أدب و تراث سياسة فكر مختارات مقالات

عدنان ولينا في زمن كورونا – الجزء 1

أبطال الكارتون في التسعينات نراهم بعد عام 2020
عدنان ولينا في زمن كورونا

“الجزء الأول”

بقلم/ رزان السعافين – فلسطين

 

نهاية العالم بعد الجائحة متمثلة في “عدنان ولينا”

لعل طفولتنا وما ترسخ في أذهاننا منذ ريعانها، لم يكن شيئا سهلا، فكله ممهنج ومدروس ويحمل رؤى عن واقع كان خياليا؛ نراه الآن واقعا نعيشه في القرن الواحد والعشرين وخاصة في 2020م.

كثير من التساؤلات التي جالت في خواطرنا حول ما يحدث في العالم أو ما سيحدث في المستقبل خاصة بعد عام 2000م، والذي كان رقما غريبا مليئا بالرهبة وهذا لا يدركه سوى جيل الثمانينات وأوائل التسعينات في أوائل طفولتهم.

لكن العديد من التغيرات العالمية السريعة والكثيفة حدثت تلقائيا حتى أن الزمن أسرع مما نتوقع لزخامة الأحداث الدولية الطارئة في مختلف مناحي الحياة، وعلى رأسها السياسية والاجتماعية.

ولعل الحداثة الرمزية في الأدب الروائي والذي يعد أحد الضروب الفنية التي تحاكي الوقائع السياسية، قد جسدت حقيقة التصورات التي تنبأ بها الروائيون، وحولها إلى أعمال إنتاجية الذين آمنوا برؤاهم ومغزى خيالاتهم المبنية على إحساس دفين بالتنبؤ بالمستقبل واستشرافه بناء على حاضر، هو ماضي بالنسبة لنا الآن.

حول عدنان ولينا

من منا لم يحضر المسلسل الكارتوني الشهير في الوطن العربي بـ “عدنان ولينا”، حينما تتفتح عينا عدنان على دنيا جديدة وعالم جديد بعد حرب عالمية ثالثة، لا تتمناها الأجيال البتة؛ لأن تاريخ الحربين الأولى والثانية أزهقت أرواحا وأتعبت نفوسا نكاد حتى هذه اللحظة نتألم بشأن ما حدث للعالم، رغم توثيق الأدب العالمي، وأباطرة الفن للحربين، إلا أن الحرب الثالثة التي لم تأتِ حقيقة بعد بشكل حربي عسكري، لكنها أخذت حيزا من الغزو الفني في عقول جيل الألفية. 

ولربما وباء كورونا هو الحرب الصامتة أو “الحرب البيضاء” بلا ضجيج عسكري تتغلغل في جسد العالم لتقضي عليه، وفقا للرواية المأخوذة عنها فكرة المسلسل.

ويعود الاسم الحقيقي للمسلسل باللغة “اليابانية الرومدزية” بـ “كونان فتى المستقبل”، أما المسلسل المدبلج بالعربية اسمه “مغامرات عدنان”، واسم الشهرة له “عدنان ولينا” نسبة لاسم البطلين الرئيسيين. 

عدنان الذي ترتكز مغامراته حول إنقاذ لينا من أصحاب القلعة معتمدا على قدميه في العراك بأسلوب بدائي، وتكون لينا أول فتاة يراها هذا البطل في حياته وهي من أرض الأمل، حيث قذفتها الأمواج في حادثة إلى الجزيرة المفقودة، وكانا يعرفان بعضهما البعض قبل حدوث الحرب في طفولتهما الأولى، وقد اجتمعا من جديد في رحلة الإصرار للعيش بأمان وسلام بعد الكارثة العالمية.

قامت أحداث هذا المسلسل في الثمانينات من القرن الماضي بإخراج “هاياو ميازاكي”، وقيل أيضا إنها مقتبسة عن قصة “المد الهائل” عام 1970م بقلم الأمريكي ألكسندر كي، وتدور حول أحداث حرب عالمية ثالثة بدون أسلحة نووية، بل مغناطيسية عملت على تفتيت القارات الخمس وإغراقها.

وقامت بدبلجتها للعربية مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربية عام 1981م وعرضت على العديد من القنوات الفضائية.

وتعتبر أحداث وشخصيات المسلسل الرمزية محاكاة لواقع يحدث في القرن 21م من تحولات دولية على مختلف الأصعدة ورأسها السياسية.

أدب نهاية العالم

تنتمي هذه الحكاية الأدبية تحت أدب ما يسمى “أدب نهاية العالم” أو “أدب القيامة”، والحكايات التي تتناول هذا الضرب الأدبي تتنوع بين الأحداث الخارقة أو غزو الفضاء أو أوبئة تهدد البشرية وتقضي عليها في التاريخ، ويبقى البشر يلقون حتفهم ويتمسكون بالنجاة حتى تنتهي بهم السبل لتنتهي الحياة على الكوكب.

ومن هذه محور حديثنا الأمراض الفتاكة بسبب الانفلونزا أو انتشار أمراض معروفة أو مجهولة المصدر وتتفشى بشكل كبير يصعب السيطرة عليه بسبب ميكروبات أو جراثيم من أمراض معينة أو متحورة، سواء انتشرت بشكل خاطئ أو قصدي.

ولعل الأدب العالمي مليء من هذا اللون الأدبي، لكن تناولنا قصة “مغامرات عدنان” كونها من أكثر الأعمال شهرة وجدلا بين الأجيال المختلفة حتى هذه اللحظة، وكونها تحولت إلى عمل مرئي تم دبلجته إلى لغات عدة ومنها العربية.

وهناك اختلاف طفيف بين الرواية المكتوبة، والسيناريو المعد للمسلسل، لكن عرض الأحداث متقارب، فالكاتب حر في عرضه كما المخرج إذا ما اقتبس الفكرة عن نص مكتوب، وكما نعلم طبيعة الفن هو الترجمة التطبيقية للأدب في كل أنواعه نثرا وشعرا. 

وعليه لن نختلف في عرضنا عن الكيفية التي انتهى بها الوجود البشري بين الرواية والمسلسل، سواء كان وباءً أو أسلحة مغناطيسية؛ لأن هذا العرض التحليلي يحاول جاهدا ربط الأحداث بمغزاها بما يحدث الآن حقيقة في العالم، وعمل مقاربة ما، مع العلم أن وفقا لتوجهات كثيرة أن الوباء هو أشبه بحكاية كورونا الفتاك، والأسلحة المغناطيسية التي بطبيعتها تقضي على التكنولوجيا والعالم الرقمي أشبه بحكايات تهديد كوريا للعالم الرأسمالي المسيطر إذا ما تجاوز حدوده في مناهضة الاشتراكية في حكم العالم اقتصاديا، لأجل السيطرة والبقاء، فتحارب القوى هو منهج مستمر إما لتسيطر فئة على أخرى، مقابل إهلاك طرف الآخر، أو البحث عن تشارك عالمي وحدوي لأجل السلم والتعاون العالمي، ومبدأ السلام والعدالة غير مطبق في الواقع سوى بمواثيق العرف الإنساني منذ الخليقة، وبالمواثيق الدولية غير المتعارضة مع الأديان في عصرنا ولا زالت أغلبها حبرا على ورق، كون السيطرة الاقتصادية يصحبها صراع معتقدات تقودها في قيادة العالم.

يختلف توجه “أدب نهاية العالم” بين ديانة أو معتقد وآخر، فالبشرية منذ أن خُلقت، وحكاية الوجود الإنساني وصراع الخير والشر من أجل البقاء هو الركيزة للحياة.

فصراع الإنسان البدائي مع الحيوانات أو صراع القبائل من أجل لقمة عيشه والسيطرة على أجزاء من الطبيعة ليشعر بالانتماء والبقاء، هو متقارب إلى حد ما مع صراع البشر مع بشر آخرين في البلدان المختلفة لنفس الهدف والمغزى.

ولطبيعة التنمية بأنها قائمة على الاقتصاد منذ بدء الخليقة، ونهاية الإنسان أو القبيلة أو أي تجمع سكاني تحكمه وحدة سياسية، تنتهي بانتهاء اقتصاده أو رزقه، تعيش الدول على هذا الغرار، في محاولات دؤوبة لفرض الذات أو المعتقد أو الانتماء على مستوى محلي أو دولي ومحدود أو عالمي، يصحبه سيطرة اقتصادية، وهذا جزء من أهداف المستعمرين على مر التاريخ.

ومن هذا المنطلق، يعتبر “أدب القيامة” في أغلبه انتهاء جماعات كبيرة من الناس في نهاية أحد المطافات عن الكوكب، مع بقاء فئة ناجية من أحد المصائب الحربية المدمرة والفتاكة سواء كانت عسكرية أو غيرها.

وهذا يتضح في مسلسل عدنان ولينا، الذي تقضي به الحرب العالمية الثالثة على البشرية، وتبقى فئة ناجية تفقد كل مقومات القوى للبقاء وتقرر الفرار للعيش في الفضاء وتسقط بهم المركبة وينجو منها غلام المغامرات عدنان وحيدا ثم تتجدد الحياة بصورة أخرى مع أناس آخرين في دورة حياة صراع الخير والشر من جديد بما خلفته الأجيال السابقة، وما تورطت به أو ورثته الأجيال الحالية في شخصيات المسلسل، وتسعى بألا تورث ما حدث من دمار في الماضي لأجيال تالية، حيث فرصتهم في النجاة هي لحماية الجيل اللاحق مما عانوه من الجيل الأسبق، الذي أورث لبعض الناس المتمثلين في “هيئة القلعة وجنودها” آفة الشر في السيطرة لأجل البقاء بالطريقة التي ألفوا عليها آباءهم، وكان بينهم يعيش الدكتور رامي، المتنكر بأنه أحد عمال القلعة وهم يبحثون عنه ولا يدرون أنه بينهم، وهو جد لينا الناجي الوحيد من الأجيال السابقة التي ابتلعتها الحرب، ويمتلك مفتاح العلم للسيطرة على ما تبقى من العالم لكنه تنكر من جنود القلعة كي لا يدمروا الكوكب بعد أن دمرته الكارثة؛ ليوصي رسالته للناجين في بناء عالم أفضل للبشرية وللعالم مما رأوه في زمن الأجداد والمتمثل حقيقة بعالمنا الآن المليء بالجشع الاقتصادي ومحاولات التدمير للإنسانية والبلدان في كل مكان. 

ويتضح من الحلقة الأولى حينما يقول المعلق الصوتي: “اندلعت الحرب العالمية الثالثة عام 2008، استخدمت فيها الشعوب المتحاربة أسلحة مغناطيسية تفوق في خطورتها الأسلحة التقليدية، ونتيجة لذلك حل الدمار في البر والبحر، فانقلبت محاور الكرة الأرضية، وباتت الكرة الأرضية تعيش كارثة مؤلمة ….

ويقول أيضا: “والآن بعد 20 عاما على الكارثة، ولم يبقَ على هذه الجزيرة سواهم، أتت الحرب على معظم أجزاء الكرة الأرضية والآن أخذت الأشجار والحشائش تنمو ثانية، وأخذت الأسماك تملؤ مياه البحر .. لقد انتعشت الأرض، وامتلأت بالحياة من جديد”.

ويتضح أن محاكاة نهاية العالم بصورة أدبية مهما بغلت من الكمال وصفا لكن يعجزها النقص الإنساني حقيقة الباحث عن أمل في حياة جديدة أفضل بين الأجيال، فانتهاء البشرية تتجسد بوجود فئة نجت تتجدد الحياة من خلالهم بالأمل، ورغم هذا يواجهون مصاعب جديدة في صراع الخير والشر في الوجود من جديد. ففي المعتقد الإسلامي باختلافه عن المعتقدات الأخرى، تعتبر نهاية العالم علما قائما بذاته وهو باختصاص إلهي بحت لا دخل لنا به، وعلينا أن نعد عدتنا، وفي معتقدات أخرى بأن لكل إنسان قيامته أو ساعته، حيث لا يوجد علامات على نهاية الكوكب أو غيره، وتختلف المعتقدات بين النهاية كونها علامات كبرى أو صغرى، أو وجود حرب شاملة طاحنة أو انهيارات وعوامل كونية تنهي الحياة على الأرض أو انتشار أوبئة فتاكة بالبشرية وهكذا في سعي دؤوب للحركة والتجديد في طبيعة هذا المخلوق المكرم لأجل بقاء الخير لو عقل حقيقة وجوده لعمارة الأرض بدل تدميرها بالجشع وضياع مبدأ تنموي من المفترض أن تتبعه الخلائق وهو: المال والاستخلاف.

 

يتبع في الجزء الثاني …

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0