أدب و تراث سياسة فكر مختارات مقالات

الحداثة السياسية بعد كورونا في عدنان ولينا

الجزء الثاني:

الحداثة السياسية بعد كورونا في “مغامرات عدنان”

 

بقلم/ رزان السعافين – فلسطين

الرمزية في شخصيات المسلسل

بعد عرض تحليلي حول أدب نهاية العالم وتجسيد ذلك في الكارثة العالمية وتدمير معظم موارد الكوكب في الجزء الأول، نستأنف هنا الأمر في الحداثة الرمزية في الأنظمة السياسية من خلال المواقف والأشخاص بما يدور في أحداث مسلسل “مغامرات عدنان”.

يمثل دور البطل عدنان محور المسلسل وأحداثه التي تبدأ عندما كان عمره 10 سنوات، بعدما نجا وحيدا مع جده، زميل والديه، من حادثة تحطم السفينة الفضائية التي حاولت الفرار للفضاء بعدما تدمر العالم، وبعد غيبوبة استيقظ ليرى أول فتاة في العالم، ليطمئن حينها أن هناك سكان يعيشون على وجه البسيطة، حيث كانت لينا المحرك الأول لمغامرات عدنان ومعرفته أنها الأثر الأرضي للبشرية، فيتحمل المصاعب من أجل إنقاذ الإنسانية وبقاء الخير، حاملا رسالة السعي الإنساني مادام البقاء على الأرض، وأن الإنسان يستمر في عيشه في محور الغريزة البقائية حتى لو نجا وحيدا باحثا عن الأنسة والألفة البشرية بشكل عفوي صريح. 

تعيش لينا الأحداث في مغامرات عدنان لتجسد وداعة الإنسان الحقيقي الذي ينسجم مع الأمن والسلام في ربوع الطبيعة، وأن هذه الطبيعة هي أساس صفاء الإنسان، ولولاها لما كانت قوى الشر تحاول تدميرها.

فالروائي هنا يحاول إيضاح بيئة المكان وأثره في شخصية الفرد، وكانت لينا “حواء” ابنة الطبيعة الخضراء تتناغم مع كل أركانها الخلابة، وكانت هي مرونة المغامرات مع عدنان هي محور الأحداث في كل الرواية.

فعدنان رمز للإنسان البدائي المفطور على الخير والساعي في أرض الله باحثا عن الخير المطلق، ولينا ابنة الطبيعة والتجارب المصاحبة بالحواس والإحساس، حيث لحظة التقائهما لأول مرة قد حدثته عن أرض الأمل والخيرات التي بها، وسنذكر لاحقا كيف كانت هذه الأرض وفكرتها الرمزية محل طمع المستعمرين بقيادة “علام”، وأن بقاع الخير هي محور اهتمام الأشرار للسيطرة والتدمير في التاريخ والجغرافيا استراتيجيا. 

فرغم الصفاء والنقاء الذي يعيش داخل لينا وتعيش به أيضا، إلا أنها تعرضت للمكر والشر، وكانت رمز الأطماع حينما خطفها الجنود لابتزاز جدها الذي يملك أسرار الطاقة الشمسية، وهو الناجي الوحيد بعد الحرب في جيل الأجداد ومعه لغز العلم، ويحاول الجيل الجديد الذي قدم التضييق عليه إلى أبعد الحدود، للقضاء على ما تبقى من العالم، وهذا يشير أن صراع الخير والشر هو سنة كونية من جهة، وأن التاريخ يعيد نفسه في المضمون بغض النظر عن الهيئة، وهذا تجسد بعدم اتعاظ هيئة القلعة من نتائج الحرب العالمية الثالثة، وهذه الهيئة المتمثلة في شخصية “علام” والعلماء الساعين لتطويع العلم في الشر والفساد والسيطرة، محاولين بشتى طرق الفساد وأساليبه للبحث عنه واستغلاله لأنانيتهم العليا “الايقويزم – الأنا العالية”. 

وتمثل ذلك بمواقف كثيرة أبرزها محور البحث عن لينا بالطائرة من قبل هيئة القلعة في أرجاء الجزيرة بعد أن رمت بها الأمواج نحو الجزيرة الناجية من الحرب، بعدما كانت مع أسرتها تحيا في أرض الأمل. 

وأيضا حينما اختطفوها لابتزاز جدها العالم والمعلم، العالم بسر السيطرة وسلاحه لكن رافضا نقله للأجيال الجديدة لأنه تدمير للعالم بدل النهضة به، والمعلم الأمثل لعدنان ولينا “الجيل الجديد” لنشر السلام وتدريبهم على أن الطبيعة هي الأساس، ولم يحرمهما من الاطلاع على تقنيات العلم، حينما كان يجعلهما يعيشان بعالم آخر داخل القلعة وفقا لتقنية “الهولوغرام”؛ والتي تشبه تقريبا تقنية الصورة ثلاثية الأبعاد والعيش فيها افتراضيا في عصرنا اليوم، كما يحدث في التكنولوجيا الحديثة، وكان يعلمهما دوما أن الطبيعة هي الأساس بقوله: “التقنية مهما تطورت فإنها تظل عاجزة عن توفير بديل للحياة تحت ضوء الشمس”.

وإن الدكتور رامي، جد لينا، المعلم والواعي وصاحب التجارب المؤلمة والذي عاصر جيلين ويسعى لنشر رسالة السلام من خلال أحفاده، متمنيا أن يعيش الجيل الجديد بواقع أفضل من حياة الأجداد المليئة بالويلات والحروب، ويسعى بكل جهد وإصرار وحرص بألا يبيع ضميره ولا تضعف بصيرته، ولا تنكسر إرادته من أجل تحقيق هذه الرسالة وزرعها في عدنان ولينا، رغم تعرضه للتعذيب والسجن من الأشرار الطامعين، حيث في كل زمان يظهر من لا يقدر قيمة العلم والعلماء، ويطوعون ذلك لأهداف خبيثة، وإن لم يكن العلم مسخرا وفقا لمساعيهم قضوا على من يملكه؛ لأن الأصل بالنسبة لديهم السيطرة والاستيلاء، وكان الدكتور رامي بيده مفتاح الوصول إلى القمر الصناعي الذي يعمل على تشغيل الطاقة الشمسية في جهاز مرتبط بها داخل القلعة، والتي هي عبارة عن ثلاث ناطحات سحاب تقبع في جزيرة صحراوية، يشرف عليها ويديرها مجموعة من العلماء بقيادة “علام”.

يعتبر علام هو النظام العالمي المسيطر آنذاك، الذي يعلم مكامن القوة في عصر الحداثة والمتمثلة في العلم، ولعل اسم الشخصية مستمدة من الهدف الساعي إليه، رغم أن العلم لديه ليس مسخرا من أجل السلام، بل للاستعمار والدمار.

يسعى “علام” برغبته للسيطرة على ما تبقى في العالم، هو ونفوذه من رجالات القلعة، ويتمحور رمز طمعهم في احتلال “أرض الأمل”، واستنزاف ثرواتها لكنهم يُهزمون وينتصر الخير الباقي على الشر بعد هذه الحرب الثالثة والغريبة من نوعها. 

وتبرز شخصية فريدة في الأحداث ورئيسية وهي الدكتورة سميرة، والعاملة في فرقة استكشاف لمصلحة النظام الجديد البائد، وكانت ترسم الخرائط لصالح الفريق، وتقضي سنوات في وحل شرورها، وإذ ينتهي بها الأمر لتتخلى عن علام ومساعيه في الشر، وتنضم إلى أرض الأمل، وتحن للطبيعة، أصل الإنسان، ولا يهون عليها تنفيذ رؤى الشر على أرض مليئة بالمحبة والسلام، وتتزوج أخيرا القبطان “نامق”، والذي كان أيضا يعمل معها في القلعة ويتحول من كائن فاعل للشر إلى مدافع عن الخير، حيث ينقذ الطفلة لينا بعد أسرها من قبل الجنود، وينضم إلى فريق عدنان ويكمل مغامراته معه ومع الصديق “عبسي”، ويعتبر نامق رمز دول المحور التي تتحالف لأجل الخير في لحظة إن عرفت أن مصالح السلام في التصالح مع الساعين لإحياء الطبيعة. بعد أن كان عميلا استخباراتيا لمصلحة هذا النظام الجديد الناجم بعد الحرب العالمية الثالثة.

وعليه يعتبر انضمام سميرة إلى صراع الخير كمن يتوب عن ذنوبه لحظة هداية جعلت عدنان بذاته يسامحها مع نامق رغم قتلهما جده، وهنا تتجسد قيمة خلقية رفيعة، بأن من أصلح بصدق، نعفو عما سلف منه؛ لأن أهداف الحياة وإعمار الدنيا أسمى من الوقوف على محطات لا تستحق العراك إذا ما شكلت التحالفات رؤية نحو السلام الحقيقي.

وهذا مبدأ القوانين الدولية لو تبصرنا قليلا والتي لا تنادي بها الأقطاب الدولية الحاكمة إلا وفق مصالحها وتقلب أهوائها في قوالب عالمية غير عادلة بين دول الأرض، وهذا كما يحدث بين علام ومواطني دولته أو الذين يعيشون في الجزر الأخرى الناجية، في محاولات تكبره واستعباده وفقا للتمييز والعنصرية حسب المواطنة ودرجة العلم والوضع الاقتصادي، وهذا أسوأ ما ورثه عن الأجداد حقيقة الذين عاشوا الحربين العالميتين السابقتين في نفوس من بأمثاله، والذين هم بنفس الشاكلة كرموز الدمار في الأرض عبر الأجيال. 

أما باقي الشخصيات المحورية فأدوارها مكملة ونابضة بالأحداث الزاخرة للشخصيات الأساسية في أحداث عرض المسلسل، كما الرواية. 

التنكر في سبيل النجاة 

من المعلوم ضمنا أن الساعي لمقاومة صراع الشر، إذا كان متمكنا بشكل عالمي أكثر في مناهضة الأشرار الأكثر قوة منه في الإمكانيات أو الموارد سواء ملكوها أم لا، فهم لديهم قوة ظاهرة في الشر في حب التملك والسيطرة والمساعي حول الكشف عن بواطن القوة داخل من يناهضهم من أجل السيطرة عليه وعلى ما يمتلك من قوة لتطويعها لصالح مطامعهم.

كما هو الحال بالضبط في استقطاب العلماء وتطويعهم لصالح الولايات المتحدة بما يمتلكون من قوة العلم، ومنهم من يسلم أمره لأجل سلامته، ومنهم من يخفي نفسه خوفا على بيع ضميره أمام طمع وجأش الأشرار، حيث رفض تطويع القوة لأجل الشر وظلم الآخرين. 

في مسلسل “مغامرات عدنان”، بقي جد لينا، الدكتور رامي متنكرا بشكله ولا أحدا يعرف في أركان القلعة أنه من يملك مفاتيح القوة، لقد كان يعمل كمواطن عادي من أجل رزقه فقط، وكان الوحيد الذي لديه القدرة على صناعة القوارب في المدينة الصناعية، وكان معتمدا عليه بشكل كبير.

وبعد أن مضى على تواجد عدنان 5 سنوات وحيدا في الجزيرة بعد أن فاق من غيبوبة نجاته بعد الحرب، كان نصيبه القدري أن يتم اعتقاله من قبل  النظام الجديد وترحيله إلى القلعة ليكون ضمن العمال الكادحين الخادمين لمصلحة الدولة والنظام بشكل استعبادي، لكن من بين هؤلاء الكادحين الفتى المتمرد عدنان والمنقلب عن النظام، ويتعرض لعقوبات شديدة، في سبيل الحق والسلام. 

التقى عدنان بالكادح الآخر، الدكتور رامي الذي يخفي هيئته عن جنود الدولة تخوفا من اعتقاله أو تعذيبه وسلب ما لديه من قوة علم بقيت من قبل الحرب، وإعادة استخدامها في السيطرة الجديدة للنظام العالمي الجديد. 

وجب التنويه هنا، أن رسائل الشر مهما تبطنت لكن شرارتها في السيطرة أكثر جهرا من رسائل الخير، فالجد رامي، كان كفاحه وهدفه بالحفاظ على أبناء الجيل الجديد من الشر المتوارث من الأسياد القدامى والذي لا يزال يحمله بعض ورثتهم من أصحاب الطباع النمطية.

وهذا يتضح مثالا في عهد الأنبياء في رسالاتهم، حيث عملوا سرا في نشر الخير ودفع الناس إلى أحسن ما يمكن، وبعد التمكين ظهروا أسيادا رغم بطش اي معتدي، وتتضح مواقف هذا المعلم من خلال تعامله الواضح مع أحفاده، فقد قال في أحد أيامه لعدنان: “ستبقى وحيدا بعد موتي، ولكن لا يمكن للإنسان أن يعيش بمفرده” .. وأيضا: “ابحث عن لينا، ابحث عن أصدقاء وعش من أجلهم”. 

وهذه دعوة للاستمرار في الحياة كإنسان يعيش من أجل الإنسان، حيث تجانس الإنسانية وانسجامها كالطبيعة في النقاء لعمارة الأرض هو الهدف الأسمى نحو البقاء.

وأن البحث عن الأخيار لأجل السعادة الدنيوية أمر يستحق العناء؛ فإنقاذ لينا المخطوفة ابتزازا كان هدفا وغاية رمزية ورسالة للناس أينما كانوا بالحفاظ على بعضهم بعضا والتضحية والفداء لأجل الأحبة، بعيدا عن “الأنا” التي خلفتها الحاجات المادية في العوالم المتناقضة والمسيطرة في مختلف الأنظمة.

يتبع الجزء الثالث

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0