قادة وأعلام مختارات مقالات

في ذكرى رحيل فكتور هيجو

عربة الموتى التي مشى ورائها شعب باكمله

بقلم: علي حسين

في الخمسين من عمره أصبح لاجئاً سياسياً ، لقد سجن ولداه ، وانزوى في غرفة بمدينة بروكسل البلجيكية يكتب من الصباح الى المساء، في اندفاع وحماس مقالات في السياسة والاجتماع ، ويضع مخططاً لرواية جديدة ، كان البيت اشبه بالقبو مثلما كانت تسميه ابنته أديل ، إلا أن هذا القبو سبب القلق للحكومة الفرنسية التي طالبت بلجيكا ان يُرحل عنها ، فركب إحدى السفن التي نقلته إلى جزيرة جرنسي ، ليستقر فيها ويبدأ التخطيط لكتابة روايته التي ستجلب له المجد والشهرة ” البؤساء ” . يكتب جوزيه ساراماغو :” لو كان جان فالجان لصاً كبيراً لما كان موضوع رواية، بل لكان ظل موضوع تقرير شرطة عادياً. إلا أنه هنا قضية إنسانية لا مجرد بطل رواية أو حكاية، يتنقل مظلوماً في عالم من الفقراء والبؤساء والأيتام المشردين الذين لا ذنب لهم، يتفرج عليهم المجتمع دون أن يراهم” .

في مقدمة البؤساء يكتب فكتور هيجو :” ما دام هناك ، بفعل القوانين والعادات ، حكم اجتماعي دائم ، يخلق اصطناعياً وفي صميم الحضارة ضروباً من الجحيم ، ويؤزم بقدر إنساني مصطنع القدرالإلهي .. ما دامت مشكلات العصر الثلاث ، حيث تدهورت قيمة الإنسان في الطبقات الدنيا ، وسقوط المرأة بفعل الجوع ، وهزال الطفل بفعل الجهل ما دامت هذه المشكلات باقية لاتحل .. فسيبقى البؤس وستكون القوانين مسببة للهلاك الاجتماعي ”

يخبرنا أراغوان في مقاله الشهيرعن هيجو – ترجمه الى العربية عبد المطلب صالح – إن كتابة رواية البؤساء استمرت أكثر من ثلاثين عاماً حيث بدأ يخطط للرواية عام 1828 ، يدون في يومياته هذه العبارة :” الحرية سوف تشع من فرنسا، سيراها الجميع لا محالة، عدا فاقدي البصر” . وفي عام 1848 ينهي كتابة النسخة الأولى وكانت بستمائة صفحة ، إلا أن الأوضاع في فرنسا تمنعه من نشرها ، وفي المنفى ومن قبوه الرطب يقرر إعادة كتابتها لينجز النسخة الثانية التي تجاوزت عدد صفحاتها الثلاثة آلاف صفحة حيث ينتهي منها عام 1860 .

كانت الفكرة الأولى التي راودت هيجو هي كتاب عن الفقر والظلم الذي تتعرض له الطبقات المسحوقة ، وبدأ بكتابة الفصل الأول من الكتاب ، لكنه قرر في النهاية أن يحول الكتاب إلى رواية اجتماعية يبحث من خلالها ظلم العقوبات التي يفرضها القانون الأعمى ، كان قبلها قد كتب رواية ” آخر أيام محكوم عليه بالإعدام ، والتي هاجم فيها عقوبة الإعدام ودعى الى إعطاء الفرد فرصة البدء مجدداً من دون الحكم عليه بالشر النهائي. إلا أنه في البؤساء أراد أن يقدم شخصيات من واقع الحياة ، حيث نجد أنفسنا مع حكاية تبدأ أحداثها مع إطلاق سراح جان فالجان، الذي قضى تسعة عشر عاماً من حياته في السجن، خمسة منها لسرقته خبزاً لأخته وأطفالها الجائعين، والباقي عن محاولاته الهرب. بعد خروجه، يلتقي برجل دين يدعى ميرييل، الذي أخذ هيجو شخصيته من رجل دين حقيقي يدعى ” القس موالي ” وقد نشرت الصحف آنذاك حكايته مع سجين كانت تطارده الشرطة فقرر القس موالي أن يساعده ويرعاه ، والفرق الوحيد هو أن السجين الحقيقي لم يسرق آنية الكنيسة كما سرقها جان فالجان في رواية البؤساء .

تدور رواية البؤساء حول بطلين متناقضين : جان فالجان الخارج من السجن ، والخاضع لمراقبة الشرطة ، وجافير رجل الشرطة الذي يمثل القانون .. جان فالجان الذي يستلم بطاقة هوية صفراء خاصة بالمشبوهين ، يجد نفسه محاصرا بنظرات الناس وشكهم ، ليلتقي في النهاية برجل دين يعطف عليه ، وحين يسرقه وتقبض عليه الشرطة ، يخبرهم القس إنه أهداه الآنية الفضية ، يتأثر جان فالجان بشخصية القس ، فيقرر أن يغير اسمه ويبدأ حياة جديدة ، وتمضي السنوات ، ليغدو من أثرياء المدينة وأصحاب الأملاك، ثم يُنصبه أهل البلدة عمدتها، لكن الضابط جافيير الذي يعرفه منذ فترة سجنه لم يقتنع بأنه أصبح شخصاً أفضل ويحاول الإيقاع به، حتى اضطر إلى تسليم نفسه لحماية شخص بريء اتهمه الضابط بأنه جان فالجان، ليهرب من السجن ويعيش ما تبقى من حياته طريداً. واجه فالجان خلال سبعة وثلاثين عاماً ـــ المدة التي تستغرقها الأحداث ـــ قوتين: قوة القانون والدولة، وقوة الخارجين عن السلطة، غير أنه ينتصر على القوتين بصبره وقوة إرادته وإيمانه بالحق، مثلما انتصر فكتور هيجو على المنفى لينتهي من روايته عام 1861 ، حيث يقدم ناشر بلجيكي عرضا مغريا ثلثمائة ألف فرنك ، مقابل استغلال حقوق النشر لمدة اثني عشر عاما ، وهو مبلغ لم يحصل عليه هيجو من قبل .. إن ملحمة الفقر الشهيرة جلبت لفكتور هوغو ما عادل سبعة وتسعين كيلوغراماً ذهباً، أي ثلاثة ملايين جنيه استرليني اليوم. طبعت في بلدان أوروبية عدة في الوقت نفسه وسط حفاوة صاخبة استنكرتها شارل بودلير الذي رآها رواية ” ” قذرة وغير بارعة ” .

كانت عدد نسخ الطبعة الاولى خمسة آلاف نسخة بيعت بعد ثلاثة ايام ، ليقرر الناشر ، ومع تزاحم الناس على شراء الرواية أن يطبع مئة ألف نسخة ، وما أن تصل النسخ الى باريس حتى يكتب عنها الروائي والناقد تيوفيل غوتيه إنها :” ليست رواية جيدة ، وليست رواية رديئة ، فهي ليست من خلق انسان ولكنها ظاهرة من ظواهر القوى الطبيعية .. إنها ملحمة في النقد فيها دفعة المحيط ولها عمقه .. انها حمم تتدفق فتبرز تماثيل بالغة الضخامة وتتوهج نيرانها ” .

يكتب فكتور هيجو في يومياته :” من بين الكتب المتعددة التي كانت موجودة في ساحة عملي وأنا أكتب البؤساء ، فإن الكتاب الذي كنت أمعن النظر فيه كثيراً ، وأشغل نفسي به بشغف هو كتاب جان جاك روسو ، في العقد الاجتماعي ، إن روسو في هذا الكتاب أحرق كل شيء ” . يركز هيجو على موضوعة القانون التي طرحها روسو في كتابه والتي كان يريد من خلالها أن يؤكد إن للقانون وحده يعود الفضل في العدل والحرية ، وهو وحده الذي يجعل الناس أحراراً ، يكتب روسو :” إن المشكلة الكبرى في السياسة ، وهي المشكلة التي أقرِنها بتربيع الدائرة في الهندسة .. إيجاد شكل من الحكم يضع القانون والإنسان في مرتبة واحدة ” ، ويعلق هيجو إن القانون لايمكن أن يكون تعبيراً عن إرادة تعسفية .

يعرف القراء العرب فكتور هيجو روائيا من طراز فريد من خلال اعماله الكبيرة ” البؤساء ” و ” نوتردام باريس ” ، ونادرا ما ترجمت قصائده الى العربية ، رغم ان كتب تاريخ الادب تضعه على راس قائمة اعظم شعراء فرنسا . عظيم بما تركه من حياة ومواقف ، وبتمثيله لعصره وتطوره من الملكية الى الحلم الاجتماعي للاشتراكية بعد ان تاثر بكتابات سان سيمون ، الى التنديد بنابليون الثالث الذي نفاه لمدة ثماني عشر سنة في احدى جزر انكلترا . وهو ايضا شاعر التناقضات الكبرى ، الشاعر المؤمن بالتاريخ الذي يقول عنه اراغون انه اراد ان يجذر التاريخ في الشعر والشعر في التاريخ ، ظل هيجو يصف نفسه بشكسبير فرنسا ويكتب في كتابه ” رسائل واحاديث من المنفى ” – ترجمه الى العربية احمد رضا محمد – :” لماذا لا يكون لفرنسا يوما ، شرف احتواء شاعر يكون حيال شكسبير ما هو نابليون بالنسبة الى شارلمان ؟ ، وفي احدى رسائله يصرح بانه خلق ليعادل ” لامارتين ” ولعل ابرزالقصائد التي كتبها هيجو كانت اثناء المنفى الطويل ، حيث كان الشعر بالنسبة له متنفسا .

ولد فكتور هيجو في السادس والعشرين من شباط عام 1802 لعائلة من الطبقة الارستقراطية ، كان والده قائدا عسكريا ، وقد اصطحبه معه الى ايطاليا واسبانيا ، فاحتفظ الصبي ” هيجو ” بذكريات جميلة عن هذه المدن المشمسة ، ولما بلغ العاشرة من عمره جيء به الى باريس ليسكن في منزل هادئ ، وبدأ يستعد مبكرا لتنمية موهبته الادبية ، ، وذلك عن طريق قراءة الكتب التي كانت تملأ جدران البيت ، ليبدا بكتابة اولى محاولاته الشعرية معلنا انه أما ان يكون شاتوبريان او لا يكون شيئا آخر ، كان فكتور هيجو قد قرأ فصولا من مذكرات شاتوبريان التي صدرت عام 1815 واطلق عليها اسم “مذكرات من وراء القبر ” قدم فيها صورا قاسية لما مرت به حياته وتقلبات الزمن معه يكتب شاتوبريان: إنني أكتب، أساساً، لكي أرسم لنفسي جردة حساب عن حياتي. فأنا أريد قبل أن أموت أن أعود إلى أجمل سنوات حياتي وأن أفسر لنفسي مسار فؤادي العصي على التفسير ” ، كان شاتوبريان ( 1768- 1848 ) قد عاش حياة مضطربة ، طفل مشرد ، ثم لاجيء في امريكا ، ، وبؤس في لندن ، عاش عزلة خاصة ، رفض ان تنشر مذكراته اثناء حياته ، وباع المخطوطة بمبلغ كبير ، مما دفع الناشر ان يبيع فصولا منها للصحف ، وقد اثارت المذكرات ضجة كبيرة حيث صور فيها العديد من الشخصيات التي مرت في حياته ، مستخدما كل مهاراته لكي يقدمهم على صورتهم الحقيقية . في منفاه الذي استمر نحو عشرين عاماً حاول فكتور هيجو ان يقدم رسائل سياسية واجتماعية من خلال الشعر ، وكان ابرز ما كتبه ديوان ” التأملات ” الصادر عام 1856، الذي يستعيد من خلاله المآسي التي رافقت حياتها وكان ابرزها غرق ابنته وزوجها في نهر السين ، ولهذا يصف النقاد ” التأملات ” بانها ليس ديوان شعر، بل كتاب يعرض من خلاله هيجو مصير الانسان ، ويرسم خطا بيانيا لمراحل حياة البشر باكملها ، تلك الحياة التي تخرج من ” لغز الولادة ” الى ” لغز الموت ” . العام 1859 يعلن نابليون بونابرت الثالث العفو العام ، وكان جواب هيجو على هذا العفو :” ساعود الى فرنسا عندما تعود الحرية ” . يعود الى فرنسا في اليوم التالي لاعلان الجمهورية الفرنسية الثالثة ، عام 1871 ينتخب نائبا عن مدينة باريس ويواصل نشاطه السياسي من اجل العفو عن جميع السجناء ، يعاني من من موت زوجته واثنين من أبنائه . يتعرض الى ازمة قلبية ويكتب يكتب وصيته :” اقدم خمسين الف فرنك الى الفقراء ، اريد ان احمل في عربتهم الى المقبرة ، ارفض صلوات جميع الكنائس . اطلب صلاة البشر .اؤمن بالله . بعدها بيوم يخبر المقربين منه :” لا اريد ان يحضر ماتمي اي كاهن “. في ” 22 ” ايار عام 1885 يعلن عن وفاة فكتور هيجو ، يقرر مجلس النواب اجراء تشييع رسمي ، وان يعرض جثمانه تحت قوس النصر .. ضجت فرنسا عند سماعها خبر رحيل اعظم كتابها ، طوال يومين مرت الجماهير من امام جثمانه المعروض تحت قوس النصر . فرنسا باكملها مشت وراء الجنازة ، بلدية باريس تقرر دفنه في مقبرة العظماء في ” البانثيون ” الى جانب فولتير وروسو .

تنقل هيجو في اراءه السياسية من الاشتراكية التي نادى بها عام 1829 ، الى حرية الفكر التي اكد عليها في مقدمة مسرحيته الشهيرة هرناني ، حيث نادى بالحرية في الفن والحرية في المجتمع ، وفي المقدمة التي كتبها لروايته ” عمال البحر” يؤكد : لقد كان الشاعر يقول الجمهور . اما اليوم فانه يقول الشعب ” . يتحول من اشتراكية سان سيمون الى الاشتراكية الديمقراطية التي نادى بها برودون ، لكنه يرفض الشيوعية التي كان يمثلها إتيان كابيه الذي كان يسعى لانتاج شيوعية في فرنسا .يكتب هيجو :” نعم اريد ان تدخل روح الجماعة داخل المجتمع وتنشطه . ولكن هناك وسيلتين لفهم هذه الفكرة المثالية ، فهناك من يريد ان يصنع من المجتمع الانساني عائلة كبيرة ، وهناك من يريد ان يصنع منه ديرا كبيرا ” .

من بين الاعمال الروائية التي شغف بها القرار رواية ” نوتردام باريس “، والتي بدأ بكتابتها في الخامس والعشرين من تموز عام 1830 وهو يصف دخوله الى الروايه ” كما يدخل المرء الى السجن ” ينتهي من العمل في الثامن عشر من كانون الثاني عام 1831، وكان قبل الكتابة قد تفرغ ثلاثة اعوام لجمع البحوث عن فترة لويس السادس عشر ، وذهب يجري معاينة يومية لكاتدرائية نوتردام . فكرة الرواية تتعلق بحياة هيجو وافكاره في الحب والتضحية ، حيث نجد المنافشة الثلاثية في الصراع بين القس والاحدب ورجل الشرطة حول الفتاة الغجرية “إزميرالدا” التي تعيش من اجل الرقص والسير مع عنزتها في ازقة المدينة ، وبسبب جمالها يعشقها كل من القس كلود فرولو وضابط الشرطة فوبوس دي شاتوبير ، حيث يشتد الصراع بينهما ، فيقرر القس وضع خطة لقتل النقيب ، لكن الخطة تنكشف ، فنجده يسعى للعثور على متهم ، وكان لا بد من الانتقام من “إزميرالدا”، حيث ليس أسهل من اتهام تلك الحسناء الغريبة بالجريمة ، وبكونها ساحرة تريد افساد المجتمع ، لتقدم امام محاكم التفتيش . لكن سرعان ما يظهر الأحدب “كوازيمودو” الذي يعيش في الكنيسه ، وقد كانت “إزميرالدا” تشفق عليه وتتعامل معه إنسانياً وما ان يراها تقاد الى المحكمة حتى يقرر انقاذها والههرب بها بها داخل الكاتدرائية وزواياها التي لا يعرفها أحد غيره. وسرعان ما تثار ضجة في باريس فيقرر مندوب الملك لويس الحادي عشر ارسال فصيل من الشرطة للبحث عن “إزميرالدا” وما ان يتم العثور عليها حتى تقدم الى المحكمة التي تصدر قرارا بحرق “الشيطانة الساحرة” ، وفي الوقت الذي تشتعل النيران في جسد الصبية يتقدم ” الاحدب ” ليطفئ النار بعد ان رميت الجثة في حفرة مليئة بالجثثث المحترقة بفعل محاكم التفتيش.

خلال حياته التي تجاوزت الـ ” 80 عاما ناضل فكتور هيجو من اجل ان يجعل مستقبل الانسان افضل :” لقد كان امس حزينا ومازال اليوم كذلك وسيكون الغد اسوأ ، فعلينا ان نرفض هذا الانهيار البطيء ، وان نقول ( كلا ) ، وان نطلق كلمة ( كل شيء ) لانها تعني الثورة :

كل شيء

يسقط الطغاة

ويبقى الرجال واقفون.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0