أدب و تراث سياسة فكر مختارات مقالات

النظام العالمي الجديد بعد كورونا خلال مسلسل عدنان ولينا – ج 3

 

عدنان ولينا في زمن كورونا
“الجزء الثالث”

النظام العالمي الجديد بعد كورونا
“الوباء والنظام العالمي الجديد”

بقلم/ رزان السعافين – فلسطين

بعد التطرق للرمزية في المسلسل حول دورها في بلورة التشكيلات الجديدة للعالم الجديد فلا بد من عرض للعوامل والكيفية التي أدت إلى ذلك النظام العالمي الجديد. 

ذكر في رواية “المد الهائل” أن وباء يجتاح أرض الأمان ويقضي على 3 أرباع البشرية، وتبدأ محاولات الفرار للبحث عن ملاذ آمن من هذا الويل، وسينمائيا تبين أن كارثة حصلت قضت على البشر وأحدثت خللا في الشكل الجغرافي للأرض والقارات الخمس، ولم يتبقى سوى جزر صغيرة ولم ينجُ سوى البقية التي تبحث عن عالم جديد، ويحاول أن يسيطر عليها نظام جديد متشبث ببقايا القديم من الأفكار في توظيف ما هو تكنولوجي خارق للهيمنة، كما يوجد أناس ناجون كرواد النظام الجديد أيضا متشبثين بالأمل، رغم القديم من الأفكار والمتمثلة في الحالتين بمحاولة البقاء رغم أي شيء. يحاول النظام الجديد أن يجعل الناس يعيشون في طبقات وفقا للعمل لصالحهم، بمعنى أن الفرد قيمته بالعمل لينال أكبر قدر من الحرية، بطريقة برغماتية مستحدثة، وإذا ما تخلف الفرد عن القطيع أو الجماعة المنظمة فإنه سيتم تعذيبه أو اعتباره خارجا عن القواعد العامة، وقد يؤذي نفسه ويتحمل عواقب أفكاره أو اختياراته، وهذا يرمز لشخصيات عدنان وعبسي كرموز للثورة والتمرد ضد الطغيان والهيمنة والقولبة النمطية مقابل ما يسمى بالحرية تخت غطاء الاستبداد للشعوب.

ومن جهة أخرى محاولات الأنظمة الجديدة دوما هي الهيمنة تحت شعار السلام، لفرض قواعد ومعتقدات خاضعة لأيدولوجيات نابعة من تجذر أفكار مطبوعة في الأذهان من قبل أن يتم تطبيق النظام ذاته، ولربما الحاكمين في هذا النظام هم أحفاد هذا المعتقد والذي من المحتمل أن يكون أجدادهم افتعلوا هذا الأمر لهم بوباء لتدمير الأنظمة القديمة تمهيدا لهذا النظام الجديد، أو افتعال أسلحة من نوع جديد قد تتباين في هيئتها لكن غاية مبطنة لكل حقبة تاريخية.

وبغض النظر عن الوسيلة التي وصل بها هذا النظام إلى سطوته بعد هذه الحرب، فإن من سنة الشعوب إذا ما سيطر حاكم فله مناهض مواز له على التوالي، وإن حكاية السيطرة الكاملة سيبقى حلم يدور في فلك المهيمنين مهما طال بهم الزمان، لهذا من المحتمل أن تتعدد الأقطاب العالمية في شراكة سلمية حتى لو كانت شكلية ليحافظ كل نظام على هيمنته في اقتسام كعكة العالم أو ربما ينتهي الشرق الأوسط بأوسط جديد بعد هذا الوباء الحقيقي المسمى ب “كورونا”، ويكون السلاح البيولوجي الفكرة المثمرة لمطامح الولايات المتحدة، أو المدمرة لها خاصة في مساعيها بالهيمنة السلمية لتحالفاتها الإقليمية للحفاظ على سيادة القارة الأمريكية في نهب ثروات الشرق بعد التمكين الحقيقي لإسرائيل في أراضيها، وهذه الرأسمالية الجشعة لن تطول إلا أن تحدها اشتراكية تلعب على وتر آخر في سميفونية فريدة من نوعها، لا تلغي دور الولايات المتحدة ولا تسيطر عليها، بل بالتوازي في جوقة تعزف للكوكب لحنا جديدا من صنعها دون أن تحدث نشازا يلفت الأنظار، لكن في اللحظة التي تنشز بها الاشتراكية دون أن تتناغم مع فكرة تعدد الأقطاب، فلنعلم أن حربا أشد فتكا من البيولوجية ستفتك بنا جميعا، وربما تدخل بها كوريا وروسيا لإنهاء معالم البشرية الحالية نحو عالم جديد، وتبقى فكرة أرض الأمل، بين خواطر الحنين لمن تهجروا وتدمرت بلدانهم، وبين الحلم الأكبر لمن يقصدون النجاة والخلاص الجماعي كأفراد أو جماعات متناغمة تود السلام المتفرد في الخلاص من المهيمنين، سلام بمعناه الفطري في إخاء العالم ووحدويته دون تعدد مسيطر على مقدرات الشعوب ودون جهة عليا تدمر البشرية أكثر وبشكل أعقد.

وما أود التنويه إليه حقيقة، أن اللعب على حواس الإنسان وإحساسه تجاه قلق معيشته هو رغبة المشعلين لنار الحروب أيا كان نوعها، الإنسان هو الضحية أينما كان، وهو الوسيلة والأداة لتحريك أنظمة وانهيار أخرى، والمبصر أو الناجي، هو المدرك تماما أن لا خلاصا سوى أن يعيش لحظته في إلزام الذات في قانون التفرد، وليس برمجتها وفقا لأهواء الأنظمة، وهذا الأمر الذي ندعو إليه نادر الحدوث، يعني أيها الإنسان، قصة نهاية العالم وأدب القيامة موجود في كل الحقب التاريخية، وان انتهى العالم الذي يتحدث به الكثير إعلاميا، فهو ليس نهاية الكوكب، بل بداية عالم جديد بنظام آخر نتوقعه أو لا نتوقعه، والبشر المواطنون في كل مكان هم الضحايا والوقود الجديد لأي نظام جديد.

فعلينا أن نبصر بألا نكون ضحية التهويل الكبير، فما يحدث لا ننكر ضرره ولا حجم تهويله، لكن علينا أن نلتزم ذواتنا، فمن كان رساما عليه أن ينتج آلاف اللوحات رغم مصاب العالم، ومن كان كاتبا عليه أن يستمر بإنتاج المزيد في تدوين هذه الحقبة وتوثيقها، ومن كان مُعلما عليه أن يستمر في مهنته لتنوير الأجيال، ومن كان سياسيا عليه أن أيضا أن يستمر في توجيه الجماهير بأداته السياسية عبر القلم أو الإعلام أو الفن أو أيا كان، ومن كان مزارعا عليه أن يستخدم ثمره في إطار خدمة الناس دون تأطير نظامي في اللعبة الاقتصادية العالمية، وهذه مجرد أمثلة لكل منا عليه خلق نظام جديد في ذاته بغض النظر عن الأنظمة المستجدة والمستبدة والقاصمة لأظهر البشر، والقاسمة لذواتهم بل ولعلاقاتهم مع بعضهم بعضا في الاختلاف والخلاف الفكري الموجه شكلا وضمنا.

هنا لا أدعو بفكرتي لخلق نظام ذاتي ضعيف معتمد على فكرة كمن يحن للماضي أو لفكرة الأمل فقط دون عمل في ربوع الطبيعة غير متفاعل مع ما يحدث من قوى الكوكب كما في شخصية “لينا” المتمثلة في فتاة السلام والمتعايشة مع الطبيعة، التي تم اختطافها أو احتلالها كرمز لابتزاز قوى مهيمنة أخرى من العلم كالدكتور رامي، ولاستفزاز قوى من متمردين أو متحالفين يظهرون كمدافعين مثل شخصية “عدنان”. ولا أدعو للخلاص الفردي الذي لجأ إليه رومانتيكيو أوروبا هروبا من الويلات والمآسي التي عصفت في العالم بعد الحرب العالمية، واعتبار الطبيعة هي الملاذ الآمن وقد تجسدت قصص عالمية كـ “طرزان” و “ماوكلي” لوصف فكرة الأمر بأصل الإنسان وماهيته وما يجب أن يكون. فحالة التوجهات والتناقضات الحاصلة في العالم ما هي إلا نتاج مأساة، والخلاص من المآسي بما يراه الباحثون عن الأمان ملاذا.

لا ننظر هنا أن الطبيعة هي الأصل، لكنها ليست الأساس، أصل الشيء بدايته وجوهره، لكن الأساس هو السعي نحو التقدم دون إضرار أو إسفاف بمقدرات هذه الطبيعة، وفي ذلك حديث يطول على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وبالرغم من أن “عدنان” أو “كونان” حسب الرواية، وكذلك الدكتور “رامي” أو “تيتشر”، كرموز الحق والخير والسلام في مقاومة الوباء النظامي الجديد الذي يسعى لاستخدام قوة العلم من النظام القديم الذي دمر معالم الكرة الأرضية في التدمير والهيمنة من جديد، إيمانا منهم بأن الخير بالسيطرة على العشوائيين والمتمردين وجعلهم يسيرون وفق نظام منهجي ممنهج. فلا بد أن نلاحظ فكرة السعي للحق مستمرة، لكن الخير كمفهوم سيختلف بين الايدولوجيتين، فالنظام الجديد لا زال نمطيا يريد أن يحكم بنفس منهجية الماضي لكن بقيم جديدة، باعتبار أن نشر الخير على ذات الطريقة مع اختلاف الأجيال أو الأفراد، وهو حل لمحاربة المتمردين أو الخارجين عن الصف أو النمط، فكل فرد في الدولة أو تحت النظام هو محكوم بقوانين هذا النظام بدءا بروتين الحياة اليومية من معاش، انتهاء بفكره الذي يجب أن يتم تسخيره لصالح القانون العام، وإن تمرد كعدنان أو اختفى كالجد رامي، فإنه محور التهذيب من خلال التعذيب حتى يصبح فردا مُقولبا داخل النظام، ليخدمه وفقا لتنميطه لصالحهم بغض النظر عن الحرية أو السلام أو الإخاء أو الحق من مفاهيم ماضية.

وبنفس الوقت يعتبر المتمرد أو المختفي خوفا أنه الخير السائد حماية للذات وللأجيال بشمولية أكثر اتساعا من فكرة الجانب التنظيمي أو النظامي المستعبد والمستعمر، نحو خلاص جماعي مليء بالحرية والشمولية.

فلا خيرا مطلقا، ولا شرا مطلقا، نفيا لجنس الشيء وحقيقته التي يجب أن ندركها جميعا بالتجرد، والقناعة التامة أن على الإنسان التحرر إما بالتمرد أو الاختفاء أو التعايش لكن بأسلوب المتحرر الساعي لأجل البشرية جمعاء.

هذا إضافة إلى عدم جعل الخوف المستخدم تطويعا لإرهاب نفوس الأجيال في نهاية العالم، هو الشاغر المسيطر على النفوس الطامحة للبقاء رغم أي شيء كان ويكون وسيكون قادما.

لقراءة الجزء الثاني: اضغط هنا 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0