سياسة مختارات مقالات

الثمن الذي دفعته غزة على مدار سنواتٍ طويلة من الحصار الخانق القاتل

بقلم/ آلاء السوسي
في لحظة مثالية صافية من الزمن، لا سابق لها ولا لاحق عليها، تنطلق صواريخ المقاومة من غزة إلى تلك المدن التي لطالما نعمت بأمانٍ قائم على تخويفنا، ورفاهية قائمة على دمنا، ولا شيء سوى دمنا..
في لحظة ثورية عاصفةٍ كهذه، حين يثبت مقاوم عنيد (نجا من سيولة القيم في عالمنا، وتشتت الحقيقة، ولعنة التمركز حول الذات وآنيتها، وانتفاء الإيمان اليقيني) أنه صرف سنواتٍ من عمره لا يفعل شيئا سوى المحاولة، محاولة أن يفعل ما لم تفعله جيوش دول كبرى، لأنه بدا بلا معنى في زمن عاجز ومهين.
لكن للذي نجا من كل شيء، تبدو المحاولة هي المعنى الوحيد والأوحد، ولذلك فقد كانت نهايتها تلك اللحظة الصافية من الثورة الجامحة، القاهرة لإسرائيل قهرًا لم تشهده سابقًا ربما، ولم تتوقعه أصلا، وهذا ما يثير جنونها.
إنها لحظة صافية من الإيمان المبهر، والجمال الصافي لمعنى الثورة والحرية والكرامة، لحظة صافيةُ لتمثيل المعنى الكبير ، ولكنها لحظة انقطاعٍ أيضا، إنها لحظة لا سابق لها من الثمن الذي دفعته غزة على مدار سنواتٍ طويلة من الحصار الخانق القاتل، ولا تاليَ لها من جنون عدوٍ متوحش ليس في يديه منطقٌ للحق يواجه به منطق المقاوم، ولا إيمان كإيمانه، إنما يملك سلاحًا فتاكًّا لن يتورع عن استخدامه للحظة ليثبت أنه لم يهزم، رغم أن هزيمته أصبحت معلنة واضحة لا يختلف عليها اثنانْ.
هذا ما يظهر من بعيد، هذا ما يبدو جليًّا وواضحًا لمن هو خارج الحرب، لكن الذين داخلها قد يختبرون أمرًا آخر، يختبر الغزيُّ الخوف كشعورٍ ساحق، وربما اللاجدوى إثر موتٍ أعمى لا يعرف من أيِّ بابٍ سيأتيه، وحياة لم تعد قائمة، ومدينة حين تغرقها الحرب تصبح لها رائحة مرعبة تمثِّل كل ما يمكن تمثيله من مشاعر الفقد والخسارة والأسئلة التي لا تنتهي حول: لماذا نحن، وماذا نفعل هنا، وماذا ستكون نهاية هذا كله؟
في نهاية حرب 2014 سقطتُ (بشكلٍ شخصي ولا يمثل أهل غزة ) في أسئلة الجدوى، تنازلتُ عن جمال اللحظة الثورية، وعن معناها، وتوصلت بيني وبين نفسي، وأحيانا صرحت بذلك، أنني ضد أي شكل من أشكال المقاومة المسحلة، ليس لأنني أعتقد أنه “ما ذنب الجيل الجديد من المستوطنين”، بل لأنني أعتقد أنه ليس هناك ما يمكن فعله مع ترسانة إسرائيل العسكرية، وأن ويلات الحرب وما تخلفه من دمار مرعب نفسيا واجتماعيا وعمرانيا، قد يخلق عطبًا مزمنًا لا يمكن إصلاحه..
الآن، وأنا أرى المقاومة تفعل ما لم نكن نتوقعه، أشعر بأنه ليس من حق من انحازوا للزوايا الآمنة الفخر بما حققه من اختاروا البقاء والاستمرار،إن الفخر حق لمن صنعوه ولمن يدفعون ثمنه في كل لحظة من أعمارهم، وليس لسواهم.
وكما تقتبس صديقتي: “لا يفتي آمن لخائف، ولا شبعان لجائع”..
أما ما نتفق عليه دائمًا وأبدًا، فهو أن غزة كانت وستظل مكانًا نحبه ونحب أهله، نحبهم في بطولتهم وفي خوفهم، في مواجهتهم للطغاة وفي رغبتهم في توقف كل شيء، ونحبهم حين يقلبون موازين العالم وحين يريدون أن يعيشوا حياتهم الطبيعية.
وما نسلِّم به، هو أن الاحتلال هو الاحتلال، لم يكن يومًا بريئًا من دمنا، ومن حياتنا التي يحولها في كل لحظة إلى موتٍ مؤجل.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0