أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

رحمة الله التي منعت صاروخاً أن يقتل هي ذاتها من منحت حبيبين النجاة

بقلم: آلاء القطراوي
أمّا قبل / أمّا بعد :
فإنّ للكتابة اكتئاباً ، هو أن تكتئب لأنّك لا تكتب، وأن تكتئب لأنّك تكتب
وفي الحالتين لا تفسيرَ لتلك الحالةِ النفسية التي يعيشها كاتبٌ ما اعتادَ على ماتش الحرب كلّ عامين ، أعتذر لأننّي أقول كلمةَ اعتاد، فالموت ليس عادةً أبداً !
( اكتئاب أول )
الأب الذي احتضنَ قميص طفلهِ أسامة ذي الست سنوات بعد أن استشهد وهو يقول عبر مقطع مصوّر قصير: حبيبي يا أسامة
تلكَ النبرة في كلمة – حبيبي- ، ذوّبت جليدَ القطبين، وأرخت ضفائر الغيوم الرمادية على جبين الأرض، ولوّعت المطر في كلّ مراحل تكوينه، وأحرقت قلبي بعنف !
ولازال صوته يذبحُ أوردتي وهو يقول حبيبي يا أسامة .
( اكتئاب أول آخر)
أبٌ يقول سمعتُ ابنتي دانا تقول لي: بابا من تحت الركام، وأنا سقف المنزل فوق صدري وهنالك عمود فوق يدي، حتى انقطعَ نفسها فعرفتُ أنّها انتقلت إلى رحمةِ الله
ذلك النداء الأخير من دانة لا يرهق الطيّار الإسرائيلي
إنّه لا يزعج أناقة اجتماع مجلس الأمن
لا يجعل هاتف بايدن أكثر حرارة
نعم لا يفعل كلّ تلك الأمور، لكنّ ذلك الصوت يهتزّ له عرش الرحمن، وتجهش حوله الملائكة، ذلك الصوت هو هبة الله لعباده في الأرض، يخفت تدريجياً ليقف في السماوات عالياً جداً، هكذا أراهُ بقلبي، وهكذا أفهمه
يرحلُ كلّ شيء، وذاكرةُ الأبِ المسكين تستطيع صعق الزهايمر برائحة خفيفة لعطر دانة الخاص، عطرها الذي يشبه التصاق الأمن بالخوف
خوفها من الموت واحتياجها لأبيها ، ذلك الخوف الذي سيلاحق الأب، كيف يُشْفَى منه ؟
أتساءل جداً
فلا شفاء لذاكرة موجوعة !
(اكتئاب أول آخر بعد )
عاش الطفل عزيز بعد أن شهد موت عائلته كلّها تحت الركام
إنّ للأنفاس الأخيرة ذاكرة الاجتياح، فقد شاهد خروج أنفاس أمّه الأخيرة وأبيه وأشقائه جميعاً
نعم يبدو ذلك قاسياً
قاسياُ لأنّه لم يستطع أن يعيش قدسية الوداع !
نعم أيتها البشرية إنّ الوداع مقدّس حين يكون لأبٍ أو لأم أو لشقيق
فإنْ كان لهم دفعةً واحدة، كيف لذلك القفص الصدريّ الصغير أن يحتمل ذلك الاحتدام الوداعيّ المكثّف ؟
إننّي لا أتساءل
لا مجال للأسئلة !
إننّا كفلسطينيين لا نُمنَح الوقت لنسأل، دائماً تكون الإجابة سريعة وحاضرة وحقيقية جدّاً
إننّا فقط نشفق على أنفسنا، نشفق جداً لأننّا يجب أن نعيش ذلك كلّه ونظهر بأننا أقوياء للغاية، لسنا كذلك، إننّا مكلومون وأطراف قلوبنا ترتجف وذاكرتنا مُصابة بألف شظية ومليون صاروخ ومليار صرخة
( اكتئاب أول آخر وليس أخيراً )
السرير : لحظة الحبّ الخالدة
صاروخ يزن طنّاً : لحظة الموت الخالدة
السرير النهديّ الأنيق وفوقه الصاروخ الرماديّ البشع
إنّها رحمة الله العظيمة
رحمة الله التي منعت صاروخاً أن يقتل هي ذاتها من منحت حبيبين النجاة
والرحمة لها وجوهٌ عديدة ، إحدى أوجهها الأخذ كما أنّ إحدى أوجهها المنح
ويبقى إيماني بحكمة الله في كونه راسخاً
ويبقى القلب معلقاً في تلك القبة الذهبية إلى أن ندخل المسجد كما دخلوه أول مرّة
الكتابة قاسية جداً
الكتابة حقل ألغام، لا تصيب القارئ بقدر ما تصيب الكاتب !
ويستمرّ حريقكِ يا غزّة في صدري
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0