل؟”.. أخرجت الكاسيت من حقيبتي وأعطيته الشريط وكان بجواره (على يمينه تحديدا) جهاز كاسيت وهو رجل يحب الاستماع إلى الراديو، واستمع إلى الحوار، وفجأة صرخ بأعلى صوته: “يا محمود.. تعالا حالا يا محمود”، وكان يقصد الأستاذ محمود خليل رئيس الديسك المركزي في الجريدة والذي يشغل حاليا منصبا تحريريا قياديا في جريدة الوطن وكان أحد كوادر برنامج معتز الدمرداش في قناة الحياة.

ـ “التالتة فيها إيه؟”
ـ تحقيقان.
ـ إلغي التحقيقين وخد الحوار ده صفحة كاملة، وطلعه مانشيت رئيسي بسرعة ووقف الطبع حالا، وإنت يا محمد روح على الكمبيوتر نزل الصور وسلمها لمحمد أمين (يقصد الزميل الأستاذ محمد أمين سكرتير التحرير ومخرج الجريدة).

(6)

نُشر الحوار واختار له الأستاذ محمود خليل أحد عباقرة الديسك في مصر عنوانا تاريخيا بمعنى الكلمة “المسيري في حوار 2008” وفي تمام الثامنة صباحا وجدت اتصالا كان أحد أهم مكالمات حياتي على الإطلاق، كان الهاتف يزف اسم الراحل ويزغرد له، ولما فتحت الخط؛ قال في كلمات معدودات مقتضبات: “الحوار ده من أحسن الحوارات إللي اتعملت معايا في حياتي.. تعالا النهاردة الساعة 6 عاوزك في حاجة مهمة” وأغلق الخط.

عندما ذهبت إليه فاجأني بأضخم عرض يمكن أن يعرض على شاب مثلي لا يتجاوز من العمر 23 عاما، لكني بادلته المفاجأة، ورددت بالرد الأكثر حماقة في حياتي.

العرض والرد في المقالة المقبلة بمشيئة الله.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0