دين مختارات مقالات

في التدين الروحي والتدين الشعائري

في التدين الروحي والتدين الشعائري

المفكر التونسي/ محمد بن جمعة

في الأوقات العصيبة، غالبا ما يفكر الناس في الله وفي الدين الذي ولدوا ونشأوا في بيئته الثقافية.. والخطاب الديني المهيمن يؤدي بأتباع الأديان إلى الاعتقاد بأن وظيفة الدين تختزل في التعزية (مفهوم الصبر) والأمل (الجنة، والعدل في الآخرة)..

وأعتقد أن هذا الخطاب الديني يؤدي بالناس إلى عدم تذكر الله والدين إلا عند الأزمات.. وحين تنتفي الأزمة، يعودون إلى مشاغلهم المادية الخاصة.. وتماما مثل معطف الشتاء الذي نركنه جانبا مع قدوم الربيع، فإن الذهاب إلى المسجد أو الإقبال على الله يضعف أو ينتهي عندما تمر الأزمة.

الأزمات بطبيعتها ، تأتي وتذهب، ولكن الحاجة الأعمق للروحانية في اعتقادي، لا تزال قائمة، وهي أعمق من مجرد فكرتي العزاء والأمل. إنها الحاجة إلى الحكمة، والحاجة إلى التوازن بين الروح والمادة..

الحكمة تمنحنا رؤية عن الإمكانيات المتاحة للوعي، من خلال تجسير العلاقة بين مختلف الأعمار والظروف..

لهذا أجدني أقرب إلى فهم وتبني الدين في مقاصده وأبعاده الروحية، أكثر من أشكاله الشعائرية التي توهم الفرد بأن حلول مشاكله الواقعية (النفسية والاجتماعية والفكرية) تتمثل في اتباع الجزئيات والإراق في التفاصيل الفقهية.. لأن واقع الحال أن التدين الشعائري هو الذي أدى إلى هذه الحالة من الفراغ الروحي التي نراها في المجتمع، من خلال تحويله إلى مجرد أداة تخدير وإبعاد عن الغايات والمقاصد من التنوع الإنساني وتعاقب الأجيال في الحياة..

في اعتقادي الشخصي، يتميز التدين الروحي عن التدين الشعائري في 6 مستويات:

1- في التدين الروحي، يشعر الناس بحرية التعبير عن أنفسهم وأشواقهم ومعاناتهم وتعدد أفهامهم..

أما في التدين الشعائري، فهم ملزمون ومقيدون بما تمليه عليهم طبقة رجال الدين من فهم وممارسة، توصلوا إليه في حدود معارفهم وتحديات واقعهم منذ قرون سابقة.

2- في التدين الروحي، يشعر الناس بالانفتاح على التجارب التي نفتها وأدانتها أجيالهم السابقة (التكفير والتبديع والتفسيق)، والبحث عن الجيد والمشترك في تجارب الآخرين..

أما في التدين الشعائري، فيشعر الناس بطهارة وحب الذات مقابل نجاسة وكراهية الآخر، وضرورة المفاصلة الروحية والمادية معه..

3- في التدين الروحي، يدرك الناس أن الدين نهر كبير وواسع يمتد طوال تاريخ الإنسانية، ويجمع بين مواطن الصفاء والاختلاط والزبد..

بينما في التدين الشعائري، يعتقد الناس أن الدين بدا منذ قرون معدودة فقط، مع ولادة الرسالة التي يتبعونها، وكل ما سبق من الأديان إنما هو مجرد فساد وانحراف ودنس..

4- في التدين الروحي، يشعر الناس بالانتماء إلى الإنسانية جمعاء، بما تحتويه من مظاهر تنوع وجمال متعدد..

أما في التدين الشعائري، فيعتقد الناس أن التنوع مذموم، والجمال السلوكي والأخلاقي منحصر فيهم دون غيرهم..

5- في التدين الروحي، يعتقد الناس أن بالإمكان العثور على رؤية وتصور وممارسة أكثر انسجاما مع واقعهم وعصرهم وبيئتهم، وأن الدين إنما يقدم مرجعية وأدوات تفكير لكل جيل وكل عصر حسب حاجياته، بدون إيقاف لحركة الزمن المتقدمة نحو المستقبل..

بينما في التدين الشعائري، يعتقد الناس أن خلاصهم مرهون بالوقوف عند الماضي والسعي لإيقاف عجلة تقدم الإنسانية، وبتكييف واقعهم وعصرهم وبيئتهم مع فهم وممارسة وسلوكيات أجيال سبقتهم بمئات أو آلاف السنوات..

6- في التدين الروحي، آفاق رحبة للجمع بين الحكمة والإشباع النفسي، من خلال البحث عن المقاصد وإعطاء المعنى للحياة، وإشباع الحاجات النفسية في العلاقة مع الذات والمجتمع القريب والإنسانية جمعاء (الحب، التعاطف، الامتنان، التقدير، الإعجاب، التعاون، الاستفادة من التجارب…)..

أما في التدين الشعائري، فتوجد آفاق ضيقة من خلال مركزية الجماعة والطائفة والمذهب، وحصر الإشباع النفسي في داخلها، بدون اعتبار للإنسانية..
_
شخصيا، هذا هو نمط التدين الذي أجد نفسي فيه، لسبب بسيط: أريد أن أبحث بشكل عملي، عن الحكمة والمعنى التي يمكنني تنزيل تطبيقاتها، في هذا الواقع والعصر والبيئة، التي لحكمةٍ إلهية ما، وُلدت وأعيش وسأموت فيها.. بدل أن أعيش في أوهام إمكانية العيش في واقع وعصر وبيئة مرّ عليها 14 قرنا..

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0