عروض كتب مختارات مقالات

التاريخ الروسي بأيدي أمريكية

التاريخ الروسي بأيدي أمريكية
١٩٢٢_٢٠١٦
بقلم/ نجوى الجزائري
(إن أي إنسان يستطيع حتى في أسوأ الظروف، أن يقرر ماذا يريد أن يكون عقلياً و روحياً.. أن يقرر أنه سوف يحتفظ بكرامته الإنسانية حتى ولو في معسكر إعتقال) فيكتور فرانكل.
يتفقُ الكل أن الإنتشار الواسع أو الشهرة الكبيرة لعمل ما ليسَ كافياً ليُصنّف على أنّه أدبٌ عالمي ، و أن هناك عامل مهمٌ و حاسم يلعب دوراً في هذا التصنيف و هو ما يسمى بالقيمة الفنية المُضافة التي يضِيفها و يُضْفيها على مجال الأدب الإنساني ككل ومدى تأثيره بشكلٍ عامٍ و على الأدب الوطني بشكلٍ خاصٍ، و يُعد الأديب الألماني (يوهان فولفغانغ فون غوته) أوّل من صاغ مُصطَلح الأدب العالمي و ذلك في العديد من مقالاته في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، وقد استَخَدمه لوصفِ الانتشار العالمي والاستقبال الجماهيري للأعمال الأدبيّة الأوروبية بشكلٍ عام ، تحدّث غوته عن الإثارة التي يَحصُل عليها من قراءته للروايات الصينيّة والفارسيّة والصربية، فضلاً عن استمتاعه برؤية أعمالِه مُترجمة للغاتٍ أخرى و تُناقش بجديّة في الخارج خاصّةً في فرنسا ، انطلاقاً من رأي غوته ، هل يمكننا أن القول أن رواية جنتمان في موسكو للكاتب الأمريكي (أمور تاولز) هي رواية عالمية ؟و هل يمكن تصنيفها ضمن الأدب العالمي؟
في 21 يونيو عام 1922، اقتيد الكونت (ألكسندر ألييتش روستوف) – حامل وسام القديس أندرو، عضو نادي الفروسية، مستشار الصيد الإمبراطوري – عبر بوابة الكرملين إلى الميدان الأحمر، ثم إلى الأبواب الدوارة الأنيقة لفندق (المتروبول) بعد أن اعتبرته محكمة إستثنائية بلشفية أرستقراطياً لم يُظهر ندمه وتوبته، فحكمت عليه بالإقامة الجبرية، لكن بدل غرفته الأنيقة و جناحه المعتاد يضطر الكونت روستوف أن يعيش في غرفة فوق السطح بعيداً عن العالم الخارجي بينما تعيش روسيا عقوداً من الإضطرابات العنيفة، فهل يمكن لهكذا حياة أن تكون بالغة الثراء؟…
الإجابة روسيا!
ربما لا تكون فكرة الرواية بذاك التعقيد الذي نتصوره فقد تأتي من أبسط الأشياء و أقربها إلينا، صورة، كلمة، موقفًا عابرًا لا يُلقي له لآخَرون بالاً، لكن فقط الكاتب الفطن هو من يقبض عليها خام، طازجة و ربما متوارية عن أعين الكل ، و عليه بعدها أن لا يتركها تفلت من بين يديه ، يقول (تاولز) أن فكرة رواية جنتلمان في موسكو ،جاءته عندما كان يرتاد فندقاً ما في (جنيف) سويسرا للمرة العاشرة ، فسأل نفسه : لماذا لا تكون فكرة أن يعيش شخص ما بالقوة في فندق و لا يغادره أبداً لبقية حياته! لكن و بطبيعة الحال لن يكون هذا اختياره المحض … سيكون مجبراً على ذلك ! و أين يمكننا أن نجد مثل هذه العقوبة ؟ نعم الإجابة: روسيا، فهي عقوبة موجودة منذ قرون.
إن أي مشهدٍ في محاكمة ما يكون فيها منطوق الحكم: عقوبة الإقامة الجبرية _و أن أي محاولة لمغادرة الإقامة تُعرض صاحبها للقتل الفوري _ لهو من دون شك مشهدٌ مأساوي و حكمٌ فضيع غير محتمل لأي مذنب و هو مشهدٌ أيضا في كثير من الأحيان ختامي لأي حدث أو رواية ، لكن المفارقة في رواية جنتلمان في موسكو أن هذا المشهد هو حدث البداية لحياة دامت ثلاثين سنة ضمن نفس المكان و الزمان تقريباً ، بين جدران فندق ، بين غرفةٍ في الطابق العلوي ،صالة طعام ،صالة رقص و قاعة إجتماع، جرت فيه حياة حافلة بالأحداث، بالأشخاص، بالحيوية و الطرف و الظرف أيضا، فكيف إتسعت الحياة بين جدران فندق؟!!
العلاج بالمعنى:
يقول الطبيب (فيكتور إي فرانكل)_ مطور العلاج بالمعنى_ في كتابه : “حينما يجد الإنسان أن مصيره هو المعاناة، فإن عليه أن يتقبل آلامه و معاناته كما لو أنها مهمة مفروضة عليه، وهي مهمة فريدة ومتميزة و عليه أن يعترف بالحقيقة بأنه حتى في المعاناة فهو فريد و وحيد في الكون لا يستطيع أحد أن يخلصه من معاناته أو يعاني بدلاً منه ففرصته الفريدة تكمن في الطريقة التي يتحمل بها أعباءه و متاعبه” ، في البداية نظر بطلنا في هذه الرواية الكونت روستوف إلى تلك العقوبة على أنها (أقسى من النفي خارج البلاد، لأن النفي داخل بلادك يعني أن المنفي لن يستطيع بدء حياة جديدة)، و حاول مراراً وضع حدّ لحياته و لولا صدف صغيرة ،إشارات، عودة بالذات للواقع و مصارعته لنجح الكونت في الانتحار و لفشل الكاتب بالمقابل في جعل روايته تصل إلى قرابة ٦٠٠ صفحة و بالتالي لهذا التشويق و الإبداع و العالمية ! فكيف تفوق و تأقلم الكونت (ألكسندر روستوف) _عضو نادي الفروسية و الإبن الروحي لأحد مستشاري القيصر _على هذه العقوبة ؟ ببساطة بالإستيقاظ في السابعة و القيام بخمسة عشر تمرين قرفصة و خمسة عشر تمرين إطالة و بعد أن يستمتع بقهوته و بسكويتته و ثمرة الفاكهة (اليوم يوسفي) يجوب قاعات الفندق في رحلة مغامرات غير متوقعة مع نزلاء و موظفي الفندق الذين أصبحوا فيما بعد أعز أصدقاء الكونت، على مدار ثلاثين سنة سجن و عبر ٦٠٠ صفحة يطرح الكاتب الأمريكي( أمور تاولز) تساؤلات فلسفية حياتية عن العقوبة ، الزمن ، الوقت كيف أمضى أشخاص ضاعوا في البحر أو حكم عليهم بالسجن لمدة طويلة أوقاتهم و ماذا يعني لهم ٣٦٥ يوما ، الكل يجد طريقة ما لحساب الوقت و مرور العام يقول الكاتب ( إن حيواتنا تسيرها المخاوف؛ مخاوف كثيرة منها مزعج أو حتى مروع، لكن إذا ثابرنا وحافظنا على نقاء قلوبنا، قد ننال لحظة صفاء فائق، لحظة نرى فيها كل الوقائع التي وقعت لنا وهي تتخذ أماكنها في المسار الضروري للأحداث، بينما نضع أقدامنا على أعتاب حياة جديدة جسور طالما تمنيناها).
نينا ، صوفيا و آنا …..
محور القصة ، بطل الرواية، الشخصية الرئيسية في رواية جنتلمان في موسكو هو طبعا الجنتلمان الأرستقراطي الكونت (ألكسندر إلييتش روستوف) ، الشخصية الحكموم عليها بالإقامة الجبرية غداة نجاح الثورة البلشفية و نهاية العصر القيصري الروسي ، لابد لشخصية أرستقراطي روسي حكم عليه بأن تكون شخصية نرجسية ، متعجرفة ،صعبة متمردة و غير قابلة و مستعدة أيضا لهذا الحكم ، لكن الكاتب أراد أن يجعل من بطل روايته الإستثناء فأخرج لنا شخصية مرنة ، ذكية ،حاذقة و أيضأ محبوبة ، الصفة الأخيرة جعلت منه مركز إستقطاب باقي شخصيات الرواية و تعلقها به بشكل أو بآخر ، رابط الصداقة ، رابط الحب ، رابط الأبوة و بالتالي كان الجوهر الذي خلق بقية الشخصيات، و هي موجودة أولاً وأخيراً بسبب العلاقة التي تربطها مع البطل، حيث ساعدت كلاً منها على رسم أبعاد طبيعة البطل ، فظهرت لنا شخصية( نينا) الفتاة المشاكسة ، التي عرضت على الكونت صداقتها الطفولية المميزة و التي علمته بالتالي التلصص من شرفات غرف الطعام و الرقص ، و أخذته معها في جولتها للتعرف على غرف الفندق الخفية ،غرفة المؤونة، غرف القبو .. ، لتظهر بعد ذلك شخصية(صوفيا) إبنة (نينا) مع صوفيا كانت الأمر مختلف منحت الكونت شعورا و دوراً بالأبوة و منحت الرواية أحداثا و حيوية آسرة، شخصية (آنا) الممثلة الشهيرة التي عاش معها الكونت غراميات الحب دون مغادرة الفندق ، شخصية (ميشكا) الصديق الصدوق رغم نهايته المأساوية ترك ميشكا بعدا و تأثيرا كبيرا في شخصية الكونت و في الرواية ،الشيف و النادل اللذان أصبحا أعز أصدقاء الكونت و كأن الكاتب أراد أن يقول _من خلال رّص هذه الشخصيات _أن على المرء أن يتغلب على آلامه و معاناته بالصداقة و الحب.
إذا قلنا أن فكرة الرواية كانت طرف خيط إلتقطه الكاتب الأمريكى(أمور تاولز) فيجب علينا الإعتراف أيضا ببراعة هذا الأمريكي الذي تفوق و بجدارة في إختيار الزمن و المكان (روسيا البلشفية)مع وجود تفصيل مهم أعتقد أن له الدور المهم في خروج مثل هذه الرواية للنور و هو زيارة الكاتب الفعلية لفندق (المتروبول)سنة ١٩٩٨، بقي على عاتق الكاتب و على مخيلته الخصبة و على مخزونه التاريخي أن يضع القارئ في المكان و الزمان الصحيحين من خلال وصفه الحي الشيق و الجميل ترك القارئ يجوب غرف فندق المتروبول من البياتسا إلى البويارسكي مع الإستمتاع بمقاطع موسيقى أشهر موسيقي روسيا ( تشايكوفسكي ).
يقول أمبرتو إيكو:(إن الرواية العظيمة هي التي يعرف مؤلفها متى يسرع ومتى يتوقف ؟.. وكيف يقدر درجة الوفقات أو الإسراع ضمن إيقاع أصلي ثابت) شخصية كشخصية الكونت( ألكسندر روستوف )كان لابد لها من لغة خاصة و إيقاع خاص إستثنائي و هو ما برع فيه الكاتب من خلال لغته الرشيقة الجميلة و روحه الخفيفة التي يستشفها القارئ من خلال عباراته و ألفاظه التي تظهر جليا في تحركات الكونت و حواراته الرائعة المدروسة ، في مقتطفٍ جميل من الرواية يقول تاولز (إلى أن لحق حارس الدقائق واسع الخطى ،فجأة بشقيقه متقوس الساق عند قمة لوحة الأرقام، فور أن تبادلا العناق ،ارتحت النوابض داخل كسوة الساعة ، ودارت العجلات ،و سقطت المطرقة المنمنمة مطلقة أولى النغمات الرخيمة التي تشير إلى بلوغ الظهيرة ) و كأنك تستمتع بقراءة قصة آلس في بلاد العجائب ،بلغة رشيقة ، مسلية و أحيانا عميقة و ذات مغزى يأخذنا في سرد ممتع و رسم متقن للفندق ،للشخصيات و الأحداث المتسارعة الشخصية (الكونت )و التاريخية المصيرية الرهيبة في حياة روسيا القيصرية و البلشفية أن صح التعبير.
ربما نتفق _من دون شك _في تفوق الكاتب في إتقان و صقل شخصية الكونت (ألكسندر إلييتش روستوف) لكن هل يمكننا أن نقول أيضا أن (أمور تاولز) تفوق على نفسه في خلق و كتابة رواية تتخذُ من حقبةٍ زمنية معينة و حساسة و بقعة مكانية خاصة، مجالاً و موضوعاً لروايته و هو الأمريكي الأصل و المولد و الثقافة ؟ سؤال كدت أجزم إجابته( و قد يختلف معي قراء هذه الرواية و قد يتفق ) لولا تفصيل مهم و دقيق للغاية هو النزعة الأمريكية التي لاحظتها من خلال خلق شخصيات و أحداث غيرت مجرى الرواية في جزئية منها أتركها و أترك قراء الرواية تأكيدها أو نفيها.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0