علي رسول الربيعي
فكر فلسفة مختارات مقالات

حقوق الإنسـان بين الأسسية واللا أسسية

حقوق الإنسـان بين الأسسية واللاأسسية

نقد رؤية إغناتيف من منظور الإسلام
الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

قد تبدو النقاشات الإبستيمولوجية (المعرفية) والأنطولوجية ( الوجودية) حول أسس حقوق الإنسان مثيرة للجدل والخلاف في غالب الاحيان. إذا كانت لا تفكر الشعوب المختلفة مثل بعضها البعض، فكيف يمكن للمرء أن يفترض أخلاق عالمية خالية من التقاليد ولا اسس لها، يمكن أن تكون مقبولة لدى شعوب العالم ذات العقلية الدينية دون أي نقاش لتهدئة مخاوفهم وشكوكهم؟
يتبع مايكل إغناتيف في كتابه: ” حقوق الإنسان كسياسة وأوثان” (Michael Ignatieff’ Human Rights as Politics and Idolatry(2001).) مقاربة برغماتية تجاه حقوق الإنسان. ويعتمد موقفه العلماني الليبرالي على الافتراض القائل بأن هناك قاسمًا مشتركًا للعقلانية يظل قائماً عند تحديد أو الغاء خصوصيات المعتقدات الدينية. إنه يعامل حقوق الإنسان باعتبارها “أدوات سياسية برغماتية ” تطمح أن تكون فعالة قبل أن تطمح أن تكون أكثر شمولية في بياناتها. لاتساهم الأسباب الدينية، المستندة إلى مذاهب شاملة في بناء خطاب ملائم عن حقوق الإنسان طبقاً للتقييم العلماني لإغناتيف. ولا يمكن أن تضيف هذه الأسباب الدينية اي صفات شاملة عالمية يجب حمايتها من قبل نظام حقوق الإنسان. المطلوب هو أن تشكل الحماية من المعاملة القاسية وغيرالانسانية والمهينة غرض حقوق الإنسان وجوهر نظام حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، وفقًا لإغناتيف، لا يستلزم الإيمان بحقوق الإنسان الاعتقاد بوجودها بشكل مستقل عن الغرض الإنساني. كل ما نحتاج إلى تصديقه هو أن حقوق الإنسان وسائل مهمة لحماية البشر من القسوة والقمع والأنحطاط. وبالتالي، ليست هناك حاجة للاعتقاد والإصرار على مصدر إلهي أو طبيعي لحقوق الإنسان. يحرم إغناتيف حقوق الإنسان من أي وضع عقائدي، خشية أن يصبح مصدرًا لوثنية جديدة.
أدى هذا الإنكار لأساس أخلاقي واحد أو متعدد لحقوق الإنسان يمتد عبر العديد من الثقافات والتقاليد إلى الشك السائد في الدوائر الإسلامية التقليدية بأن الإعلان ليس أكثر من استمرار الخطاب الاستعماري المهيمن الذي يفرض إرادته من خلال نظام حقوق الإنسان. فمثلاً انتقد محمد عمارة في كتابه (الإسلام وحقوق الإنسان ضرورات لا حقوق، الكويت: عالم المعرفة، 1985، ص10- 9) الأصولية الإسلامية والعلمانية المسلمة على حد سواء لفشلها في إظهار واثبات حقوق الإنسان ضمن معايير المذاهب الإسلامية الشاملة. إن المعرفة أو الأفكار العلمانية التي تم إنتاجها تحت هيمنة المستشرقين والعقول المسلمة والتي تبعت الهيمنة الثقافية والحضارية الغربية كانت مذنبة بعدم فحص المصادر الإسلامية بعناية قبل الاتفاق مع الأطروحة الغربية التي تقول بعدم كفاية الإسلام وتقاليده التشريعية -القانونية لإصدار أي شيء مشابه الإعلان الدولي لحقوق الإنسان. إن وصفة العلمانيين المسلمين بأنه يجب على المرء أن يستمد حقوق الإنسان من الحضارة الغربية بدلاً من البحث عنها في المصادر الإسلامية، بحسب عمارة، يجب رفضها تمامًا لأنه ينم عن هيمنة غربية جديدة على المجتمعات الإسلامية.
ليس هناك شك في أن يمكن أن تخدم حقوق الإنسان أغراضاً متعددة يمكن التعبير عنها بطرق عديدة، ليس فقط عبر مجتمعات وثقافات مختلفة، ولكن داخلها كتعبير عن تعددية التقييمات الأخلاقية من قبل الكائن البشري. لا بد من تحديد سبب امتلاك البشر لحقوق في المقام الأول من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان في المجتمعات التقليدية والتي تهيمن عليها التصورات الدينية. وهنا نريد أن نأخذ الإسلام عموما والفقه خصوصا حيث يتم التركيز على المسؤوليات دون أي ذكر للحقوق. فعلى الرغم من وجود غرض للحياة الإنسانية، إلا أن على الفرد المسلم أن يؤدي واجباته في المجتمع للتأكد من أن العدالة تسود في جميع المهام والأعمال البشرية. يُنظر إلى الادعاءات المتعلقة بالكرامة الإنسانية أو الاحترام المستحق للبشر بشكل صارم في أطار الخير الجماعي او الصالح العام وليس مستقلا عنه. وتتحدث المذاهب الإسلامية في الوقت نفسه، عن خلق متساو للبشر، واشتراكهم في الأصل أو النسب، وأنهم وهبوا الاحترام والكرامة بوصفهم “أبناء آدم”.
سيغلق تخلي إغناتيف عن الحجج الأسسية المتجذرة في الكرامة الإنسانية، والأغراض الإلهية، والقانون الطبيعي، والأفكار الفلسفية والأخلاقية ذات الصلة النقاش في المجتمعات الإسلامية حيث يمكن الدفاع عن حقوق الإنسان بسهولة أكبر استنادا الى الادعاءات المتعلقة بالكرامة الإنسانية والخلق المتساوي للبشر من قبل الله. يُخلق البشر مع عقل بدهي حدسي وقدرة فطرية لمعرفة الصواب من الخطأ؛ ومع ذلك، أنهم بحاجة إلى الأرشاد الدائم والتوجيه المستمر من قبل الله للوفاء بأدوارهم الصحيحة والفاضلة في المجتمع. إن العلاقة بين الذات البشرية والكرامة الإنسانية هي نتيجة الخلق الهادف للبشر، بقصد إرشادهم إلى إنشاء نظام عام عادل. إن تجنب مثل هذه الحجج التأسيسية بوصفها غير مهمة كجزء من “الأدوات السياسية البراغماتية” لتعزيز نظام حقوق الإنسان، يعرض الإعلان نفسه لنسبية غير مقصودة. إن سبب تجنب إغناتيف الحجج الأسسية لأن الإعلان متوافق مع “التعددية الأخلاقية” هو جزء من هذه النسبية غير المقصودة التي تشير إلى أن كل ثقافة وشعب سيحددون في نهاية المطاف الشخصية البشرية ودورها وحماية ما يعتقدون أنه يتفق مع حكمهم الأخلاقي. إن المرجع في الأخلاق هو بالضرورة عمل بشري وليس موقف ايماني؛ ومع ذلك، فإن ما يضر بالكرامة الإنسانية لشخص آخر هو سلوك غير مقبول لا يمكن التوفيق بينه وبين أي نظام لحقوق الإنسان. ومع ذلك، لا أحد يشكك في الحاجة إلى إقناع أولئك الذين يسيئون استخدام حقوق الناس باسم سلطة مقدسة لإعادة النظر في عقائدهم لإدراك التناقض بين ما يقومون بتعليمه وممارسته.
يبين صوغ الإعلان بوضوح أن هناك عدة مصادر رئيسة لكتابة الفقرات الواردة في الوثيقة الحالية. وأن ما جعل من الممكن ظهور هذه اللغة المشتركة لحقوق الإنسان كان هذا التقاربً بدلاً من التمسك بتقاليد ثقافية أو فلسفية واحدة، على الرغم من أن بعض المسلمين يقولون، شكلت القيم الحديثة والعلمانية جوهر معايير وثيقة حقوق الإنسان. قد يكون من الشائع أفتراض أن الحجج حول الكيان الإنساني والكرامة والقانون الطبيعي تميل إلى أن تكون فلسفية ومجردة، وبالتالي من المغري القول ليس هناك الكثير من الأهمية العملية ستكون لها على المحك . لكن مثل هذا الافتراض سيكون متسرعا. فما هو على المحك في تحديد أسس حقوق الإنسان يتعلق في كثير من الاحيان بمدى “شرعية” الحديث عن حقوق الإنسان عند الفقهاء والمفسرين المسلمين. إن نظام حقوق الإنسان الذي يشجع الأجماع على الآراء هو أكثر توافقًا تجاه احترام العديد من التقاليد الثقافية والفلسفية التي تتقارب أو تتلاقى لدعم مجموعة مماثلة من حقوق الإنسان. إن هذا التقارب بين التقاليد الإنسانية الإسلامية والعلمانية، على سبيل المثال، وأن كان ليس كاملًا أو مثاليًا، لكنه أيضًا ليس تقارب في حقوق الإنسان من داخل تقاليد ثقافية أو فلسفية حديثة أو علمانية.
يشكك إغناتيف بالحاجة إلى أسس ميتافيزيقية لحقوق الإنسان مبنية على ادعاءات هي أفكار مجردة لا يجوز انتهاكها مثل أن البشر لديهم كرامة فطرية أو طبيعية، أو أنهم قد وهبوا قيمة ذاتية طبيعية وجوهرية. ويرى أن هذه الادعاءات المجردة مثيرة للجدل بذاتها وبالتالي ضارة بالنهوض بحقوق الإنسان وتضعف الحفاظ عليها وتعزيزها. والأفضل – كما يزعم- هو التخلي عن هذه الأنواع من الحجج الأسسية تمامًا والسعي لدعم حقوق الإنسان على أساس ما تفعله هذه الحقوق فعليًا للبشر.
أرى أن حجة إغناتيف خاطئة، فالمطلوب أن تبذل المحاولات على المستوى الدولي لحل الجوانب المثيرة للجدل في الأسس الأخلاقية للإعلان من أجل بناء اجماع متقاطع أو توافق في الآراء بين المواقف الثقافية والميتافزيقية المختلفة لتسجيل التعاون الكامل بين مختلف الشعوب والحكومات لفعل شيء ما أكثر من مجرد الكلام أزاء حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، فإن إحدى المشكلات الرئيسة التي تواجه الوثيقة العلمانية من وجهة النظر الإسلامية هي تهمة النسبية ضد مصادر المركزية الأوروبية للإعلان. لا يمكن الاستخفاف بتهمة النسبية هذه، والطريقة الوحيدة التي يمكن بها التغلب عليها هي الاعتراف بالحاجة إلى الحوار مع ادعاءات أو مطالب المذاهب الشاملة، سواء الدينية أو العلمانية. إن الهدف النهائي من هذا الحوار هو التوصل إلى توافق في الآراء حول الشخصية البشرية المرتبطة بالكرامة الإنسانية كعلامة خاصة للإنسانية التي يحق لها التمتع بحقوق الإنسان غير القابلة للتصرف.
يعتقد إغناتيف أنه على الرغم من أن أسس الاعتقاد في حقوق الإنسان قد تكون قابلة للطعن ومثيرة للخلاف، إلا أن الأسس البرغماتية- العملية للأعتقاد أكثر أماناً لحماية حقوق الإنسان. أرى أن الاعتبارات الأساسية، ضرورية لبناء اجماع متقاطع و توافق في الآراء بين القواعد أو المعاييرالعلمانية والدينية التي تدعم حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، نواجه في مجال “الإيمان” بحماية حقوق الإنسان، مشاكل عبر الثقافات والتقاليد. وبدون تأمين الاتفاقيات النظرية، من الصعب أن نرى كيف يمكننا إقناع العالم الإسلامي بأن الإعلان ليس “دينًا أوروبيًا علمانيًا”.
فشل رفض إغناتيف للمصادر الأسسية لأسباب عملية للسماح بظهور نظام عالمي لحقوق الإنسان في فهم أن الثقافات المختلفة ومجموعة واسعة من الحضارات، على الرغم من خلافاتهم الأساسية حول مسائل مثل ما يشكل حياة إنسانية خيرة، لم ينكروا أبدًا وجود مظالم يرتكبها الأقوياء ضد بني البشر. والأهم من ذلك ، كما اثبت جيفري ستوت في كتابه “الديمقراطية والتقليد”، أن المفاهيم الدينية المتضاربة عن الخير في المجال العام، مهما كانت إشكالية، لا تقلل بأي حال من الأحوال من دور العقل العمومي في بناء اجماع متقاطع أو توافق متداخل في المجتمعات التعددية.
Stout, Jeffrey. Democracy and Tradition. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004, p. 2,67.
يشير جيفري ستوت – في هذا السياق- إلى اثنين من المفكرين الأميركيين البارزين في الديمقراطية الأمريكية ، وهما جون راولز وريتشارد رورتي، اللذان يريدان تقييد استخدام الأسباب الدينية بشدة في المناقشات العامة حول السياسة. يأخذ ستوت بجدية مخاوف هؤلاء المفكرين وأدعاءات خصومهم. رداً على أفتراضاتهم أو أدعاءاتهم التي تؤدي إلى إخفاء عمليا وواقعيا الأسباب دينية خشية أن يصبحوا غير معقولين لعدم قبولهم مفهوم قائم بذاته للعدالة كنقطة مرجعية ذات صلاحية كونية أو شمولية عالمية في النقاش السياسي في المجتمعات التعددية، يدافع ستوت عن “معقولية” الأسباب الدينية من خلال التركيز على المشاركة والأستماع الى أسباب محددة في الخطاب العام والإشارة إلى أن “يمكن أن يكون الشخص مواطناً معقولاً (متعاونًا اجتماعيًا) دون أن يؤمن بمفهوم مستقل للعدالة أو يلجأ اليه”. ويلاحظ أن تعريف راولز للمعقول على أنه استعداد لحكم سلوكه وفقًا لمبدأ قابل للتطبيق عالميًا “يعني ضمنيًا عدم المعقولية كل شخص يختار الخروج من الشمروع التعاقدي، بصرف النظر عن الأسباب التي قد يكون لديه للقيام بذلك.
إن اللجوء إلى الأساس الميتافيزيقي للطبيعة البشرية الذي يؤدي إلى إدراك الحقل المعرفي للأخلاقية المشتركة بين المجموعات الثقافية المتباينة قد يعزز في الواقع من صدقية وصحة الحد الأدنى من الكرامة التي يستحقها جميع البشر طبقاً لحقيقة بسيطة تتمثل في أنهم خلقوا متساوين. وبالتالي، فان التنوع الديني وحتى الأنقسامات الدينية حول ماهو خير ليس أمرا ضاراً ولا معيقاً للبحث عن أعتقاد مشترك بما يجب أن يكون عليه الإنسان إنسانًا وما هي المعايير التي يمكن تحديدها في كل مجموعة من العقائد الشاملة التي التي تؤمن بها المجتمعات الدينية المختلفة والتي تتوافق مع الغرض المعلن لحقوق الإنسان، ألا وهو حماية الإنسان وكرامته. ومع ذلك ، يؤكد إغناتيف أن الالتزامات العالمية المتضمنة في حقوق الإنسان يمكن أن تتوافق مع النظريات الشاملة العالمية الأخرى فقط إذا كانت الشمولية العالمية المنصوص عليها في الإعلان هي “الحد الأدنى”.
إن هذا مثير للمشاكل في المجتمع الدولية حيث لا يوجد اتفاق حول أوصاف “رقيقة” و”الحد الأدنى” التي تعتمد على أوصاف “كثيفة” و”الحد الأعلى” للمذاهب الشاملة التي تعتقد فيها المجتمعات المختلفة. لدي المجتمع العالمي الكثير ليقوله عن إنجازاته (وإخفاقاته)، ولدى الإسلام مايضيفه إلى مناقشات المركزية الأوربية حول حقوق الإنسان ليصبح مشاركًا كاملاً في تطوير نظام حقوق الإنسان. هذا أمر إشكالي في المجتمعات الدولية حيث لا يوجد اتفاق حول الأوصاف “الرقيقة” و “الحد الأدنى” التي تعتمد على الأوصاف “السميكة” و”القصوى” للمذاهب الشاملة التي تحتفظ بها المجتمعات المختلفة. والأهم من ذلك، لكي تضع- هذه الأوصاف- قواتها وراء عالمية الحد الأدنى، تحتاج إلى أن تثبت لمجتمعاتها الدينية حول العالم وللمجتمع الدولي أنه من المهم بالنسبة لنظام حقوق الإنسان استخراج مثل هذه “الحد الأدنى” للعالمية المتأصلة في المذاهب الدينية. من غير المفيد أن نتجاهل العقيدة الإسلامية أو أي عقيدة دينية شاملة أخرى باعتبارها ضيقة الفكر أو نسبية بدون أي تأثير في تطوير نظام حقوق الإنسان على الإطلاق.
الحاجة إلى البحث في المصادر الأساسية للعقائد الإسلامية في القرآن والتقليد لتثبت للمسلمين والمجتمع الدولي أنها تتقاسم لغة الأخلاق الإنسانية العالمية، بما في ذلك الكرامة الإنسانية، لتعزيز التزامها بحماية حقوق الإنسان. يتم الطعن في شرعية الإعلان في العالم الإسلامي باعتباره إهانة لوجهة نظر عالمية محورها الله حول غايات الكرامة الإنسانية. ونتيجة الصورة الملوثة للدعوة الغربية الانتقائية لحقوق الإنسان في مناطق معينة من العالم الذي ادى إلى استبعاد الآخرين وكذلك العنف الذي لا نهاية له ضد جماعات معينة، والتي انتهى بها الأمر الى القضاء على الحد الأدنى من الشرعية التي تتمتع بها حقوق الإنسان بين المسلمين أو في العالم الإسلامي. لا يمكن للناس مساعدة أنفسهم وحمايتها دون دعم السلطات الدينية التقليدية التي توفر بالفعل الشرعية لسلطات الدولة التي دأبت سحق حقوق شعبها باستمرار، بينما ترفض هذه السلطات السياسية المطالبة العالمية بالاتفاقيات الدولية. إذا كان من الممكن إثبات أن العقائد الإسلامية تشترك في عالمية حقوق الإنسان، بغض النظر عن الحد الأدنى، فسوف نفتح محادثة حقيقية بين المفهومين العلماني والإسلامي للذات الإنسانية والكرامة الإنسانية لحماية الأفراد المعتدى عليهم. بدون هذا التقدم النظري الأساسي في الجوانب الأساسية لحقوق الإنسان، ستستمر فجوة المصداقية بين الوثيقة الدولية والعالم الإسلامي في الاتساع، مما يجعل من الصعب تصديق أن الأفراد في المجتمعات التقليدية ذات العلاقات المجتمعية القوية يمكنهم ممارسة الفهم الأدنى لقدرتهم على حماية حقوقهم ضد الدولة الاستبدادية وممثليها.
أتفق مع رأي إغناتيف بأن حقوق الإنسان مهمة لأنها تساعد الناس على مساعدة أنفسهم. ومع ذلك، يعتمد هذا الرأي على الثقة الليبرالية الغربية بالفرد المخوَّل الذي بعد أن نشأ في نظام سياسي ليبرالي، يمكن أن يفهم ويتعهد بحماية نفسه دون وجود نظام ديمقراطي دستوري، فلا يوجد فرد ليس لديه فهم بسيط لما يعني الكفاح من أجل الحقوق المدنية. إنه من الصحيح أن حقوق الإنسان هي لغة التمكين الفردي، وتمكين حماية أنفسهم من الظلم، إلا أن إغناتيف يتحدث في سياق التطور السياسي للأفراد في مجتمع ديمقراطي ليبرالي، حيث يُفهم معنى او تصور مثل الظلم نسبة الى تجربة المرء في نظام ديمقراطي يضمن بعض الحقوق الأساسية لمواطنيها. كيف يمكن للناس في العراق، على سبيل المثال، حماية أنفسهم بهذا النوع من التمكين عندما لا يكون لديهم أي خبرة في رؤية حالتهم الخاصة أو قدراتهم العقلانية كأدوات مهمة لتأكيد إنسانيتهم والدفاع عن أنفسهم؟
إن تفادي إغناتيف لأي اعتبار اسسي على المستوى الدولي يؤدي، في رأيي، إلى فرض تصور غربي للفردية حتى لو كان من الواجب أخذها بمعنى الفردية الأخلاقية التي تحمي التنوع الثقافي. تدعي الفردية الأخلاقية أنها نوع من التفكير الذي يجب أن يحترم الطرق المتنوعة التي يختارها الأفراد ليعيشوا حياتهم. إن طريقة التفكير هذه، وفقًا لإغناتيف، لاتكون فيها حقوق الإنسان سوى أجندة منهجية لـ “الحرية السلبية”، وهي مجموعة أدوات ضد القمع والأضطهاد، يكون للأفراد حرية استخدامها كما يرونها مناسبة في الإطار الأوسع للثقافة والمعتقدات الدينية التي يعيشون فيها. لكن في المجتمعات المسلمة حيث يتصور الناس تقليديًا فرديتهم في سياق حياتهم الجماعية، المطلوب أن تحمي حقوق الإنسان للأفراد كأفراد ضمن جماعات وأن يطلب من الجماعات تحقيق توازن عادل بين الاهتمامات الفردية والجماعية.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0