دين مختارات مقالات

في رحاب آية

في رحاب آية

كتبه:
بقلم/ د. محمد بن بشر القباطي

﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .

🔰إن الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية قد وعد رسوله عليه الصلاة والسلام بكفايته شرّ أعدائه من أهل الكتاب وغيرهم كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ، ولهذه الآية مقاصد وثيقة الصلة بمقاصد السياق، فهي تكشف أستار الأمم الناكثة، وتدعُّها دعًّا عن سبيل المؤمنين، وتُثبت أقدام الأمّة الوارثة، وتحذّرها من مزالق الأهواء واتباع سبيل المغضوب عليهم والضالّين.

◻️وإني ليحزنني أشدّ الحزن أن تتسور علينا أهواؤهم المحراب! وأن يتبع كثير من أبناء الأمّة الوسط أهواء أهل الكتاب؛ فنسام سوء العذاب.

🔰ألا ترى ما تفعله أهواء اليهود والنصارى في بلاد المسلمين عامّة، وما يفعله أهل الأهواء من المنتسبين إلى الإسلام، وفي اليمن والعراق وسوريا عظات بالغات، وعبرة لأُلي الألباب.

🔰ولقد مكثت أيامًا أنظر في هذه الآية، تتنازعني معانيها العظام، ويهولني تنزيلها في هذا المقام، وكيف أنزلها على واقعنا، وأنا في مشرق الأرض الأقصى أشاهد ما أشاهد لما يحدث في المسجد الأقصى، ومن حوله دوَل الأمّة الشاهدة سامدة!
وماذا عسى أن يقول المفسّر بين يدي هذه الآية، وهو يرى ما يرى؟ أتسألني ما ثَمّ؟ ثَمَّ شيء عظيم لا يطاق أن يُروى أو يُطوى! تكاد تختنق العبارات بالعبرات، لقد كان الانتقال شديد الوطأة على قلبي، فقد عشت بين يديْ آية الوسطيّة وتنصيب الأمّة شاهدة على الناس، ثمّ آية التوجيه تلقاء المسجد الحرام، وقد اكتنفتني الأحداث ببهجتها من كلّ جانب، وكأني مع الصحابة الكرام تغمرني الفرحة بفضل الله وبرحمته! ثمّ ها أنا ذا أغادر تلك البقعة المباركة، وإن حال المؤمن وهو يغادر ذلك العهد الكريم عائدًا إلى واقعنا الأليم أشبه بحال من يَصَّعَّد في السماء أو تهوي به الريح في قاعٍ سحيق، ها أنا ذا أشاهد كرة الأرض تدور بين يديّ، تحمل فوق ظهرها أممًا تعصف بها أهواء أهل الكتاب، وخَلَفًا منّا ورثوا هذا الكتاب يأخذون عرَضَ هذا الأدنى، ويقولون سيغفر لنا! قد مزّقتهم الأهواء شرّ ممزّق، وبسطت عليهم الأمم أيديها بالسوء من كلّ حدب وصوب، فسيادتهم مسلوبة، وثرواتهم منهوبة، أرى الأرض بين يدي سابحة في فلكها، فيمرّ بي المسجد الحرام ذهابًا وإيابًا بجلاله وحوله الطائفون والركع السجود، قد اتسعت أركانه وارتفع بنيانه -زاده الله شرفًا وعزًّا- تقصده وجوهٌ لا تحصى في نزعها ضعفٌ قد أوهْنتها الأهواء إلا ما رحم ربّي، وأرى المسجد النبويّ بجماله، وفي كنفه الروضة، وبجوارها صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام الشهيد علينا! تُرى بمَ يشهد علينا! ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ، فتتدافع الحسرات وتجري العبرات، وإني لأستحيي من الله تعالى أن يرانا على ما نحن عليه، وقد أكرمنا ومنّ علينا بميراث مصطفاه وخليله عليه الصلاة والسلام اللهم توبة نصوحًا، وعزمًا لا يحور.

🔰وسوف أجزئ تفسير النصّ إلى ثلاثة أقسام:

◻️القسم الأول:

قوله تعالى: “وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ”، إن الله تعالى يُنبِّئ رسوله عليه الصلاة والسلام بنبأ عظيم؛ فيطلعه على شيء من غيبه المكنون وهذا النبأ مندرج في تلك الكفاية العامّة، وله مقاصد، منها:
📍الأول: الشهادة بكمال آيات الرسالة الخاتمة، وأنه لا مزيد على ما جاء به رسول الله من الآيات البيّنات؛ فقد بلغت آياتها المنتهى في الهداية، وإبطال الباطل، وما يجحد بها إلا كلّ ختّارٍ كفور.
📍الثاني: الشهادة بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أقام الحجّة على أهل الكتاب، وقد بلّغهم البلاغ المبين؛ حتى لا يظنّ أحدٌ أن أهل الكتاب إنما أعرضوا عن الإسلام؛ لخلل في بيان الرسول عليه الصلاة والسلام، أو لقصورٍ فيما أتى به من الآيات.
📍الثالث: ذمّ أهل الكتاب بقساوة القلوب، وبلادة العقول. وإنّك لو أَطلقت بصيرتك؛ لتتصفح أحوال تلك القلوب التي لو سِيقت إليها كلّ آية بيّنةٍ ما انتفعت بها! لوجدتها قد أُغشيت قِطَعًا من ظلمات الجحود والعناد، والجمود؛ فلا ينفذ إليها نور، ولا تصلها هداية، فلا مطمع في هدايتهم.
📍الرابع: وقاية الرسول عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام من أسى تأنيب النفس، واتّهامها بالتفريط في بيان الحقّ، فما أكثر ما يُلام الدعاة المصلحون، ويُعذَر المجرمون والظالمون من أهل الكتاب وغيرهم في إعراضهم عن الإسلام، وحربهم عليه. ولا يزال كثير من أبناء جلدتنا وغيرهم يزعمون أن دعاة الإسلام لم يفلحوا في دعوتهم؛ لأنهم بحاجة إلى ترسيخ ثقافة التسامح لديهم، والاقتراب من أهل الكتاب؛ حتى نستميلهم؛ لأن أهل الكتاب لو عرفوا حقيقة الإسلام، لاتبعوه!
📍الخامس: صيانة جهود الأمّة الوسط من أن تبذل في دعوة من لا تنفعه الذكرى، وتوجيه الرسول عليه الصلاة والسلام وأمته إلى الاشتغال بما فيه النفع والصلاح، فالواجب على الأمّة الحازمة العازمة على التمكين أن تسعى بالتي هي أحسن وأتقن، وأن تمضي قُدُمًا في العمل بما شرع لها الله تعالى بلا التفات ولا تردّد بعد ورود النصّ؛ فإن مهامّ الأمّة عظام، فيجب التوجّه فورًا إلى عمارة الأرض بمنهج الله تعالى.
“وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ” “الَّذِينَ”: موصول يعمّ، “كُلِّ” عامّ، “مَا تَبِعُوا” “ما” نافية، والفعل بعدها عامّ.
◻️القسم الثاني:
قوله تعالى: “وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ”، “وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ” الجملة الاسمية تدلّ على ثبات الرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه واستمراره على قبلته وملّته، ودينه الحقّ، “قبلتهم”: نكرة مضافة تعمّ قبلة اليهود وقبلة النصارى، “بَعْضُهُمْ” نكرة مضافة تعمّ، وأما قوله تعالى “وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ”، فيدلّ على استمرار كلّ فريق من اليهود والنصارى على الباطل الذي ورثه مع منابذة غيره؛ لأن العداوة والبغضاء بين اليهود والنصارى لا تنقطع، والعداوة والبغضاء بين طوائفهم وفرقهم المختلفة شديدة.

◻️القسم الثالث:

قوله تعالى: “وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ” وأما هذه الخاتمة المباركة، فظاهرها تحذير ووعيد شديد، والخطاب للرسول المعصوم عليه الصلاة والسلام والمراد تحذير أتباعه في كلّ عصرٍ ومصرٍ، قال العلّامة ابن عطيّة: “فإنما المراد من يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمًا للأمر” .

🔰والعلم الذي جاءنا هو الوحي، وهو الروح والنور، والأهواء ظلمات بعضها فوق بعض، ومن يتبدّل الظلماتِ بالنور، فهو في ثبور، وإنّه ليتراءى لي هذا التحذير كأنه سور أو حجاب، باطنه فيه الهداية والرحمة، وظاهره من قبله أهواء أهل الكتاب، وما أدراك ما أهواؤهم؟ إنّها أهواء فتّاكة مهلكة، ولو نظرتَ في أحوال أهل الأرض؛ لعلمتَ أيّ متقلّب تتقلّب فيه البشريّة؟ وإلى أيّ قاع سحيق تهوي بهم تلك الأهواء؟ ألست ترى اليهود، وهم شرذمة قليلون، تكاد أهواؤهم تعصف بأهل الأرض، وتهوي بهم إلى الدرك الأسفل من النار إلا من رحم الله تعالى من المؤمنين الثابتين القائمين بأمر الله تعالى.

“وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ” “أَهْوَاءَهُمْ”: نكرة مضافة تعم “ما” موصول يعمّ، “وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ”: “اتَّبَعْتَ” فعل في سياق الشرط يعمّ كلّ أنواع الاتباع، أهواء نكرة مضافة تعمّ كلّ أهوائهم المختلفة، ذكر القرطبيّ أن العدول إلى صيغة الجمع ولم يقل “هواهم” فيه دلالة على اختلاف الأهواء . “مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ” هذا مخصّصٌ لعموم فعل الاتباع، وفيه دلالة على أن الحجة لا تقوم على العباد إلا بعد ورود الرسالة، “ما” موصول عامّ، “من” للتبعيض، “العلم” “أل” للعموم، ويجوز أن يكون “من” بيانيّة، والعلم مرادٌ به علم خاصّ، قال الإمام الطبري: “العلم بضلالتهم وكفرهم بربهم” .
“الظَّالِمِينَ” صفة صريحة مقترنة ب”أل” تعمّ، ودخول العبد في زمرة الظالمين يرفع عنه عناية الله ويورده المهالك، كما قال الله تعالى: “وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ”، فلا ولي لهم مِنَ اللَّهِ ولا نصير البتة، وفي هذا تحذيرٌ شديد من الركون إليهم، وفيه حثٌّ على البراءة منهم.
ومفهوم الآية: إذا لم تتبع أهواءهم، بل اتبعت ما جاءك من العلم، فلست من الظالمين، وما أحسن عاقبة من لم يكن من الظالمين! إنها الكفاية والرعاية والهداية والفلاح، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0