ادارة و اقتصاد مختارات مقالات

ما بين العملة الطينية والعملة الرقمية

ما بين العملة الطينية والعملة الرقمية
“تعددت الاشكال والنقد واحد”

بقلم/ عبدالرحمن عبدالله
باحث في الاقتصاد السياسي وشؤون الطاقة
هيوستن، تكساس

١. في خضم الانهيار المفاجئ الذي تتعرض له العملات الرقمية، بدأ الجميع يتساءل، “هل هذه نهاية لغز العملات الرقمية”.

٢. اذا قدر لنا اخذ جولة عبر آلة الزمان، والابحار بها بعيدا في عمق الزمان الماضي. لوجدنا ان العملة قد خضعت لسلسلة من العمليات الجراحية التي غيرت مظهرها جملة وتفصيلا، لكن جوهرها لم يتغير كثيرا. لقد كانت الرحلة مثيرة، ما بين العملات الطينية الى المعدنية، بين العملات الفضية الى الذهبية، وما بين العملات الورقية الى بطاقات الائتمان.

٣. نقل عن الامام مالك انه قال: “لو اتخذ الناس عملة من جلود لكرهت ان يتعاملوا فيها بالربا”. لقد اثبت امام دار الهجرة انه يرى بنور الله، ويبصر ببركة العلم. لاغرو، فهو هنا يبحر في آفاق المستقبل ليخبر اقرانه ان العملات التي يتعاملون بها قد لا يكون لها ذكرا في القادم من الزمان. وانه سيأتي يوم تتخذ فيه عملات لا يتصورها العقل ولا يقبلها المنطق.

٤. عندما بدأت آلية التمويل عبر سندات الملكية Equity Based Finance في بداية القرن السابع عشر في كل من انجلترا وهولندا وفرنسا (وهي الالية التي مهدت لتطور البورصات) تعرضت اسهم الشركات الناشئة وقتها لانهيارات كبيرة. لكن ذلك لم يعني فشل النموذج the proposed model . فقد عكفت اسواق المال على تطوير هذا المنتج الجديد ووضعت من الضمانات والتشريعات ما جعله يصمد امام عثرات البدايات. حتى اصبح سوق الاسهم هو السوق المهيمن على الاقتصاد العالمي، متجاوزا سوق السندات (ولا يخفى على القارئ الكريم ان السندات اقدم تاريخا من الاسهم).

٥. اننا اليوم نشهد فصلا جديدا من فصول مسلسل العملات، وغني عن القول ان التطور التكنولوجي جعل من الممكن استحداث عملات رقمية، لا قيمة لها في ذاتها، لكن قيمتها تكمن في ايمان المتعاملين بها. لاشك عندي انه من الممكن ان تنهار بعض العملات الرقمية (والتي تجاوزت الالاف من العملات المختلفة) . لكن يقيني ان هذه الانهيارات ستدفع الى المزيد من التطوير والتحديث والتقنين لهذا النمط الجديد من العملات.

٦. عندما ظهرت عملة ال Bitcoin في العام ٢٠٠٨، سخر منها دهاقنة المال والاعمال وراهنوا على سذاجة فكرتها. لكن في نفس العام تعرضت اسواق المال الى اكبر انهيار في التاريخ الحديث، تجلت احدى نتائجه في فقدان الثقة في النظام النقدي العالمي على وجه العموم، والدولار الامريكي على وجه الخصوص. كما ان المتعاملين في السوق أخذوا يجأرون بالشكوى من عمليات المراقبة التي يتعرضون لها، وبدؤا في البحث عن عملة تمنحهم قبعة الاختفاء.

٧. لست ازعم هنا ان الانهيار الذي تعرضت له العملات الرقمية ابتداء من منتصف الاسبوع الماضي هي من قبيل ال cyclical movement وان اسعارها ستعاود الصعود، فقناعتي ان عددا من تلك العملات ستذهب الى سلة المهملات. لكن التاريخ يخبرني ان العملات الرئيسية منها ستصمد، وان البنوك المركزية لن تجد بدا من التعامل معها واصدار التشريعات التي تمنحها قبلة الحياة.

٨. بقي ان نقول ان صراع النفوذ والهيمنة بين القطبين الامريكي والصيني سيكون له بعض التأثير على مستقبل العملات الرقمية، ليس من حيث القبول بجوهرها، لكن من باب التنافس ودعم العملات المطروحة. لن تقبل الصين بال Bitcoin فهي ترى فيه سلعة امريكية ليس الا. لذا فإننا غالبا ما نشهد ميلاد عملة الكترونية جديدة تكون للحكومة الصينية فيها شكلا من اشكال السيطرة.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0