ثقافة

لدينا طرازان من الوعي !

كتب الأستاذ/ زكريا محمد

لدينا طرازان من الوعي: بدئي، وعلمي مكتسب.

خذ الماء مثلا، فنحن نعيه بالطرازين. فهو بالعلمي المكتسب ذرتان من الهيدروجين وذرة من الأكسجين، يمكن فصلهما عن بعضهما. لكنه بالوعي البدئي شيء آخر تماما، متماسك ولا يمكن فصله. وهو وعي قادم من اللحظات التي كنا فيها نسبح في المحيط المائي في رحم الأم. بل وربما أبعد من ذلك، أي من اللحظات التي كنا فيها أسماكا حقيقية تسبح في ماء المحيطات، قبل أن نصبح كائنات برية. أجسادنا تعي تاريخنا المائي بأعمق ما في الكلمة من معنى. دماغنا يعي هذا أيضا بعمق، بشكل ما. وهذا سر عودتنا إلى الطفولة عند الماء وعند البحر.

الوعي البدئي للماء يتجسد في الحلم وفي الشعر. الماء، أي السباحة والاستحمام واللعب والغرق، عنصر مركزي في الحلم. وهو عنصر مركزي في الشعر. الشعر مائي، والحلم كذلك. هذا يقع خارج دائرة العلم. والإنسان يعيش بوعييه المختلفين هذين للماء. وهما وعيان ما يكادان يتماسان.

بناء عليه، يمكن القول أن الشعر والحلم يستثيران وعيا بدئيا في أجسادنا، وفي ذراتها وجزئياتها ذاتها. يستحثانه للخروج عبر اللغة. اللغة وسيلة لاستعادة هذا الوعي الذي يبدو مطموسا. واللغة قادرة على ذلك لأنها تحمل الأصوات الأولى. أي تحمل تاريخنا البدئي الطفولي.

بذا فالشعر والحلم قوتا توافق مع الطبيعة. العلم قوة انفصال. عليك أن تنفصل عن الأشياء، أن تقف فوقها، كي تعرفها وتسيطر عليها. لا محل (للتعاطف) هنا. لا محل للذكريات. الشعر هو محل التعاطف والذكريات. والحلم كذلك. الحلم والشعر وعي من مجال واحد. وعي تذكر واتصال وتعاطف.

الشعر قوة آتية من الأعماق. تاريخ لما قبل التاريخ.

نتائج العلم الحديث هي أحلام السحر قديما

الإعداد على البحث وإنتاج المعارف العلمية

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.