سياسة مختارات مقالات

المبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة، والنظام السياسي الجديد للحكم الفلسطيني

المبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة، والنظام السياسي الجديد للحكم الفلسطيني

بقلم/ رزان السعافين 

أعلن المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية المصرية أمس عن مبادرة مصرية تخصص لصالح عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة نتيجة الأحداث الأخيرة الجارية في الأراضي الفلسطينية. مع قيام الشركات المصرية المتخصصة بالاشتراك في تنفيذ عملية إعادة الإعمار والذي تبلغ قيمته 500 مليون دولار. 

تضاربت الآراء الفلسطينية والعربية الشعبية والسياسية والصحفية والرسمية حول هذه المبادرة المفاجئة التي أتت كلقمة استغاثة لقطاع غزة التي اعتادت أن تستمد منح إعادة الإعمار من الجهات القطرية منذ أكثر من 10 سنوات. خاصة وأن الآمال باتت خائبة قبل انتهاء هذه المعركة لإعادة إعمار الدمار الذي أحدثته قوات الجيش الإسرائيلي في البنية التحتية وكان أغلبها استهداف الأبراج، والشركات، والمؤسسات، ومنازل أصحاب المال والأعمال في القطاع.

من المعروف أن السياسة المصرية التي تتقاطع مع السياسة القطرية تجاه إدارة قطاع غزة، لن تتلاقى أبداً خاصة بما يتعلق بحكم الإخوان وتنافر المصالح وأساليب الحكم وعدم تماشيه مع المصالح والسياسات العامة، وكذلك العلاقات الدولية بين كل طرف وآخر.

ومن الطبيعي أن الأوساط الشعبية المصرية باتت كما العديد من الأوساط العربية تتضامن مع القضية الفلسطينية بصورة أو بأخرى، وان اختلفت الأنظمة السياسية مع بعضها بشكل مؤقت، فالشعوب لن تختلف مهما طال عليها الأمد، إلا ما ندر. وهذا تعززه الاعتصامات والمسيرات التي خرجت في مختلف عواصم وبلدان العالم، وكذلك الحدود كما حدث في لبنان والأردن بالتوازي الأحداث الجارية في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس، وليس هامشا عليها. 

ولو عدنا قليلا للوراء فكانت كل المنح السائدة في قطاع غزة، والعائدة لها بعد كل مسلسل حرب بإشراف قطري أو قطري-فلسطيني على أغلبه، ما عدا المنح الأجنبية التي يتم تخصيصها ضمن بعض المؤسسات الدولية، ولكنها بإشراف وإدارة حكم حماس في قطاع غزة، وارتأت بعض الدول الكبرى بسحب مخصصاتها في إعادة الإعمار السابق، وكذلك مصادر تمويلها من قطاع غزة الذي بات شائعا عنه “أحادي التمويل”، مكتفيا في علاقاته التي أسفرت عن فكرة شائعة أن حماس تحلم بحكم إداري وإقامة دويلة مستقلة تكتفي بمصالحها، وعلاقاتها، ومشاريعها الداخلية محليا، بعيدا عن فكرة مفاوضات الحل النهائي، والجهود الدبلوماسية، والوصول إلى الحلم الفلسطيني بتحقيق دولة ولو على حدود عام 1967م. وحقيقة الأمر أن الحلم الفلسطيني بتحقيق الاستقلال التام والشامل للفلسطينيين أخذ على عاتقه أبعادا شتى من كلا التاريخين السياسي الدبلوماسي، والكفاح المسلح، وتبنت جميع الفصائل الفلسطينية بلا استثناء العمل على كلا السلكين وضربت أوتار العودين، فكانت تعزف سياسيا وعسكريا في سجلنا النضالي ومعركتنا الطويلة مع الاحتلال بما فيها القيادة العليا. 

في عام 2004م، وبعد وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات اختفى الحس الثوري لدى القيادة الفلسطينية، فكان ولا زال الرئيس الحالي محمود عباس يؤمن بشدة بضرورة وأحادية الجهود والحلول الدبلوماسية، غير مؤمن بضرورة الحلول الكفاحية المسلحة باعتبارها عبثا وإرهابا للنفس والشعوب، مع أن الطلقة الأولى كانت من حركة فتح التي لها الفضل الأول في تنشئته سياسيا وعسكريا، وحين وصل للحكم الرئاسي فقد ترك فكرة الحل المسلح ودعاه جانبا، واكتفى بجانب واحد على حساب مطامح الشعب الفلسطيني وتاريخ تضحياته، حتى أن حركة فتح انقسمت في ذاتها، وأعقب ذلك انقساما بين التيارات السياسية الفصائلية، وباتت الكلمة الموحدة  بينهم تحمل تشويشا بعد انقسام طويل الأمد، وكلما حاولنا جميعا الخروج من مأزق، عدنا إلى نقطة الصفر؛ رغم المطالب الداخلية بعقد انتخابات رئاسية عاجلة في كثير من المحطات، بعيدا عن الانتخابات التشريعية؛ لأن العملية الديمقراطية تستقر حينما يستقر المواطنون، ولا استقرار للمواطن مادامت حركات التحرر لا زالت تختلف مع رئاسة السلطة بالمبادئ التي نشأ عليها النضال الفلسطيني.

وإن ما حدث في قطاع غزة منذ عملية “أمطار الصيف” في صيف عام 2006 وتبعها أسر الجندي جلعاد شليط، وأتبعه حربا ضروسا عام 2008، وما تلاها من ويلات حربية، وحصار وتضييق وخناق على الشعب الفلسطيني يعود أغلبه إلى فكرة أهمية نزع سلاح المقاومة من قطاع غزة لكي ننعم بالهدوء والسلام الدائمين الذي يقابله فك الحصار والخناق والتضييق وجميع أوراق الضغط التي لم تنزع جميعها سلاح المقاومة والمتمثلة في السنوات الأخيرة بوحدة عسكرية متمثلة في “غرفة العمليات المشتركة” والتي تعكس بشكل واضح أن الجهود المسلحة توحدت قبل الجهود الدبلوماسية التي تنحي العسكرية جانبا، وقد باتت أغلبها حبرا على ورق ولم تجدِ نفعا في سياسة حكم الرئيس محمود عباس واستراتيجيته، وكذلك ما يقابله  من تناقضات وتوجهات في كل من يتبنى الإسلام السياسي، ويحمل عقيدة المقاومة المسلحة من فصيل واحد فقط، وعليه فإن النقيضين باتا لم يناسبا حاجة المرحلة المقبلة، ولم يتماشيا مع مطامح الشعب وتطلعاته وأولوياته.

إن المرحلة المقبلة من الحلم الفلسطيني الذي يجمع عليه كل من يؤمن بقضيتنا العادلة لن تتناسب مع الرؤى التي كان لها دور بشكل واضح ومباشر في تشتيت القوى السياسية والعسكرية، وأي طرف يناقض نفسه ولا يتماشى مع ضرورة المرحلة فسيحكم على نفسه في زاوية مظلمة، وهذا ما نلاحظه في حركة حماس التي أعلنت وثيقتها السياسية عام 2017 لتستعد لأي تغير قادم تتطلبه المرحلة مع وضوحها عن ما تجمع عليه الفصائل، فقد اتحدت عسكريا، وأما سياسيا فالأمر يعود لقيادة جديدة توحد الجهود القادمة، قائمة على توحيد الأنظمة والبرامج السياسية بمبدأ المشاركة، بتعدد الأحزاب وترابط المصالح، وتوحيد الرؤية وتكثيف الجهود.

إن مسلسل الويلات على قطاع غزة هو جزء من مأساة شعب بتاريخ وجغرافيا شاملة الضفة وغزة والقدس وأراضي الخط الأخضر منذ عام 1948 وما قبل هذا العام من انتداب بريطاني وغيره، وليس قضية جغرافية، ولا مسألة وقت مقتطع من تاريخ الجهود الكفاحية المسلحة التي لم تتنافر مع الجهود السياسية إلا في حكم الرئيس عباس. 

إن شلال الدماء في غزة بات ربما في حلقته الأخيرة، والتضحيات ليس مرتبطة بحصار خانق، ولا تضييق اقتصادي، ولا بأي حل فيه ضغط على هذا الشعب، بل التضحيات مرتبطة بتحرير الأقصى ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعركة الأخيرة مع الاحتلال أوضحت للعالم كله أن قطاع غزة لم ينفصل عن القدس، وكذلك الضفة الغربية وأراضي عام 1948، وباتت الجهود الوطنية تعمل على التوازي في الحس الثوري النضالي، تجاه المحتل الإسرائيلي على صعيد المواطن العادي، والتنظيمي، وكذلك الأذرع العسكرية. وتعمل جميعها على كافة الجبهات لأجل نصرة القدس وأهلها، إيمانا بتحريرها وأن المعارك هي محطات من تاريخ مليء غني بالتضحيات والسجالات، مع إيمان الجميع بالجانب السياسي المتوازي مع المسلح، لكن بقيادة تنطق بحق الكلمة، ومستقبل القضية، ودعم جهود الفصائل، دون تقييد لها، أو تقويض للشعب وخنقه اقتصاديا وسياسيا.

والمرحلة المقبلة باتت وشيكة ولن تختلف مع مطامح ومستقبل الشعب الفلسطيني المتوحد عسكريا، وعليه واضح أن الأمر سيكون جليا بتمزيق عباءة الفصائلية، وضحد الجهود الأحادية سياسيا وماليا محليا ودوليا، وترميم آثار الانقسام وما عاناه الشعب منه، وضرورة دعم قيادة جديدة تتماشى مع صالح الشعب عاجلا أو آجلا.

فأهلا بأي مبادرة لإعادة إعمار قطاع غزة تقينا من عثرات الانقسام، وترفع معنويات الشعب، وتحترم الجهود النضالية الشاملة، ولا تنكر جهود المقاومة، وتعمل على خلق مستقبل جديد برقي دبلوماسي يحتضن المقاومة العسكرية أو الشعبية من أجل تحقيق حلم الاستقلال والدولة الفلسطينية.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0