أدب و تراث ثقافة مختارات مقالات

البكاء على أطلال الحارة

بقلم/ مثنى خميس

حتّى تَصِفَ المكانَ الضيّقَ الذي نشأتَ فيه، عليك أن تستخدم كلمة “الحارة”، فهي أصدقُ تعبيراً من كلمتي الحيّ أو المنطقة. في الكلمة حرارةٌ مُضمرةٌ تُشير إلى علاقةٍ حميميّةٍ ومُلتهبة مع المكان الذي عرفتَ فيه الحياة، بلعبها ومُغامراتها، وحلاوتها وقساوتها، والعلاقات العاطفيّة فيها، والشخص الكامن فيك وفي الآخرين.

بضعة شوارع مُعبّدة وأخرى غير مُعبّدة، ومساحات خضراء، جامع، وشجر كينا يعترض أسلاك الكهرباء، وبيوت مكوّنة من طابقين على أكثر تقدير، وعمارتان لا يُمكِّنُكَ ارتفاعهما من رؤية البحر غرباً. والأهم من ذلك، أولاد الحارة، نحن، الذين كبرنا، فمنّا من أخذته الحياةُ إلى شؤونها، ومنّا قلّة ظلّوا منتمين إلى الحارة فباتوا المؤتمنين عليها.

هذا هو شكل الحارة الذي استحضرهُ في مُخيّلتي، بعد أن خرجتُ منها منذ زمن. إلا أنّ الحارة، لغويّاً على الأقل، تُجبرك على الرجوع إليها. فهي في اللغة: “كل محلّة قوم تدانى منازلهم، يقال: هم أهل حارة واحدة، لأنهم يحورون إِليها: أي يرجعون”. وها أنا أرجع، حتّى لو كان رجوعاً للحديث عنها لا للعيش فيها.

المُبارزة الفاصلة

الحارة هي ساحة نزال للفتى يُثبت جدارتَه فيها. هي لحظةٌ حاسمة له، ستترتّب عليها طرائق تعامل أولاد الحارة معه حتّى النهاية: إمّا أن يُصبح شخصاً بارزاً يُفتقدُ عند الغياب ويُرسَلُ في طلبه، وإمّا أن يتحوّل إلى نكتة الحارة (ليس “التنمّر” مُصطلحاً شائعاً في مُعجم الحارة). يحضرُ ذلك النزالُ في نشاطات الحارة المختلفة، ففي كرة القدم مثلاً، يُتاح المجال للأولاد الذين يفرضون شخصيتَهم بالقوة للُعبها، ومن سوى ذلك يظلّ في دكّة الاحتياط، غالباً إلى الأبد.

هكذا تفرض عليك الحارة قواعدها وشروطها. هناك من يتجنّب المواجهة، وهناك من يُمعن في خوضها. يتبارى هناك الأولاد (الذكور)، الذين يمتلكون الفضاء ويسيطرون عليه، وينتصر من تطفح منه الرجولة. تتبارى هناك الطبقات الاجتماعيّة كذلك، ولكن بمنطق الحارة لا بمنطق السوق، فتُقلب الطبقات رأساً على عقب. يكون الغنيّ فريسة سهلةً للانقضاض في غالب الأحيان، فيُعيّر بطبقتهِ المقرونة بأنّ أباه وأمّه يُدلّعانه، فيما يُصبح الولدُ الذي لاقى من شظف الحياة ما لاقى في مكانةٍ “أعلى”.

وبما أنّنا لا نملك مساحاتٍ عامةً للتجمّع، تصبحُ الحارةُ وأزقتها فضاءَنا المتاح للتفاعل الاجتماعيّ. أكثر من ذلك، تصبحُ الحارة مكاناً لخوض الفرد الحياة إذ يقضي جلّ يومه فيها. ثمّ ما تلبث أن تُصبح الحارةُ مكاناً يستمد منها الفرد هويّته الاجتماعيّة، فهو ابن الحارة الفلانيّة التي يشترك فيها مع أفراد لهم تجربة واحدة تقريباً، وليس ابن الحارة الفلانيّة الأخرى التي تخسر في الطوش كما تخسر في لعبة القدم.

أطفال يلعبون في إحدى أزقة البلدة القديمة في الخليل، أول أيام عيد الفطر، 2017. عدسة: حازم بدر/ AFP

تحضر الحارة كهويّة مناطقيّة أيضاً في المسائل ذات العلاقة بالمواجهة مع الاحتلال؛ هذه الحارة قدّمت شهداء أكثر من أخواتها، وهذه الحارة “غلّبت” الجيش أكثر من تلك التي كانت تجبن كلّما دخلتْ عليها الجيبات العسكريّة. ثمّ تتجرأ الحارة فتضع نفسها ندّاً للأحزاب، كأنّها قبيلة. من ذلك مثلاً، كان لـ”فتح” ومن خلفها كتائب شهداء الأقصى في الانتفاضة الثانيّة، تفريعاتٌ بحسب الحارة، ليس لأمور الإدارة والتنظيم فحسب، بل أيضاً لأنّ الحارة قد تكون الأقدر على شحن شبابها، فالانتماء إليها يكون في بعض الأحيان سابقاً على الانتماء الحزبيّ.

لا خصوصيّات للشخوص في الحارة، فهم يُعرفون بحركتهم الجماعيّة وليس الفرديّة. هكذا تكون الحارة أمان الفرد الشخصيّ واستقراره النفسيّ، فهو بقدر ما ينتمي إلى جماعة الناس الذين يتشابهون معه ثقافيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً (يُفصح شكل البنيان في الحارة عن ذلك)، توفّر له الحارة ضماناً اجتماعيّاً وعملاً رمزيّاً، مّما يحميه -على مستوى الشعور- من الأعراض الجانبيّة للبطالة1، لذا نسمعهم يقولون: “منشتغل في الناس”.

رحمٌ خصب

تُنجب الحارة حُرّاساً متطوّعين لها، فيكبرُ الواحدُ على حبّ حارته، ويدين لها بكثيرٍ من الدروس والعبر: علّمته كيف يصنع مُشكلة، كيف “يسلخ شفرة”، كيف يبصق في الشارع، كيف يَشتِم، كيف ينظر في وجوه الآخرين، كيف يمشي، كيف يتحدّث، ماذا يرتدي من ملابس، كيف يحلق شعره، كيف لا يغدِر، من هم الأصدقاء، ما هي الشهامة والنبل، التضحية والتواجد أوّل الناس في الأزمات… وغيرها من الأشياء. تلك الأشياء التي إن وضعتها في خلّاط ستخرج لك شخصيّة: الأزعر أو الدود أو الخال أو القيادة، وغيرها من التسميات المتداولة. وإن غابت هذه التسميات بشكلها المباشر عن جوّ الحارة، فإنّها تحضر على شكل ألقابٍ وكنى تعكس منظومة علاقات القوّة، مثل: أبو غضب، أبو علي، الديسو، وغيرها.

عند الحديث عن هذه الشخصيّة، فإنّها تختلف من بلدٍ إلى بلد (بين القُدس ورام الله وطولكرم مثلاً)، ولا تختلف كثيراً من حارة إلى حارة في نفس البلد. والمعيار في ذلك، هو شكل المدينة ونوعيّة السُكّان فيها، فالمدينة التي تستقبل سُكّاناً من مُختلف المُدن، يُصبح سلوك زعرانها مُختلفاً عن تلك المُغلقة حدودها على سُكّانها المعروفين؛ هل الجيران يتواصلون مع بعضهم أم “كلّ واحد حالهُ في باله”؟ هل تختبر الحارة الكثير من المستأجرين غير المُستقرّين؟ هل شوارع الحارة مُغلقة لا تؤدّي إلى مخرج فيُصبح دخول الغريب عليها مُستهجناً أم مفتوحة ومُتاحة أمام الغرباء والسيّارات الهاربة من أزمة الشارع الرئيسي؟ كلّ هذه عوامل تلعب دوراً في تشكيل الحارة والمؤتمنين عليها.

ليس “أزعر” الحارة سوى نتاج التركيبة السكّانيّة والعمرانيّة لحارته، فصورته التي يُصدّرها للآخرين منوطة بتلك التحوّلات. من ذلك، فإنّ الحارة المُغلقة (نسبيّاً) تضمن أماناً اجتماعيّاً أكبر لساكنيها من الحارة المفتوحة، وهنا يُصبح أزعر الحارة حارساً لها (يقف على مدخل الحارة؛ في الشارع، ويجلس على الرصيف) من الغُرباء الطارئين، الذين هم بنظره احتمالات واردة لنيّة مُضمرة بالشرّ. وهو إذ يدفع الغرباء، فهو يحمي أهل حارته ويحترمهم؛ الأزعر (الحقّ) -مثلاً- حين يمشي بجانب جارته الفتاة فإنّه يضع عينه في الأرض، فلا يبصر إلا قدماه المُرتبكتين. وإلا سيصغُر في عين أصحابه وأهل حارته إن لم يلتزم بهذا الشرط.

أطفال يلعبون كرة القدم في مدينة غزة، 2006. عدسة: محمود الهمص، AFP

يقول صاحب “النموذج المسرحي” عالم الاجتماع الأميركي إرفنغ غوفمان Erving Goffman، الذي يرى في الحياة مسرحاً للعب الأدوار الاجتماعيّة: “في حين يمكن أن يكون وجهُ الشخص الاجتماعيّ أشدّ ممتلكاته شخصيّةً ومركز أمنه ولذته، فإنه ليس سوى قرض يُقرِضُهُ إياه المجتمعُ [الحارة في سياقنا]؛ وسوف يُسحب منه ما لم يتصرّف بطريقة تليق به. الصفات المحبّذة وعلاقتها بالوجه تجعل من كلّ إنسان سجّان نفسه؛ وهذا قيد اجتماعيّ أساسيّ على الرغم من أنّ كل إنسان قد يحبّ زنزانته”.2 ويُفسّر هذا سلوك إبن الحارة الذي لا تزال العلاقات الاجتماعيّة بين الجيران في حارته سارية، إذ تُحرِّكُه قيمُ الكبرياء والشرف والكرامة، أو يُحرّكه “ارتباطه العاطفيّ بصورة الذات التي يعبّر عنها”. 3

لهذه الشريحة الاجتماعيّة، منظومة إشارات خاصّة تدلّ عليهم. على مستوى المظهر، تجدهم مثلاً؛ يرتدون بدلات رياضيّة مع طواقي “نايك” و”أديداس”، يُمسكون بيدهم مسبحة، يلبسون خواتم وسوارات وسنانيل، يحلقون “مارينز” ومشتقّاتها. أمّا كلامهم، فهو لغة الشارع التي تدورغالباً حول مواضيع الجدعنة والطوش والنساء والسيّارات والسلاح. لخّص مُغنّي الراب “شبّ جديد” في أغنيّته “16 جب” بعضاً من أحاديثهم هذه: “تتنوّع أحلام الشب العربي، من إم سطعش [سلاح M16] إلى مفتاح البورش [نوع سيّارة] إلى يطلع بس يرجعش [الهجرة] إلى أن يطلع تصريح ضفاوي يفوت عالقدس”.

أمّا المُصطلحات التي يستخدمونها ففيها نوع من التعالي والشعور بالقوّة والعربدة، مثل: خال، بعرضي، خوَل. وغيرها من المُصطلحات التي استُدخلت من اللغة العبريّة، مثل: “المعريخت”، “بسيدر”، “عفريان”، “ستام”، وهي مُصطلحات قد يوحي استخدامها بنوعٍ من الإعجاب بالمُستعمِر. إضافة إلى ذلك، ثمّة العديد من القيم التي يُصدّرها الزُعران تدور بالأساس حول مفهوم “الزلمة”، ذاك الذي لا يخشى في أصحابه لومة لائم، لا يتراجع ولا يخاف (أو هكذا يبدو).

إنّ القدرة على الترهيب هي السمة الأبرز في الحارة، التي على أساسها يكتسب الفرد أهمّيته ومكانته واحترامه بين الجميع، فيشعر بالنشوة من فكرة أنّ الآخرين يخشونه ويتجنّبونه. الحارة ملكُه، فيسيطر على فضائها ببنيته البدنية القويّة، وبرصيده المليئ بالطوش، وباستبطان “كاركتر” مُعيّن، وصولاً  إلى امتلاك السلاح أو استخدام السلاح الأبيض. على أساس ذلك، تُصبح نكت الشخص مُضحكة، ويُصبح كلامُه من ذهب، وتُصبح صداقته مكسباً لكثيرين يتمنّون أن يكونوا مثله، إذ “كلّما زادت سلطة الآخرين وهيبتهم زاد احتمال أن يُبدي المرء الاحترام لمشاعرهم”.4

الميكاسا و”فطبول أبو الـ 10″

تُزاحم الحارة، بوصفها مكاناً للتعلُّم، وزارةَ التربية والتعليم نفسها. ليس من المُبالغة أنّ الولد يتعلّم من الأولاد في الحارة ما لا يتعلّمه من المنهاج المدرسيّ والمعلمين على مدار اثني عشر عاماً. إن كان يتعلّم قوانين الجاذبيّة وطرق الحساب في المدرسة، فإنّه يتعلّم في الحارة قوانين الحياة وطرق النجاة.

ولأنّ “الأمّ مدرسةٌ”، فهي على ذات المنوال. إن كان الولد يتعلمُ قيمة “النظافة من الإيمان” في المنزل، فإنّه لا يتعلّم في الحارة أنّ “الوساخة من الشيطان”، بل إنّ “الوساخة” و”الشيطنة” تكونان في كثير من الأحيان أساسيّات للانخراط في جماعة الحارة. لذلك تكون الأمّ حريصة على مُراقبة ابنها من شُبّاك المطبخ وهو يلعب، لألا يُختطف كاملاً.

لا تصمد المدرسة ولا البيت أمام الحارة، ففي الحارة إغراءٌ من البذاءة والاستكشاف والمُغامرة (تحت مظلّة اللُعب؛ الفطبول والبنانير…) لا تَجِدهُ في البُنى التقليديّة التي تنظمها مجموعة من القوانين الجامدة. رنّة جرس المدرسة مُعلناً انتهاء حصّة الرياضة هو أسوأ ما يكون للولد، وكبسة زرّ ريموت التلفزيون مُنتقلاً إلى قناة الجزيرة قاطعاً تدفّق الرسوم على سبيستون هو ثاني أسوأ ما يكون للولد. أمّا في الحارة، فلا رنّة جرس ولا ريموت تلفزيون.

لكنّ مؤسسة أخرى، كان بمقدورها أن تقف في وجه الحارة: الجامع. وهما على النقيض من بعضهما، فالجامع يُصدّر قيماً تختلف عن تلك التي تُصدّرها الحارة، وشروط الانضمام إلى كليهما تختلف عن الأخرى. الجامع فضاء إسلاميّ، فيما الحارة مسرحٌ لتجريب الشخصيّة بعيداً عن المؤسسات الجامدة وقناعات الأهل الراسخة.

بلغ الجامع ذروة فاعليّته كمكان للنشاط الاجتماعيّ والسياسيّ إبان الانتفاضة الثانية، وذلك تحت رعاية حركة “حماس”. كانت كُرات “الميكاسا” التي أتى بها الجامعُ أكثر إغراءً من “فطبول أبو الـ 10 شيكل”، وكان الُلعب ضمن فريق المسجد الذي يُجري تدريبات جديّة أكثر حماساً من اللعب بعشوائيّة مع فريق الحارة. وحتّى تكون ضمن فريق المسجد، عليك أن تأتي إلى المسجد أولاً. هكذا تحوّل الأولاد في الحارة إلى الأشبال في المسجد.

كانت الرياضة انسجاماً مع رؤية إسلاميّة لأهمّية الصحّة البدنيّة على النفس، ولكنّها أيضاً كانت سنّارة يتعلّق بها الأولاد، والأهالي من خلفهم، لتنقلهم من أجواءٍ أقرب ما تكون “علمانيّة”، إلى أجواءٍ إسلاميّة يختلف فيها منطق اللعب والعلاقات الاجتماعيّة وتبادل المعارف وتعلّم الحياة وعيشها.

موت الحارة

لم أعد أستيقظ منذ فترة طويلة على أصوات أولاد الحارة يلعبون. ربّما لم يعد ثمّة “أولاد حارة”، فكثير من الأولاد يجلسون خاملين في البيوت، يُمسكون الهاتف الذكيّ ويلعبون على شاشته. البنانير، الطمّة، سبع حجار، جول إنجليزي، الصبّاره، كلّها ألعاب تلفظ أنفاسها الأخيرة.

تزامن اختراق التكنولوجيا الرهيب لحياة الأولاد مع ارتفاع أعداد السكّان الذين ضاقت عليهم الجغرافيا بما رحبت، فبنوا عموديّاً في الأرض. لم يعد اسمها الحارة، بل باتت مُجمّعاً سكنيّاً أو ضاحية، تتكوّن من عوائل نوويّة صغيرة. وقد أدى ازدياد السكان، مع مجموعة من العوامل الخارجة عن إرادتهم إلى ازديادٍ رهيب في أعداد السيّارات، وصارت الأزمات المروريّة الخانقة سمة أساسيّة للشوارع الرئيسيّة والفرعيّة.

لم تعد الحارة مكاناً مُمكناً للعب في كثيرٍ من المناطق، فالسيّارات تُقاطعه على الدوام. والعائلة لا تأتمن جيرانها -الذين لا تعرفهم- على أولادها حتّى تخرجهم إلى الحارة، إذ بات التواصل نوعاً من أنواع التطفّل والتدخّل غير المحبّذ. ناهيك أنّ التكنولوجيا قد قدّمت نفسها للأهل بديلاً (آمناً) لهذا القلق من الخارج.

كانت جارتنا المُسنّة “إمّ العبد”، ومن على شرفتها في الطابق الأوّل من العمارة المُطلّة على شارع الحارة، تصرخ علينا وتنكّد علينا عيشنا ونحن نلعب. كنّا ندعو عليها بالموت، لكنّ الله أطال في عمرها، فيما الحارة التي ظننّا أنّها “أبديّة” تشهق أنفاسها الأخيرة. ولو أنّ “إمّ العبد” كانت تعرف أنّ هذا ما ستؤول له الحارة، لربّما ما أتعبت نفسها طوال السنين الجميلة في شتمنا.

المصدر: متراس 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0