تربية مختارات مقالات

من الأهم في المعادلة الطلابية المعاناة أم الإنتاج ؟

من الأهم في المعادلة الطلابية المعاناة أم الإنتاج ؟

بقلم/ د. جهاد حماد

بعد الحصول على؟ الدكتوراة والعودة للتدريس في غزة كنت مسكونا بنظرية المعاناة كأساس لبناء الطالب القوي
أي أنه كلما عانى الطالب في الجامعة أكثر كلما اشتد عوده وأصبح اكثر إتقانا وقدرة على مواجهة مصاعب الحياة

ولم يكن لدي أي سند علمي ولا تجارب منطقية محكمة لهذه التوجه، بل فقط احترام يصل لحد التقديس لموروث قديم جدا من المدارس والجامعات الفلسطينية

طيب وماذا عن الدكتوراة في بريطانيا ألم تنجح في تفكيك نظرية المعاناة الطلابية بداخلك ؟

المشكلة أننا نعطي شهادة الدكتوراة أكبر من حجمها
فلقد قضيت الثلاث سنوات ونصف هي عمر الدكتوراة في مختبر مغلق تحت سطح الأرض أدرس تأثير مركب معقد لم ير النور بعد على منطقة معينة في جسم الانسان والحيوان.

شهادة الدكتوراة من بريطانيا تؤهلك لمزاولة مهام معينة في ظروف معينة ولا تؤهلك لإصلاح الكون.

وهنا أستذكر جملة الروائي السوداني الكبير أبو الطيب الصالح في رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال” عندما وصف دكتوراة الأدب الإنجليزي في بريطانيا في روايته
“ولقد قضيت ثلاث سنوات من عمري أنقب في سيرة شاعر إنجليزي مغمور”

المهم أني كنت معجبا بنظرية المعاناة وخصوصا في الامتحانات ونتج عن ذلك مذابح علاماتية لا تخضع لأي منطق وخصوصا في السنوات الأولى من تدريسي في كليات الطب.

ولربما الشيء الوحيد الذي خفف من حدة هذا السلوك الإجرامي هو العلاقة الودية والتي تقترب من حد الصداقة مع الكثير من طلابي.

وبذلك كنت أعيش حالة من انفصام الشخصية الأكاديمية
فمن ناحية انسان ودود جدا في التعامل في داخل القاعة وخارجها
ومن ناحية أخرى انسان شرس مفتري في أوراق الامتحان وقاعات الامتحان

ولربما كانت تنطبق علي بعض الشيء تلك القصيدة التي في كتبت مصر في العهد المملوكي
“لقد ابتلينا بمليك ظلم الناس وسبح
هو كالجزار فينا يذكر الله ويذبح”

حتى جاء اليوم الذي تمكنت فيه إحدى الدفعات في كلية الطب من فك شفرة امتحاناتي وتعرفت على مصادرها وتفاجأت بأن أغلبية الدفعة حصلت على علامات مرتفعة

وكانت هذه الدفعة مبدعة بحق وأعتقد أنها الدفعة الوحيدة في تاريخ الكلية التي جمعت جميع الطلاب الحاصلين على المراكز الأولى على القطاع في امتحان التوجيهي.

وعندها بدأ السؤال يكبر بداخلي عن دلالات العلامات ومدي فائدتها في بناء شخصية طبيب المستقبل
وعندها بدأت تتفكك حجارة نظرية المعاناة الأكاديمية الموروثة بداخلي

فالامتحانات ليست وسيلة للبناء بل هي مجرد وسيلة للتقييم
وهي ليست موجهة لتقييم الطلاب بقدر ما هي موجهة لتقييم أداء المدرسين والجامعة بشكل عام

وبدأت بتغيير سياستي الذهنية فيما يتعلق بالامتحانات
لكن المشكلة أن جميع الجامعات الفلسطينية كانت ومازالت تعاني من نقص حاد في عدد الأكاديميين

ورغم محاولاتي المتكررة لإحداث نوع من التوازن في امتحاناتي إلا أن النتائج كانت لا تقترب مما أصبو إليه

فإما امتحانات سهلة أو متوقعة أو مكررة ينتج عنها اسهال حاد في العلامات مصحوب بحالة ارتياح شديد وفرح عارم من قبل الطلاب والطالبات

أو امتحانات صعبة جدا مجهولة النسب ينتج عنها امساك حاد قاتل في العلامات مصحوب بدعوات اللعنة الأبدية والخلود في النار من قبل الطلاب والطالبات

ولا أعتقد أني طوال الإثني عشر السنة التي قضيتها في التدريس في جامعات غزة قد وصلت لحالة التوازن المنطقي التي كنت أحلم بها
والسبب الرئيسي لذلك أني كنت الشخص الوحيد الذي يدرس مساق علم الأدوية ويضع امتحاناته ويرصد علاماته لطلاب وطالبات ثلاث كليات مختلفة

فكيف لشخص بمفرده أن يصل لحالة من الاتزان الأكاديمي التي تتطلب فريق كبير من الدكاترة في الجامعات البريطانية

وأعتقد أن هذا بيت القصيد وخلاصة تجربة الثلاث سنوات الأخيرة التي قضيتها في أروقة الحياة الأكاديمية في بريطانيا ابتداءا من صيف 2018 وحتى لحظة كتابة هذا المقال

الانتقال من مرحلة سيطرة الفرد إلى مرحلة روح الفريق في تصميم وتنفيذ المساقات وطريقة التدريس وتصميم الامتحانات في الجامعات البريطانية

والتحول من مبدأ المعاناة الأكاديمية إلى مبدأ الإنتاج الأكاديمي
فالعلم صمم بالأساس للتخفيف من معاناة الناس وليس العكس

فكما ليس من المنطق ترك المريض يتلوى من الألم في الطوارئ لمدة عشر ساعات ليشتد عوده ويصبح أكثر صلابة

وكما ليس من المنطق اجبار الناس على السير على أقدامهم لعشرين ساعة متواصلة بدل ركب السيارات ليشتد عودهم وليصبحوا أكثر صلابة

فليس من المنطق أيضا أن نزيد من معاناة الطلاب بدون أي مبرر منطقي ولا أي حصيلة إنتاجية ملموسة وذلك فقط تحت مسمى اشتداد العود وزيادة الصلابة

وفي النهاية يبقى هذا رأي شخصي يحتمل الصواب والخطأ ويقبل الزيادة والنقصان

حفظ الله جميع الطلاب والطالبات وجميع مدرسيهم وجامعاتهم ووفقهم لكل خير.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0