سياسة مختارات مقالات

إخوانوفوبيا العلمانيين والمطبعين العرب

بقلم/ د. رفقة شقور

في اليوم العاشر من أيار/مايو قررت جماعة المعبد الصهيونية المتطرفة اقتحام ساحات المسجد الأقصى لأداء صلواتها التوراتية إيذاناً منها ببدء التقسيم المكاني والزماني للمكان، وكان قد سبق ذلك دعوات حاشدة للمستوطنين اليهود المتطرفين لذلك الاقتحام.

رداً على ذلك رابط آلاف الفلسطينيين والفلسطينيات من كل الأعمار في ساحات المسجد الأقصى منعاً لذلك المخطط الذي يعد خطوة احتفالية من قبل تلك الجماعة بإحلال الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى، وأسندت قوات الاحتلال الإسرائيلي من جيش وشرطة ذلك المخطط، فحاولت قمع المرابطين والمرابطات في المسجد الأقصى بالرصاص المطاطي والأعيرة النارية والقنابل الغازية والصوتية من أجل إرهابهم وإخلاء ساحات المسجد لجماعة المعبد الصهيونية المتطرفة.

حين اشتد القمع الذي استهدف الفلسطينيين في رؤوسهم وأعينهم وتم منع الفرق الطبية من مزاولة عملها مع المصابين، استغاث من هم تحت القمع والإرهاب المنظم لفرق الشرطة والجيش الإسرائيلي بغزة، أطلقت على إثر ذلك المقاومة الفلسطينية في غزة تحذيرا للجانب الإسرائيلي بإخلاء ساحات الأقصى وإطلاق سراح المعتقلين من المرابطين والمرابطات مقابل عدم توجيه ضربة لمواقع في كيان الاحتلال الساعة السادسة من مساء يوم العاشر من أيار/مايو.

لم ينفذ الجانب الإسرائيلي ذلك، فباشرت المقاومة ببدء ضربات صاروخية استهدفت مواقع للاحتلال بالقدس أدت إلى إلغاء تظاهرة جماعة المعبد وتم إخلاء ساحات المسجد الأقصى من قوات الاحتلال، منذ أن انطلقت العمليات العسكرية ثار جدل واسع حول توقيت تدخل المقاومة الفلسطينية في الوقت الذي حشدت فيه الحملات الإعلامية حملات تضامن واسعة دولياً.

تجاوز الأمر مجرد انتقاد تدخل المقاومة الفلسطينية وتم توجيه أسهم الاتهام لها بأنها تخوض مواجهة غير متكافئة مع كيان الاحتلال المتمكن عسكرياً بأفضل الأسلحة والمعدات، وتم اتهام المقاومة بأنها امتداد لقرارات ملالي طهران من قبل أطراف تزن كل التحركات على ميزان تحالفات وتشعبات إيران في المنطقة، وكأن حركة المقاومة الفلسطينية مرتهنة بالكامل للجانب الإيراني وأن من يحركها بالكامل هو القيادة السياسية في طهران وهذا عار عن الصحة.

تجاوزت الحملة تشويه أهداف المقاومة وتصويرها بأنها مسلوبة الإرادة والقرار، بالذات من الأطراف العلمانية العربية كذلك من قبل منظري التطبيع مع كيان الاحتلال من مرتهنين بعلاقات زبائنية مع أنظمة القمع العربية التي تجاهر بخطاب الكراهية نحو كل ما هو إسلامي والتي لديها بدورها إخوانوفوبيا من تنظيم الإخوان المسلمين، فذهبت تلك الأطراف بعيداً للوم الضحية الصريحة وهي الطرف المقاوم الفلسطيني على ردة فعله ومهاجمة فعالية سلاح المقاومة مقابل تفوق السلاح الإسرائيلي.

هذا الهجوم المنطبع بطابع أيديولوجي تم تصعيده في وقت المواجهة من أجل تشكيك الشارع الفلسطيني بخيار المقاومة ووجه برد مباشر من الشارع الفلسطيني، الذي خرج على امتداد فلسطين التاريخية في الناصرة وعكا ويافا وجنين وطولكرم ورام الله وفي مخيمات اللجوء والشتات دعماً لرباط ومقاومة الفلسطينيين على خط المواجهة المباشر مع الاحتلال في القدس وغزة.

تلك الأطراف المرجفة والمشككة بجدوى المقاومة صورت حركة المقاومة كما أنها تذهب في رحلة أو فترة نقاهة غير محسوبة النتائج وكأنهم يجلسون في منتجعات ولا يعرضون حياتهم وحياة عائلاتهم للخطر المباشر على خط المواجهة مع دولة الاحتلال التي لطالما استهدفتهم واستهدفت عائلاتهم بالاغتيالات المباشرة.

لم يأمل أحد ببداية الاعتداءات على حي الشيخ جراح والقدس تدخل المقاومة في هذا التوقيت، حيث انتظر الناس في القدس تحركاً على المستوى الرسمي المحلي أو العربي أو الدولي لإنصافهم ولم يتحرك ساكن، لكن لو أنّ جزءا كبيرا ممن يقيمون المقاومة ويفتون في عضدها وتدخلها ينتقدون بالقدر نفسه المسار السياسي منذ ربع قرن وما جرّه من خيبات وارتهان للاحتلال وعمالة رسمية بالتنسيق الأمني المذل للجانب الفلسطيني لشهدنا استقالات جماعية في صفوف مسؤولي السلطة منذ بدء حصاد التطبيع العربي وضغطاً على السلطة الفلسطينية التي لا تمثل آمال الشعب الفلسطيني ولا ترتقي لحجم طموحاته السياسية وتضحياته ومواقفها لا تمثل مواقفه من نظم الاستبداد والقمع في المنطقة.

من الطبيعي أن يعبر الناس عن رأيهم بخيار أو بتوقيت المقاومة، لكن عملياً في الحالة الفلسطينية وبسبب المسار السياسي الذي أنهك الفلسطينيين ولم يوقف عمليات التوسع الاستيطاني وعمليات تهويد القدس ولطول فترة ذلك المسار أصبح ينظر إليه على أنه هو الخيار الأصيل والمقاومة هي العنصر الطارئ وهذا مخالف لعقيدة حركات التحرر العالمي التي تكرس المقاومة بشكل دائم وبكل أشكالها سواء كانت عسكرية أو مدنية في تحقيق أهدافها السياسية لأي مرحلة في الوقت الذي تعتمد المسار السياسي بشكل طارئ.

المقاومة الفلسطينية في غزة وبعد التحالف من قبل أنظمة التطبيع العربية مع الاحتلال يتم التضييق عليها بالحصار الكامل منذ ١٥ عاماً، وعملياً على الأرض لم يتم فك الحصار عن غزة بالتضامن الدولي أو الطرق السلمية ولا تم التدخل وأخذ خسارات الناس في القدس على محمل الجدية من المحافل الدولية، إلا أنه في الساعات الأولى منذ بدء الرد زار عشرون قنصلاً أوروبياً خيمات المرابطين بالشيخ جراح واشتدت التحركات الدولية التي التفتت لما يواجهه الفلسطينيون بعد إهمال دولي طويل لتلك الملفات وعدم أخذ قيادات السلطة الفلسطينية التي تتمسك بأوسلو من طرف واحد على محمل الجد.

كذلك الذي حصل في الساعات القليلة الماضية عكس تحولا استراتيجيا لقدرة المقاومة الفلسطينية على استهداف مراكز الاحتلال وتجمعاته من داخل الأرض المحتلة، كل هذا حدث ضمن صراع إرادات أربك الجانب الإسرائيلي الذي أركن لعدم التحرك على المستوى العربي أو الدولي أو المحلي لوقف عدوانه على الشيخ جراح والأقصى ورداً على عمليات التهويد. أثبتت الساعات الماضية رغم الخسائر التي لا يمكن أن تدخل المقاومة المواجهة وهي تتعمدها كما وصفت الأطراف التي تهاجمها، وأثبتت المقاومة أن الممكنات الفلسطينية كثيرة بالذات أن التوحد التاريخي للتحرك أتى من مجمل فلسطين التاريخية.

كما سعت المقاومة بتدخلها للإخلال بمعادلة الاحتلال الذي اجتهد في حصار سلاح المقاومة في المنطقة العربية وفلسطين التاريخية، إلا أن المقاومة في غزة نجحت في توحيد الجماهير الفلسطينية وتحدي التقسيم الجغرافي الذي فرضه الاحتلال على الفلسطينيين في جميع أماكن وجودهم، وأظهر أنه يمكن إطلاق مشروع تحرري للفلسطينيين رغم ذلك التقسيم الجغرافي.

من جملة ما أهمله من يشنون حربهم الكلامية على المقاومة الفلسطينية وإمكاناتها أن الناس العزل في القدس كانوا في مواجهة أعتى ترسانة عسكرية وأن المستوطنين تدججوا أيضاً بالسلاح والحماية من قوات الأمن والشرطة، وأن القمع وإرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه دولة الاحتلال لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يواجه فقط بانتفاضة شعبية، حينها سيصبح الفلسطيني المسموع والمتضامن معه دولياً هو ضحية العنف المفرط فقط أو الفلسطيني الميت. فلا يمكن الركون أمام عنف وإرهاب دولة الاحتلال إلى تحرك جماهيري غير مسنود من المقاومة، فشرطة الاحتلال وفرق خيالتها سيئة السمعة عالمياً والشهيرة بمدرستها العنفية القمعية ليست شرطة سويسرية في مقابل احتجاج لمواطنيها.

التسجيلات واللقاءات التي عقدت من غزة عكست حالة من مساندة شعبية للمقاومة بخاصة من أهالي الضحايا، وكثير من تلك التسجيلات عبرت عن وعي من ظهروا فيها بحيثيات الصراع وإمكانيات المقاومة، في مقابل ادعاءات بأن المقاومة لا وجود ولا إسناد شعبيا لها، في حين تظهر تلك التسجيلات والتظاهرات أن الفلسطينيين بنسب كبيرة لا يمكن إنكارها تلتف حول ذلك القرار بخاصة أن المجتمع الدولي أخلف برعايته لاتفاقيات السلام التي لم تحترمها إسرائيل وراحت تثبت ما لم تحققه بتلك الاتفاقيات بقوة الإرهاب المنظم للدولة على الأرض.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0