ثقافة دين

عام الفيل

عام الفيل

بقلم/ زكريا محمد 

لدينا شهادات شخصية متعددة من بدايات الإسلام عن رؤية أناس من مكة لسائس فيل أصحاب الفيل وقائدة، بل وعن رؤية حجارة السجيل التي أسقطتها طيور الأبابيل على جيش أبرهة. وخذ هذا المقتبس كمثال: “ولما تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة [سورة الفيل]، كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الوقعة. ولهذا قال: ألم تر…؟ ولم يكن بمكة أحد إلا وقد رأى قائد الفيل وسائقه أعميين يتكفّفان الناس. وقالت عائشة رضي الله عنها مع حداثة سنها: لقد رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس. وقال أبو صالح: رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب نحوا من قفيزين من تلك الحجارة [حجارة السجيل]، سودا مخططة بحمرة” (القرطبي، تفسير القرطبي).

فكيف نتعامل مع هذه الشهادات؟ أمامنا طريقان في اعتقادي:

الأول أن نقبل بحصول غزو حبشي فاشل لمكة، وأن نستبعد الشهادات عن حجارة السجيل وغيرها مما لا يتوافق مع التاريخ ومنطقه. وهناك بالفعل كثير من الكتاب والمؤرخين يوافقون على فكرة هجوم حبشي على مكة، لكنهم يستبعدون حكاية حجارة السجيل وما شابهها، ويؤولونها بوباء ما أصاب جيش أبرهة، أو ما شابه ذلك، وذلك كي يظل الحديث عن الغزو في إطار منطقي عقلاني. ثم يحاول هؤلاء البحث عن تأكيد ما لهذا الغزو في نقوش المسند اليمنية.

الثاني: أن نقبل بهذه الشهادات باعتبارها شهادات صادقة حقيقية، شرط أن نجد تفسيرا ما معقولا لها.

وأنا ميال بشدة إلى الطريق الثاني، أي إلى أن هذه الشهادات حقيقية وصادقة، وليست من اختلاق من الرواة. لقد رأى هؤلاء الناس حجارة السجيل بالفعل، ورأوا الفيل وسائسه وقائده بعد أسنّا وتكديا طعامهما.

لكنني أقتنع بهذه الأشياء على أرضية مختلفة جذريا تقول أن (عام الفيل) لم يسم باسمه بسبب غزو حبش، بل هو عام ديني دوري يتكرر كل فترة كانت معلومة، وأن احتفالا ضخما كان يحصل في مكة عند حلوله، وأن المصادر الإسلامية كانت تصف الدورة الأخيرة لهذا العام التي حدثت حول تاريخ مولد الرسول، أي في حدود سنة 570 ميلادية. وهذا ليس غريبا. إذ لدينا في الجاهلية سنة شهيرة جدا تدعى (سنة الحمار). وهي مرتبطة بنوم العزير ثم صحوه، أو بموته ثم بعثه.

الفارق أننا نعلم بيقين أن دورة (سنة الحمار) كانت مائة عام. فعلى رأس كل قرن كان حلول هذه السنة. في حين أننا لا نعرف مقدار دورة عام الفيل.

بالتالي، يمكن الافتراض أن سورة الفيل في القرآن تتحدث عن عام الفيل الذي حلت دورته في حدود مولد الرسول. أي أن الأمر لا يتعلق بحدث تاريخي، بل بحدث ديني: “ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟ ألم يجعل كيدهم في تضليل؟ وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول” (سورة الفيل).

بناء على ذلك، كان ناس مكة كانوا يعرفون بموعد حلول عام الفيل مسبقا، وكانوا يحضرون مسبقا أيضا أدوات الاحتفال: فيل، سائس الفيل، قائد الفيل، حجارة السجيل… إلخ. وإذا لم يكن هناك فيل حقيقي فيجب أن تكون هناك دمية تمثل هذا الفيل.

هذا الفرض وحده يمكننا من التعامل مع الشهادات العديدة عن رؤية الفيل وسائقه، وعن رؤية حجارة السجيل من قبل أناس كثيرين من جيل الرسول، بل والأجيال التي تصغره مثل عائشة بنت أبي بكر زوجته. ومن دون هذا الفرض سنكون ملزمين بالاعتقاد أن هذه الشهادات من اختراع رواة كذابين، حتى لو صدقنا أن غزوة الفيل كانت حدثا تاريخيا.

وعلى كل حال، فإن المقتبس أعلاه حول رؤية الفيل وسائسه وقائده يشكك في أن عام الفيل كان حدثا حربيا تاريخيا. إذ لم يخبرنا أحد أصلا أن الفيل قد أسر، وأن سائسه وقائدة قد استسلما وفضلا البقاء في مكة. على العكس، فالروايات تقول أن الفيل رفض الاتجاه نحو مكة وولى ماضيا نحو اليمن تتبعه بقايا جيش أبرهة الممزق. بناء عليه، لا يمكن تفسير الشهادات الكثيرة رؤية الفيل وصاحبيه في مكة مع البعثة، بعيدها أو قبيلها، ما لم نفترض أن الحديث يجري عن أشخاص شاركوا في تمثيل حادثة الفيل.

ولو افترضا أن سائس الفيل وقائده كانا في الثلاثين من عمرهما حين شاركا في تمثيل حادث الفيل عام 570 ميلادية، وأنهما عمرا حتى بلغا السبعين عمرهما فإن هذا يعني أنهما كانا ما زال حيين عند البعثة، أو على حدودها، اي في حدود سنة 610. لكن لو أنهما بلغا الستين من عمرهما فقط، فقد كانا حيين في حدود سنة 600 ميلادية. وهذا يعني أن مجايلي الرسول كانوا كلهم قد رأوهما. بل إن الأجيال التي عقبتهما قد رأت رجلي الفيل.

لقد رأت هذه الأجيال الرجلين اللذين مثلا دور سائس الفيل وقائده، ولم يريا رجلين من رجال أبرهة الأشرم في غزوه الفاشل المفترض لمكة.

اقرأ أيضا:

كل من يقول أن الإسلام لا يواكب العصر فهو ذو عقل محدود

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.