أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

البيت الأندلسي البحث عن الهوية أو حلم العودة للديار؟

البيت الأندلسي البحث عن الهوية أو حلم العودة للديار؟
بقلم/ وفاء بونيف
الحنين ندبة في القلب ،،، وبصمة بلد على الجسد ،،،لكن لا أحد يحن إلى جرحه ،،، لا أحد يحن إلى وجع أو كابوس ، بل يحن إلى ما قبله ، إلى زمن لا ألم فيه سوى ألم الملذات الأولى …يقول درويش.
رواية البيت الأندلسي لواسيني الأعرج، هل هو هاجس البحث عن الهوية الضائعة، رفضٌ للنسيان، تشبث بالذاكرة الهشة ، محاولةٌ للقبض على قبس الرائحة المخملية التي عبقت ذات يوم ربوة شبه الجزيرة الإيبيرية…..أم هذا كله؟!
بدايةً تحكي الرواية قصة بيتٍ أندلسي قديم شيّده أحد الموريسكيين سيد أحمد بن خليل (غاليلو ألروخو) الفارّين من محاكم التفتيش غداة سقوط الأندلس، في القرن السادس عشر، و ذلك وفاء لحبيبته (سلطانة بالاثيوس)؛ يتعاقب على إغتصاب هذا البيت ، القراصنة الأتراك بعد عملية اغتصاب قاسية ضد صاحبته، وفي فترة الاحتلال الفرنسي يتحوّل البيت إلى أول دار بلدية في الجزائر المستعمرة؛ بعد الاستقلال يتكالب على البيت “ورثاء الدم الجدد” كما يسميهم الراوي، فيُحوَّل إلى كاباريه، ثم إلى ماخور مقنَّع، ومركز لعقد صفقات تهريب المخدرات والأسلحة وغيرها ، تريد السلطات المحلية بعد ذلك تهديمه لاستغلال مساحته الأرضية لبناء برج عظيم: برج الأندلس، (مراد باسطا) حفيد غاليليو ألروخو المتبقي من السلالة الموروسكيون ، يرفض فكرة التهديم لأنها في النهاية محو للذاكرة الجمعية.
سيظل( البيت )حاضرا دائما فى معظم الأعمال الأدبية كمسرح للأحداث و حاضنة المشاعر ، البيت هو نحن ،هو أماننا المنشود ،سقف الألفة ، الحب الذي نأوي إليه بعد أن نجوب شوارع الحرمان نهاراً، هو الدفء، لمسة الحنان الساترة لعيوبنا و نقائصنا،هو أيضا روح تسكن جدرانه و غرفه ، هندسته هي هويتنا هي بالأحرى تعريف لنا نحن بدون كلمات ،لمن نكون و ما كنا ذات يوم أيضا ، لهذا جاءت وصية غاليليو ألروخو لأبناءه «حافظوا على هذا البيت ، فهو من لحمي و دمي ابقوا فيه و لا تغادروه حتى و لو أصبحتم خدما فيه أو عبيدا … إن البيوت الخالية تموت يتيمة” ،لكن لواسيني الأعرج في هذه الرواية، رسالة أخرى يريد لهذا البيت أن يورثه للأجيال ،واسيني يُحَّمل البيت ،هذه الجدران المتآكلة ما لا تطيق من حمل و عبئ، يحمل البيت تاريخا ثقيلا ،هزيمة مخزية،يحمله ثقل هوية هشة لكنها صامدة تأبى الاندثار ، و يحمله أيضا حباً نقيا رافضا لكل التصنيفات ،كافرا بكل الأديان إلا دين الحب الوفي ، دين التسامح، و دين الإنسانية.
رغم تعدد تسميات البيت الأندلسي في الرواية : هذه الدار ، الخربة الرومانية ، البيت الأندلسي، كازا أندلوسيا، دار لالة سلطانة بلاثيوس، دار المحروسة، دار لالة نفيسة، دار زرياب ،إقامة الإمبراطور نابليون الثالث و زوجته، ملهى الضفاف الجميلة (كباريه بعد الإستقلال ) ….كلها أسماء صحبت البيت الأندلسي، آخرها “حلقة الضباع “عندما حاولوا سرقة البيت و هدمه لإقامة البرج الأعظم: برج الأندلس ، هي محاولات لسبي و إغتصاب للأقلية، هي سحق للآخر فقط لأنه لا يشبهنا لأننا كما يقول الشاعر: نخاف الإختلاف، الكل عمل (كما رأينا في البيت الأندلسي) على إحداث تغييره وفق منظوره و إيديولوجياته و أيضا أطماعه مع تجاهل لتاريخ البيت و هويته، بصفة أدق يقول الكاتب واسيني الأعرج عن بيته” البيت الأندلسي هو الوطن العربي ممثلا في الجزائر، هو جشع الطبقات الصاعدة التي لا تتوانى عن إزهاق الأرواح وتخريب البلد لحساب مصالحها الشخصية، هو البلادة العربية والوطنية الغائبة، هو التجارة باسم الدين وتطبيق الشريعة باسم المصالح.. حيث يبيع الرجال أوطانهم من أجل حفنة مال، ويدفنون التاريخ حين يعارض هواهم” فهل صدم هذا البيت في وجه التغيير المجحف و التعدي الصارخ؟!!
لا أدري لما صاحبتني في قراءتي لرواية البيت الأندلسي تلك الأغنية الشعبية التي رددناها في الصغر كثيرا رغم جهلنا معانيها و تاريخها إذ تقول تِكشبِيلة تِوليولها … ما قتلوني ما حياوني … داك الكاس اللي عطاوني … الحرامي ما يموتشي…جات خبارو في الكوتشي …)، الأغنية تتحدث و تصف بلسان الموريسكيين أو سكان الأندلس الذين تم تهجيرهم , مأساتهم و معاناتهم في طريقهم و هم يغادرون الديار مكرهين بعد سقوط اماراتهم الواحدة تلو الأخرى و ملاحقات الاسبان لهم لاخراجهم نهائيا من شبه الجزيرة الايبيرية التي تلت عمليات التنصير القسري الذي تعرضوا له لسنوات طويلة بعد سقوط امارة غرناطة آخر معاقلهم في بلاد الأندلس، للمفارقة كنا نردد الأغنية و كأنها ترمز للفرح و السرور بينما المتمعن لألفاظها و معانيها يدرك مدى الظلم والقهر الذي تعرض له المهجرون من الأندلس في تغريبة هي الأولى من نوعها عاشها مسلمو الأندلس، الأغنية تعبر عن الرمزية التي إضطر الموروسكيون للجوء إليها هربا من محاكم التفتيش، كما تعرض الروائي في رواية البيت الأندلسي إلى اللغة التي ابتكرها الموروسكيون” لغة الألخميادو” متجسدة في مخطوطة (غاليليو ألروخو) التي ورثها لأحفاده ففي مفهومها الضيق تعتبر لغة الألخميادو ، لغة رومانية قشتالية كُتبت بأحرف عربية وبالتالي فالأدب الذي دُوِّن على هذا النحو يسمى بأدب الألخميادو أما في مدلولها الأوسع فهي مجموع اللغات الرومانية، من بينها الإسبانية والمستعربية أو المستعربة، المرسومة بخط عربي.
نكاد نسمع أنين غاليليو ألروخو يأتينا من أعالي جبال البشرات ثم دموعه لحظة تهجيره قسرا (أتمنى أو بالأحرى، أخاف ضياع الحياة التي أصبحت ترهقني ),
(esperando o,por mejor decir, termiendo
perder la vida ,que ya me cansa)
في كل مرة أقرأ لواسيني أجد أن للمرأة عنده دور مقدس ، شيء يفوق التصور أو شيء ميتافيزيقي ساحر فهو لا يكتب عن المرأة كشخص أو جسد فقط ، بل هو يجعل منها آلهة ، معبد ، هوية ،وطن ،بلور نقي ، حب جارف، تمرد …أياً كانت رمزية تواجدها فهي بالنسبة له ألوان الطيف السبعة ،صرح في أحد حواراته أنه يعتبر : ( المرأة لها من الغنى ما يكفي لكونها متلونة متعددة، وهو التلون الإيجابي لا النفاقي، الكتابة عن المرأة تتطلب أن تكون لك القدرة والطاقة للدخول إلى عوالمها وبلوغ عمقها، وأن تستطيع أن تلمس بحذر هذه الألوان الجميلة والتدرجات، وهذا الأفق العظيم، وأن تصل إلى الحب السخي الموجود عندها، وإلى الطاقة الفعالة التي تتميز بها…)
سلطانة بلاثيوس، مارينا، سيلينا ، ماسيكا أو سيكا ، نساء واسيني في هذا العمل تعددت أدوارهن و حتى دياناتهن ،لكنهن ظللن مع ذلك رمزاً للحب الوفي اللامشروط (سلطانة بلاثيوس) رمزاً للهوية و الموت في سبيلها (مارينا) ، الاستمرارية (سيلينا) ،أما ماسيكا التي أنقذت المخطوطة( الرواية) مرتين ،فهي الخيط الذي جمع أشلاء البيت و المخطوطة، هي أيضا من حّملها واسيني عبئ السرد كله حيث كان لها أول الظهور و آخره.
قد تكون صورة لـ ‏‏‏شخص أو أكثر‏، ‏وردة‏‏ و‏نص مفاده '‏الأندلسي البيت ENAO EDITIONS‏'‏‏
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0