ثقافة مختارات مقالات

غزّة: ملوك الفلفل الحرّيف

غزّة: ملوك الفلفل الحرّيف

بقلم/ عمر موسى
تقول إحدى النكات الدارجة في قطاع غزّة: “إذا أردت أن تصطاد غزّاوياً، فانصب لهُ فخاً من الفلفل”، فهذا نوعٌ من الفِخاخ المُحبّبة لدى الغزّاوي.

ربّما يدفعك ذلك إلى التساؤل حول سرّ تعلّق أهل غزّة بالفلفل والطعام الحارّ، ويدفعني هذا أيضاً إلى سؤالك: هل أُتيحت لك زيارة القطاع ورأيت السوق عندنا؟ أو دعك من هذا السؤال الذي يقف الحصارُ حائلاً بينك وبينه، وأجبني على سؤالٍ آخر: أتعرفُ غزّاويّاً مُغترباً؟ إن كان نعم، فخذ منّي وراقب تفاعله -إن كان ذاك على أرض الواقع أو على منصّات التواصل الاجتماعيّ (لا فرق)- حين يصله صندوق المؤونة من أهله، وفيه أهمّ شيء: الصوص الخاصّ بأهل غزّة.

سفير المطبخ الغزّاوي

ثمّة الكثيرُ من العادات الغزّاوية الشعبيّة في أكل الفلفل الحار، فهو يؤكل إمّا مخروطاً أو مكبوساً أو على حالته الطبيعيّة. وبالرغم من تعدّد أنواع الفلفل، إلا أنّ الفلفل الأحمر المخروط هو من أكثر الأصناف التي يعزّها الغزّي بشكلٍ خاصّ.

يُعرف الفلفل في القطاع على أنه “صوص كُل الأكلات والوجبات”، يحضر فيها بطعمه الحارّ والحادّ، وبمقادير بسيطة: فلفل أحمر مخروط، وملح. إنّه نسخةٌ غزّاويةٌ عن صلصة “سيراتشا” العالمية و”الهريسة الحارة” المشهورة في دول المغرب العربي.

يدخل الفلفل في الكثير من الأطباق “الحرّيفة” المفضلة في غزة، سواء كان أحمر أم أخضر أم معمولاً كشطّة. من هذه الأطباق: المفتول، والسلطة الغزّاوية المكوّنة من البصل والبندورة وكثير من الفلفل وزيت الزيتون. كذلك السمّاقية،1 وهي أكلة غزّية شهيرة تُعد في الأفراح والمناسبات، تسبحُ بالشطّة والفلفل، لدرجة تصل فيها أن يقول الغزّاوي: “إن لم تكن بحاجةً إلى مطافي بجانبك وأنت تأكلها، فلا تُسمى سماقية غزاوية”.

لا يستغني الغزّيون عن هذا الصنف، إلا في استثناءات محددة في الأكل. قد تَعرف تلك الاستثناءات حين تجد قرون الفلفل الأخضر موضوعة في صحنٍ على مائدة الطعام. هذه إشارة تعني أن الطبخة لا تحتوي في مقاديرها على الفلفل، وأن الفلفل الأحمر أو “الفلفل الطرشي” لا يُحبّذ مع الوجبة الحالية. لذا ليوضع الفلفل الأخضر حتى لا تكون المائدة يتيمة، كما يُقال في غزة.

الجديد إلى حدٍ ما، أنّه مع زيادة هجرة الشباب من قطاع غزة، بات الفلفل الأحمر المخروط سفير المطبخ الغزّاوي حول العالم، وهديةً تُرسَلُ إلى المغتربين الغزيّين.

الحزن الكامن في الجنوب

للزراعة في غزّة خارطةٌ من جنوبٍ وشمال، وذلك تبعاً لنوعيّة التربة والمحاصيل المناسبة زراعتها. مثلاً، تمتاز مناطق جنوب القطاع بتربتها ومياهها المالحة، عكس تربة ومياه المناطق الشماليّة المعروفة بحلاوتها، ما يجعل الذي يصلح من المزروعات في منطقة لا يصلُح في الآخر. نتج عن ذلك اشتهار شمال غزّة بزراعة الحمضيّات والتوت وكثيرٍ من الخضروات، فيما كان عزاء مناطق الجنوب في أصنافٍ أخرى من المزروعات، بينها الفلفل بأنواعه: الحلو والحار، وأصناف محددّة من الخضار.

حتى وقتٍ قريب، كانت زراعة الفلفل بالنسبة لمزارعي الجنوب تذكيراً بقلةِ الحيلة من جانب، وفقر الخيارات من جانبٍ آخر. يسند المزارع نضال زعرب (44 عاماً) ظهره إلى جذع شجرة عريض، ويحكي لنا عن الفلفل، الذي عُرف في أوساط مزارعي الجنوب باسم “زرعة الحزين”، وذلك لأنّهم كانوا يلجأون لزراعته كآخر الخيارات المضمونة والممكنة، بعد أن يتبدد أملُهم بإمكانية نجاح أنواعٍ مختلفة من الخضراوات في أرض الجنوب المالحة.

يشير المزارع زعرب بيدهِ إلى الأرض المحروثة أمامه، ويقول: “كثير جرّبنا نزرع أنواع، لكن بعد مدة بسيطة الشتلة تنحرق من الملوحة وتموت”. كانت حالة زعرب شبيهة بغالبية مزارعي الجنوب، الذين يسعون للتوفيق بين المزروعات والأرض. يُطلق عن ذلك نكتةً ساخرة، فيقول: “الموضوع أصعب من التوفيق بين راسين في الحلال”. ويكمل شرحه عن هذه المُعضلة: “كنا نعود لزراعة الفلفل، بينما ننظر بحسرة إلى المزروعات الأخرى التي لا تنجح أو لا نقدر على زراعتها. فتكلفة زراعة دونم أرض بالفلفل لا تتجاوز الـ 200 شيكل، بالإضافة إلى التكلفة القليلة لعنايتها ونجاحها المضمون”.

أرض مزروعة بالفلفل، تصوير: مهدي زعرب.
يُركّز المزارعون في زراعة الفلفل على موسمي الخريف والربيع، لأنّه أجدى اقتصاديّاً مقارنةً بالمواسم الأخرى التي تتطلب تكلفة عناية مختلفة، كالشتاء، وبدرجة أقل فصل الصيف الذي قد يكون جيّداً وقد تكون حرارة شمسه حارقة للمحصول. لذا يزرع الفلفل في البيوت البلاستيكيّة والأنفاق الزراعيّة في أوقات غير المواسم، ويُزرع في أرض مفتوحة في وقت المواسم. وتصل المساحة المزروعة له إلى 3000 دونم سنوياً، بحسب مدير دائرة الخضار في وزارة الزراعة أشرف أبو سويرح.

كان لوفرة الفلفل وسعره الرخيص طوال العام دور في شهرته محليّاً. يُباع كيلو الفلفل غالباً بسعر شيكلين، وقد يصل أحياناً إلى سعر نصف شيكل خاصةً في فصل الصيف. يصل الفلفل إلى هذا السعر في أوقات المواسم بسبب تخطّي الكمّيات المُنتجَة حاجة القطاع لاستهلاكه، وهي المناسبة التي يستغلها غالبيّة أهالي القطاع لشراء كميات كبيرة وتخزينها. ولولا سياسات “إسرائيل” في التضييق على الناس وحصارهم نتيجة إحكام سيطرتها على المعابر لكان من الممكن تصدير هذه الكميات الزائدة.

وبالرغم من أنّ الفلفل هو “زرعة الحزين”، إلا أنّ ملوحة التربة والمياه في جنوب القطاع غدت عاملاً يُميّز مزارعي الفلفل هناك. إذ أتاحت لهم أن يصبحوا مورّد الفلفل الأساس لأسواق القطاع. يُحرّك زعرب رأسه بتباهٍ: “أهل الشمال ملوك التوت والحمضيات، وإحنا ملوك الفلفل في غزة”.

الوضع في غزة مثل الفلفل

“انخلقنا ولقينا حالنا بنحب الفلفل والأكل الحرّاق”، هكذا يؤرّخ الشاب يحيى عسكر لحضور الأكل الحار في مطبخ بيتهم. أمّا فيما يخصّ المطبخ الغزّي، فيُرجع أباهر السقا حضور الأكل الحار في المطبخ الغزّي إلى كون المدينة منطقة تجاريّة وطريقاً للقوافل العالميّة، ممّا قد جعلها تتأثّر بتجارة البهارات الهندية الحارّة.2
يُتابع عسكر حديثه محاولاً تقريب الصورة لمن لا يعرف الأكل الغزّي: “بتقدر تاكل الطبيخ بدون ملح؟ لا، والغزازوة ما بيقدروا ياكلوا الأكل بدون فلفل”. يُحدّثني سفيان مصطفى، وهو باحث مهتم في شؤون المطبخ الفلسطيني، أنّ الحريف ليس طعماً بل هو إحساس بالألم، وأن هناك نظريّات تُرجع أكل الطعام الحار للشعوب الفقيرة، لأن معه تفقد الحوائج طعمها نتيجة الألم، فيُغنيها عن اشتهاء اللحم مثلاً.

حتى وقت قريب كانت هناك نكتة شعبيّة معروفة انتشرت بعد توقيع اتفاقية أوسلو، وبدء المرحلة الأولى المعروفة باتفاق غزّة – أريحا عام 1994. تقول النكتة إنّ شعار السّلطة الفلسطينيّة سيتكون من قرنيّ فلفل وموزة، في إشارة إلى موز أريحا وفلفل غزّة. وبالرغم من أنّ هذه نكتة، إلا أنّ في اشتهار غزّة بالفلفل رمزيّة تحيل إلى وضع غزة السياسيّ والمعيشيّ “الحرّاق دائماً”!

المصدر: متراس

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0