فكر فلسفة مختارات مقالات

الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة

خرابيش فلسفة (25)
أرسطو (6)
الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة

بقلم: د. وسام الدين محمد

مثلت ميتافيزيقا أرسطو أحد أكثر الأعمال الفلسفية تأثيرًا في تاريخ الفكر الإنساني عامة، وهي عبارة عن مجموعة من أربعة عشرة رسالة، ألفها أرسطو أو أملاها على تلامذته، أما عنوان هذه المجموعة من الرسائل؛ الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة؛ فلم يصكه أرسطو نفسه، بل هو غالبًا من ابتكار قيم الليسيوم أندرونيكوس الرودسي الذي قام بنشر أعمال أرسطو في النصف الأول من القرن الميلادي الأول، ويذهب مؤرخو الفلسفة إلى أن أندرونيكوس الرودسي قد اختار هذا الاسم إشارة إلى المكان الذي شغلته هذه الرسائل من مكتبة الليسيوم، وراء الرسائل المتعلقة بالبحث في الطبيعة؛ بينما يذهب بعض مؤرخي الفلسفة إلى أن عمل أندرونيكوس الرودسي تجاوز مجرد تسمية هذه الأبحاث باسمها وإعادة نشرها، بل ربما كان قد جمعها من مواضع عديدة ومختلفة من كتابات أرسطو على أساس التشابه الموضوعي بينها؛ ومع ذلك فإن على الرغم أن رسائل ما وراء الطبيعة لا يمكن النظر إليها باعتبارها عملًا واحدًا، إلا أنه لا يمكن تجاهل أنها تمثل وحدة موضوعية واحدة، موضوعها ما يسميه أرسطو نفسه بالـ (الفلسفة الأولى) أو ربما (الإلهيات).

ما هي ما وراء الطبيعة الأرسطية

كان موضوع الوجود من الموضوعات الأساسية في الفلسفة اليونانية منذ بدايتها، ولكن الفلاسفة قبل سقراط ركزوا في تناولهم هذه المسألة على الإجابة على أسئلة يمكن أن نسميها الحين بأسئلة سطحية، مثل مما يتكون الوجود؟ وما هو النموذج الذي يفسر هذا الوجود بناء على ما يكونه؟ مثال ذلك ما كان يراه طاليس من أن الوجود مصنوع من الماء، وأن ما نراه من مواد جامدة وسائلة وغازية إنما هي أشكال مختلفة للماء حدثت نتيجة تأثير التجمد أو الحرارة؛ أما أفلاطون، معلم أرسطو، فكان قد عالج مسألة الوجود في محاوراته بطريقة مختلفة عمن سبقه، صاعدًا بجدله من الوجود المادي المحسوس إلى وجود مجرد عقلي خالص، إلا أنه، لا فلاسفة ما قبل سقراط ولا أفلاطون نفسه، حاول أن يجيب على السؤال الذي ينبغي أن نبدأ به (ما هو الوجود نفسه؟).

عالج أرسطو مسائل بنية الوجود ونشأته والقوانين الحاكمة له في رسائل مختلفة تحت عناوين الفلسفة الطبيعية والتي ناقش فيها موضوعات الطبيعة والجيولوجيا والفلك والأحياء، ولكنه أفرد رسائل ما وراء الطبيعة للإجابة على سؤال ما الوجود؛ ويظهر استقراء هذه الرسائل أن هدف ما رواء الطبيعة في فهم أرسطو تعيين صفات الوجود نفسه التي تميزه وترسم صورته؛ فما وراء الطبيعة عند أرسطو لا يعني بالعلة والغاية، فالعلة والغاية لا تعني بالموجودات العقلية المجردة من المادة مثل المفاهيم الرياضية والهندسية، بينما ما وراء الطبيعة تعني بصفات الوجود نفسه، سواء كان وجود مادي أم عقلي مجرد، وجود مؤقت أم دائم.

نقد مثل أفلاطون

كانت نقطة البدء لأرسطو التي خاض منها بحر ما وراء الطبيعة، نقده لنظرية المثل لأستاذه أفلاطون. وفقًا لأفلاطون، فإن ما نراه من موجودات فيما نسميه الواقع، إنما هي محاكاة لمثل أعلى في عالم عقلي مجرد صرف، وهي محاكاة ناقصة مبتذلة لهذا المثل الأعلى، فهناك مثل أعلى للإنسان في عالم المثل، والبشر في عالم الواقع إنما هم محاكاة ناقصة للمثل الأعلى للإنسان، ويتبدى نقصه إنسان الواقع عن إنسان المثل في مظاهر عدة منها أنها أنه يمرض ويموت ويفنى.

أعترض أرسطو على نظرية استاذه، ورأى أن البشر كان ينبغي أن يكونوا متطابقين لو كانوا انعكاسً لمثلٍ واحد، ولكن البشر يختلفون فيما بينهم، ولو جمعنا البشر المتشابهين في مجموعات، لحق أن يكون أفراد كل مجموعة انعكاس لمثل أعلى، ولكن داخل كل مجموعة يختلف الأفراد فيما بينهم، وبذلك يصل أرسطو إلى نتيجة مفادها، أن كل إنسان انعكاس لمثل أعلى، وبالتالي لا حاجة للمثل الأعلى إذا كان كل إنسان متفرد بذاته، وبالمثل فكل موجود متفرد بوجوده؛ وقد ساق أرسطو العديد من الحجج التي أيد بها رفضه لنظرية أفلاطون حول المثل، معتبرًا أن نظرية المثل ما هي إلا خيال شعري ولكنها لا يمكن أن يعتمد عليها في تفسير الوجود.

المادة والصورة

قرر أرسطو أن أي موجود مكون من مادة لها صورة، أما المادة فهي ما صنع منها الموجود، فالطين مادة القرميد؛ والموجود نفسه قد يكون مادة موجود آخر، فالطين مادة القرميد، والقرميد مادة الجدار؛ وتتخذ هذه المادة صورة تحددها، والصورة ما نتعرف به على الموجود، إذ أن صورة الموجود هو ما تدركه حواس الإنسان؛ أي أنه مصطلح يشمل كل ما يمكن إدراكه حسيًا مثل الشكل واللون والرائحة والملمس؛ وصورة الموجود تجري عليها عوامل التغيير باستمرار، فطاولة من الخشب يمكن أن يتلف بالتعفن والتسوس، ومن ثم تتغير صورته.

ويطبق أرسطو نظريته على الكائنات الحياة، فيذهب إلى أن الكائن الحي يتميز عمن هو دونه من كائنات غير حية بأن له روح أو نفس، وهذه النفس هي صورة للحياة، بينما مادتها الجسد؛ والروح خاصية الحياة الأساسية، لا خاصية الجسد؛ فالجسد قد يكون سليم معافي، ولكن إن سلبت منه هذه الروح فقد خاصية الحياة، ولا يمكن أن نستدل من استقراء أعمال أرسطو إذا كان قد أعتقد أن الروح يمكن أن توجد مستقلة عن الجسد أم لا، ولكنه ينفي ما ذهب إليه الفيثاغورثيين من إمكانية حلول الروح في أجسام متعددة.

الحركة والمحرك الذي لا يتحرك

ويلعب التغير أو الحركة دورًا أساسية في فهم أرسطو للوجود؛ فيكاد يكون التنوع في الوجود سببه الحركة أي التغير والتبدل المستمر في الصور، ولذلك يتناول أرسطو الحركة بالتفصيل في رسائله حول ما وراء الطبيعة؛ وهو يميز بين نوعين من الحركة؛ الحركة المحتملة، والحركة الواقعة؛ فأما الحركة المحتملة فما يمكن أن تقوم به الموجودات من حركة إذا توفر ما يلزم من شروط هذه الحركة؛ فالحبة إن وضعت في  التربة الصالحة وتهيأت لها أسباب النمو، فإنه من المحتمل أن تنمو ولكن ليس من اللازم أن تنمو، فالنمو حركة محتملة؛ بينما الحركة الواقعة ما تقوم به الموجودات؛ فإذا نمت الحبة، فإن هذا النمو قد أصبح حركة واقعة.

وكل حركة تقوم بها الموجودات، إنما تنشأ بتأثر موجود آخر عليها؛ ولكن جميع الموجودات تتبادل التأثير فيما بينها، لذلك فالموجود المتحرك هو بالنسبة لموجود آخر موجود محرك، ولهذا فإن الوجود في حالة حركة مستمرة ودائمة؛ ولكن تسلسل الحركة من موجود إلى آخر لا يمكن أن تكون بلا نهاية، فقد أعتقد أرسطو أنه لابد أن يكون هناك محرك أول، أثر على الوجود ونتجت عنه الحركة الأولى، ولذلك فإن هذا المحرك لم يسبقه محرك آخر، ولذلك هو محرك لا يتحرك أو الإله. ولكن كل حركة لابد أن تؤول إلى سكون، ولذلك فإن حركة الموجودات لابد أن تنتهي بالسكون، ورأى أن جميع الموجودات تطمح لأن تبلغ في حركتها حالة السكون الأولى، وذهب إلى أن أسمى أشكال الحركات هي الحركة الدائرية مثل حركة الأجرام السماوية.

مفهوم الألوهية عند أرسطو

تصور أرسطو الإله بأنه أصل كل الموجودات، فهو من ناحية المحرك الأول الذي لا يتحرك، والذي سبب الحركة، ومن ناحية ثانية، فإن الإله مثال كامل عقلي مجرد لا مادة له؛ ولما كان إله أرسطو عقلي مجرد، فإنه لا يحرك الموجودات بتأثير مادي، ولكن بتأثير رغبة في هذه الموجودات لأن تؤول إلى محركها الأول، والأصل النقي والمجرد للعقل، ولذلك فإن حركة الموجودات التي تطمح للسكون، إنما هي تطمح للسكون في حالة من التأمل العقلي في مقام الألوهية. فإله أرسطو مصدر حركة الموجودات، وإليه تطمح، وهو مستقل عن العالم المادي؛ كما لم ينسب إلى إلهه أي صفات مثل الرحمة أو القدرة أو اللطف؛ وفي العصور الوسطى، سوف يحاول الفلاسفة المسلمون والمسيحيون التوفيق ما بين مفاهيم أرسطو عما وراء الطبيعة والروح والألوهية، وهو ما سوف ينتج عنه أشكال مختلفة من الفلسفات الدينية.

د. وسام الدين محمد

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0