مختارات مقالات

دعوة لتشكيل قيادة فلسطينية ثورية

كتب د. أحمد فايق دلول:

دعوة لتشكيل قيادة فلسطينية ثورية

بعد قراءة العنوان وقبل الاطلاع على التفاصيل أدناه يمكن اعتبار أننَّي أدعو لتشكيل قيادةٍ جديدةٍ للشعب الفلسطيني تعبِّر عن طموحاته وتطلعاته بعيداً عن القيادة الحالية التي أُتخمت بالفساد قبل تشكيل الدولة وعززت الحرب الأهلية قبل انتهاء التحرر الوطني.

بالعودة إلى الوراء قليلاً؛ لاحظنا كيف أنَّ حركة فتح قد أحكمت سيطرتها على منظمة التحرير، ولم يكن بإمكان أي من الفصائل الفلسطينية سوى الاعتراض بأدب على هذا الأمر، حيث استمدت فتح شرعيتها في تلك الفترة من فوهة البندقية، لدرجة أنَّ وضع شعارات العاصفة في منازلنا كان –ولا يزال- يزيدنا شرفاً وفخراً، فكيف لا نتشرَّف بحركةٍ أشعلت ثورةً في الفاتح من كانون الثاني عام 1965م وبعدما أشرفت القضية الفلسطينية على النسيان. ولعل شرعية فتح الثورية –والتاريخية بمرور الزمن- قد سمحت لها –من خلال منظمة التحرير– بتوقيع اتفاقية أوسلو في 1993م، وكذلك الحال فقد التزم الجميع الصمت أو اعترض بشكلٍ ناعمٍ، وفي المقابل فقد تعرَّض رابين للقتل على يد إيغال عامير يوم 4 نوفمبر 1994م؛ بحجة أنَّه فرَّط بأرض حتى وإن لم تربطه علاقة تاريخية بها.

تشكَّلت قيادة السلطة الفلسطينية من كوادر حركة فتح وحكمت أجزاء متفرقة من غزة والضفة في ظل استشراء الفساد بكل أشكاله، فجاء الرئيس عباس عام 2005م كالمخلص للشعب، لكن فترته كانت الأسوأ بعد نكبة 48، وصرنا نترَّحم على زمن الختيار –رحمه الله-، خاصة بعدما هيَّئ أبو مازن البيئة الفلسطينية للانقسام الجيوسياسي، وتبع ذلك تحويل مقدرات الوطن إلى عزبةً لأولاده وأحفاده وأنسبائه وأقارب زوجته، فصار أبناؤه كملح الطعام؛ تجدهم في كل الميادين بدءاً بالشأن الفتحاوي مروراً بالسياسة والإدارة والاقتصاد.

لم يؤمن عباس بالمقاومة المسلحة، وسأعتبر أنَّ هذا حقٌ شخصيٌ له، لكن ليس من حقه أن يساعد الاحتلال في تجفيف منابع المقاومة في الضفة الغربية من خلال إغلاق الجمعيات الخيرية أو مؤسسات الفصائل الأخرى أو ملاحقة المقاومين، وليس من حقه أن يقمع المقاومين بالتنسيق الأمني الذي جعل بعض الأجهزة الأمنية “الفلسطينية” وكيلاً أمنياً يعمل على مدار الساعة لصالح الاحتلال، والأسوأ من ذلك أنَّ فترته قد شهدت أكبر انتكاساتٍ بحق القضية الفلسطينية، فوقعت 97% من الضفة الغربية ضحيةً للاستيطان الصهيوني، وتمَّ الإعلان عن صفقة القرن التي تضمَّنت موجةً كبيرةً من التطبيع العربي بعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالأخيرة كعاصمةٍ موحدةٍ لدولة الاحتلال، وكذلك بعد الإعلان عن وقف التمويل الأمريكي للأونروا التي تمارس البلطجة بحق اللاجئين الفلسطينيين.

لنتخيل للحظة واحدة أنَّ عباس فرض التقاعد الإجباري على عدة آلاف من رجال الأجهزة الأمنية للتخلص من إرث الراحل عرفات في 2005م، وجاء برجاء الأمن الأمريكان –كيث دايتون- للعمل على إنتاج رجل أمنٍ فلسطينيٍ جديدٍ، وفرض عقوباتٍ على قطاع غزة طالت 81 الف أسرةٍ من الشريحة المقهورة؛ أي مستفيدي الشئون الاجتماعية التي تصرف عليها وزارة التنمية الاجتماعية بقيادة الوزير أحمد مجدلاني الذي حوَّل الوزارة إلى عزبة للمعارف.

بالتزامن مع انتكاسات عباس بحق القضية الفلسطينية؛ ثمَّة من كان يبذل جهوداً مضنية لصناعة المجد للوطن، وهنا أقصد المقاومة الفلسطينية التي جعلت من قطاع غزة خطأً أحمر بالتصدي للاحتلال عشرات المرات، وأطلقت سراح أكثر من 1400 أسير فلسطيني، وتجهّز نفسها لانتزاع دولة فلسطينية على حدود 67 بقوة السلاح كحلٍ مرحليٍ يتبعه تحرير فلسطين.

غزة اليوم تخوض حرباً في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي تلبيةً لنداء المقدسيين “يا غزة يلا مشان الله”، وكان الأجدر على الرئيس عباس أن يكون في مقدمة المدافعين عن القدس، حيث كان قد ألغى الانتخابات التشريعية التي كان من المقرر إجراؤها يوم 22 من الشهر الجاري بحجة دفاعه عن المقدسيين، في حين أنَّ أجهزته الأمنية قد قمعت عدداً من المسيرات المناهضة للاحتلال في مدن الضفة الغربية، وهنا نلاحظ أنَّ القيادة الفلسطينية تلتزم الصمت لأبعد الحدود إلا من بعض التصريحات الخجولة.

اعتقدُ أنَّ عقال السلطة والأجهزة الأمنية سينفلت قريباً في ظل تطلع الشباب الفلسطيني للثأر في الضفة الغربية، وذلك بالتزامن من الهبات الجماهيرية العظيمة لشباب المدن الفلسطينية المحتلفة، وهذا يشير إلى التحام الشعب في الضفة والداخل مع المقاومة الفلسطينية، وهذا تصويت صريح على انتخاب قيادة فلسطينية جديد عبر فوهات البندقية.

لقد اشتركت القيادة الفلسطينية في مفاوضات التهدئة لعدوان 2014م، ولكنها على الأغلب لن تشترك في المفاوضات المقبلة، وهذا ليس بمحض إرادتها، بل لأنَّ المقاومة في هذه المرة لن تقبل وجود أي وسيط من شاكلة عزام الأحمد، ولن تقبل بوجود أي قيادي له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالتنسيق الأمني.

إذا كانت القيادة الفلسطينية تغتصب السلطة وتتمادى في الانقسام والعقوبات على غزة لإطالة أمد حكها، وإذا كانت لا تعبِّر عن طموحات وتطلعات الشعب الفلسطيني في شئون حياته اليومية والمصيرية، فهذا تفويضُ شخصيٌ صريحُ إلى الغرفة المشتركة للمقاومة الفلسطينية، كي تقوم هذه الغرفة –ومن خلفها القيادة السياسية والعسكرية للمقاومة- بتشكيل قيادة فلسطينية خرجت من رحم المعاناة.

أرجو أن تطَّلع المقاومة على هذا التفويض، أملاً في أن تجسده على أرض الواقع.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0