مختارات مقالات نصوص أدبية

هل تعود الحياة في غزة بعد الحرب إلى طبيعتها بهذهِ السرعة ؟

هل تعود الحياة في غزة بعد الحرب إلى طبيعتها بهذهِ السرعة ؟
بقلم/ د. آلاء القطراوي
يعودُ كلُّ شيءٍ إلى طبيعته، هذهِ هي الحقيقة ، تعود النساء إلى مصائدهنَّ الكيدية، والأزواج لممارسة ذكورتهم البشعة، الباعة إلى تجوالهم الشاقّ بين المنازل وهم يزعقون لتوفير قوت أطفالهم، المحاكم وهي تفضّ نزاعات البغضاء بسبب الميراث بين الأشقاء، الأطباء وهم يتأنقون حين يضعون عطر 212 ويعودون إلى دورهم الطبيعي في المشفى دون الاستنفار على الأدراج وعلى بوابة قسم الطوارئ ينتظرون المصابين، المراهقون والمصابون بقلوبهم إلى سماع أغاني عبد الحليم،صدقوني تستطيع موسيقاها أن تزاحم ذكريات الحرب وأن تجد مساراً لائقاً في ليلة صافية، السوشلجية وهم يقومون بحملات دعائية للطبخ والمكياج والمحلات التجارية، وأكره هذا الأمر جدّاً بالمناسبة، لأننّي أشعر أن الإنسان يقلّل من دوره في هذه الحياة.
المنشورات في الفيسبوك إلى طبيعتها جداً، ترند #مقصودة والغمز واللمز إلى التصدّر، حفلات أعياد الميلاد إلى زينتها المفرطة، وقد تقوم إحداهنّ بحفلة تكريم وتصنع قطعة كيك تسيل منها كريما حمراء في إشارة لدماء الشهداء النازفة، وتكرّم والدها الشهم الذي ساهم في عمليات الإنقاذ فوق الركام الذي مازالت رائحة دماء الشهداء وأشلاء الأطفال تفوح منه، أكثر ما بتّ أكرهه في الحرب استجداء الشهرة، أكره ذلك الضوء الذي يحفّني لأنني كتبت مقالاً عن براء المسكين الذي مازال يودّع أبوه كل صباح وليلة، مَنْ أنا لأحصد شهرةً وفيرة بسبب دموع طفل صغير قلبه مخلوع ومازال، نعم يعود كلّ شيء إلى طبيعته في غزّة، فتيات الجامعة إلى مراياهنّ الصغيرة في جيوب محافظهن وهنّ يسترقن النظر إلى أناقة كحلهن، وتصفيف حجابهن وصفاء بشرتهن، الطرقات إلى تعبها اليومي، بوابات البطالة في وكالة الغوث إلى طوابير الخريجين العاطلين عن العمل، العيون إلى دموعها المؤجلة ، كلّ شيءٍ يعود إلى طبيعته.
حتّى أنا سأعود إلى حروبي الداخلية الخاصّة، إلى ممارسة أفعالي المضحكة البلهاء في بعض الأوقات، وقد أعود لأكتب الشعر بعد فترة انقطاع، وربّما أفكّر في العودة إلى نزاعي البطيء والطويل مع رسالة الدكتوراه، وأنا أحاول أن أعقد هدنة بيني وبين نصوص أدونيس المرهِقة والمكثّفة، نعم يعود كلّ شيء إلى طبيعته إلا حضنُ والد براء وهو يعانقه، ذلك الحضن الغزير بالدفء لا يعود، لا يعودُ أبداً .
May be an image of 1 person, standing, outdoors and text
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0