سياسة مختارات مقالات

حوار سعودي – إيراني .. نحو تغيير استراتيجي؟

إلى أين يمضي الحوار السعودي – الإيراني؟

بقلم: يوآل جوزنسكي وسيما شاين

المصدر: مركز دراسات الأمن القومي

تشكل اللقاءات في الاسابيع الاخيرة بين إيران والسعودية تطورا جديدا منذ قطع العلاقات بين الدولتين في 2016. والسياق الفوري هو تغيير الادارة في الولايات المتحدة. بدأت ادارة بايدن حوارا مع طهران حول العودة الى الاتفاق النووي بل واتخذت سياسة النقد الشديد ضد السعودية. وحثت التغييرات في نهج البيت الابيض السعودية على اجراء تعديلات في السياسة الخارجية، تضمنت اتفاق مصالحة مع قطر في كانون الثاني 2021 واتفاق وقف النار في اذار 2021 الذي عرض على الحوثيين والان ايضا بداية الحوار مع إيران. محادثات مباشرة مع الرياض تخدم جيدا السياسة المعلنة الإيرانية الساعية الى ابقاء المسألة الاقليمية خارج الحوار الجاري مع واشنطن حول العودة الى الاتفاق النووي. وعلى هذه الخلفية تبرز جولة المحادثات التي اجراها وزير الخارجية الإيراني ايضا في قطر، الكويت وعُمان. اما السعودية فمن جانبها فمعنية بان تحاول الوصول الى حل ينهي الحرب في اليمن وهي على وعي بالتغييرات الاقليمية الكفيلة بان تقع، اذا ما عادت واشنطن وطهران الى الاتفاق النووي. من ناحية إسرائيل، فان مجرد وجود الحوار السعودي الإيراني لا يفترض أن يشكل تغييرا مبدئيا في ميل تحسين العلاقات مع دول الخليج، التي تقيم بعضها علاقات رسمية وغير رسمية معها بالتوازي مع علاقاتها مع إيران. ومع ذلك، فان تقاربا إيرانيا سعوديا حقيقيا سيشكل خرقا هاما في الجبهة المناهضة لإيران التي سعت إسرائيل لان تعرضها والاهم من ذلك سيزيل عاملا مركزيا من جبهة المعارضة للعودة الأمريكية للاتفاق النووي.

في الاسابيع الاخيرة تسربت تقارير عديدة عن لقاءات بين مندوبين من إيران والسعودية وكذا بين إيران ومصر، اتحاد الامارات والاردن، برعاية رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي. وحسب هذه التقارير، جرت حتى الان جولتان من المحادثات المباشرة بين إيران والسعودية برعاية عراقية، حيث ترأس الفريق السعودي رئيس المخابرات خالد الحميدان. وردا على ما نشر امتنع الناطق بلسان الخارجية الإيرانية تأكيد او نفي الاتصالات، ولكنه قال ان بلاده تؤيد الحوار مع السعودية. اما السفير الإيراني في بغداد فقد كان اكثر تحديدا إذ اعرب عن تأييده لمساعي الوساطة العراقية بهدف التقريب بين إيران وباقي الدول العربية واجراء محادثات مع الدول العربية التي انقطع الاتصال بها”. كما أن اجتماع حكومة السعودية برئاسة الملك، والذي عقد في 20 نيسان دعا إيران “للمشاركة في المفاوضات في الموضوع النووي، للامتناع عن التصعيد وضعضعة الاستقرار الاقليمي”. وفي هذه الاثناء علم عن زيارة قام بها الى العراق في 26 نيسان وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف، حيث كان سيلتقي مسؤولين سعوديين كبار، مثلما علم عن زيارات اضافية اجراها الى العراق، قطر وعُمان.

السعودية قلقة من الزخم الإيراني والقوى الموالية لها في اليمن وكذا من انجازاتها في سوريا، في العراق وفي لبنان. اما إيران من جهتها فتواصل النظر الى السعودية كخصم وكجهة مركزية في تشجيع السياسة الأمريكية ضدها. اضافة الى ذلك، ترى إيران في تطبيع العلاقات بين إسرائيل واتحاد الامارات والبحرين تطورا سلبيا من ناحيتها وتقدر بانه رغم عدم وجود تطوير علني مشابه في العلاقات مع السعودية، توجد اتصالات سرية، ولا سيما استخبارية بينها وبين إسرائيل.

لقد شجع التغيير في نهج البيت الابيض، سواء تجاه حليف الولايات المتحدة – السعودية. اما تجاه خصمها – إيران، شجع السعودية على اجراء تعديل في السياسة الخارجية. وتضمن هذا التعديل اتفاق مصالحة مع قطر في كانون الثاني 2021 واتفاق وقف النار في اذار 2021، الذي عرض على الحوثيين، والان الحوار مع إيران. ويوجد في رأس اهتمام المملكة الحاجة الى انهاء النزاع في اليمن الذي يجبي منها ثمنا، سياسي واعلامي لا بأس به أساسا. تخشى الرياض من أن يؤدي نضوج المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران الى تعزيز مكانة إيران الاقليمية. ولتقليص التداعيات المحتملة لذلك جزئيا على الاقل على مكانتها ونفوذها، تسعى لان تتحاور مع إيران.

على هذه الخلفية تشكل اللقاءات تطورا جديدا منذ انقطاع العلاقات بين السعودية وإيران في 2016. وبخلاف الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة والتي نضجت الى اتفاق في 2015، فان الرياض معنية هذه المرة في ان تبقى في صورة الاتصالات بين الطرفين وتعمل لهذا الغرض. اعربت السعودية عن تأييد علني للاتصالات غير الرسمية التي تجري بين إيران والولايات المتحدة في الموضوع النووي على أن تبحث بعد تحقيق التوافق في الموضوع النووي مواضيع مقلقة اخرى بينها ترسانة صواريخ ارض ارض، صواريخ جوالة وطائرات مسيرة لإيران، وكذا نشاط فروعها في المنطقة. واوضح رئيس دائرة التخطيط في وزارة الخارجية السعودية بان العودة الى اتفاق لا يعالج ايضا مسائل الصواريخ الإيرانية ودعمها لجهات اقليمية تضعضع الاستقرار لن تصمد. وبالتالي فان العودة الى الاتفاق النووي يجب أن يكون خطوة اولية لدمج العناصر الاقليمية بهدف توسيع بنود الاتفاق وضمان الا تنتقل الاموال المحررة مع رفع العقوبات عن إيران الى ضعضعة الاستقرار الاقليمي.

من ناحية إيران، فان التحسن في العلاقات مع الرياض يعد كمساهمة لتقليص آثار التطبيع بين الامارات والبحرين وبين اسرتائيل، لتقليص اجواء المواجهة في الخليج ولتحسين مكانتها الاقليمية. كل هذه تنخرط في السياسة الإيرانية المعلنة التي تعارض طلب الولايات المتحدة ودول اوروبا لتوسيع المباحثات عن الاتفاق النووي ليشمل مسـألة صواريخها وسياستها الاقليمية مع تشديدها على ان المسائل الاقليمية يجب أن تبحث بين الجهات الاقليمية فقط. الحوار بين السعودية وإيران، على فرض أن يتقدم، سيشكل تطورا هاما للغاية وإيران ستستغله ايضا لتحسين مكانتها في الحوار مع واشنطن، في تطلع لان يؤدي الى رفع العقوبات عنها وتحسين وضعها الاقتصادي.

ستتطلع السعودية اساسا لان تصل الى اتفاقات محددة تؤدي الى انهاء الحرب في اليمن وهجمات الحوثيين عليها. الرياض، التي تعيش منذ سنين تحت هجمة متواصلة من اليمن، من العراق ومن إيران نحو منشآتها الاستراتيجية، بما في ذلك منشآتها النفطية الاهم في العالم، تقدمت مؤخرا بعرض سخي للحوثيين من اجل انهاء الحرب. وتبين معطيات الجيش السعودي بانه اطلقت نحو اراضي المملكة صحيح حتى شباط 2021 ما لا يقل عن 860 قذيفة وطائرة مسيرة منذ اذار 2015، حين بدأ الهجوم السعودي في اليمن. في ايلول 2019 ومرة اخرى في اذار هذه السنة نفذت إيران هجمات متداخلة بجملة من الصواريخ، الطائرات المسيرة والقذائف الجوالة، فاصابت عنق الزجاجة لانتاج النفط السعودي. اما السعوديون، بحرجهم، فلم يتهموا إيران مباشرة لهشاشتهم ولفهم ضعفهم بالنسبة لإيران. ورغم مشتريات السلاح المكثفة على مدى السنين، فان المملكة عديمة القدرة الدفاعية الكافية، ناهيك عن القدرة الهجومية. لقد تحولت الحرب في اليمن الى مسألة خلاف حاد مع واشنطن ايضا، التي ترى بعين الخطوة الازمة الانسانية في الدولة.

اقوال قالها ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي محمد بن سلمان في 28 نيسان تشهد على أنه طرأ تغيير هام في السياسة السعودية، على الاقل تصريحيا، بالنسبة لإيران. فقد قال ان “إيران هي جارتنا ونأمل ان تكون لنا علاقات طيبة وخاصة معها. نريد ان تزدهر وان تنمو لان لنا مصالح سعودية في إيران ولهم مصالح إيرانية في السعودية”. هذه الاقوال تتعارض تماما وادعاءات سابقة لابن سلمان الذي شبه في الماضي الزعيم الإيراني الاعلى بهتلر.

في المرحلة الاولية هذه من الاتصالات من الصعب تقدير فرص نجاحها. مثلما في الماضي، فان الاتصالات كفيلة الا تنضج، وحتى لو تحسن العلاقات بين البلدين فان هذا لن يكون جوهريا. فالرواسب السلبية في الطرفين عميقة واسباب العداء الاساسية لم تختفي، حتى لو تغيرت الظروف في المنطقة وشجعت الطرفين على اعادة النظر وتخفيف التوتر حتى وان كان جزئيا بينهما. ان الخصومة تعود الى خلافات جغرافية سياسية وتختلط فيها الجوانب الايديولوجية. والمنافسة على النفوذ الاقليمي تجد تعبيرها اساسا في الصراع في ساحات مختلفة، من خلال حلفاء ومبعوثين من الطرفين.

ان مجرد وجود الحوار السعودي الإيراني لا يعني تغييرا استراتيجيا في الميل المبدئي لتحسين العلاقات مع إسرائيل. اذ ان جزءا من دول الخليج تقيم علاقات رسمية وغير رسمية مع إسرائيل بالتوازي مع علاتها مع إيران. ومع ذلك، فانه حيال الخط الكدي الذي تبنته إسرائيل بالنسبة للمفاوضات مع إيران، وكذا تجاه نشاطها الاقليمي، يبرز الخط اللين ان لم نقل المتصالح الذي تتخذه دول الخليج العربية تجاهها وتجاه ادارة بايدن. فضلا عن ذلك فان تقاربا إيرانيا سعوديا حقيقيا سيشكل خرقا هاما في الجبهة المضادة لإيران التي تسعى إسرائيل لان تعرضها. والاهم من ذلك فانه سيزيل عنصرا مركزيا من جبهة المعارضة للعودة الأمريكية للاتفاق النووي.

 

المصدر: أطلس للدراسات الاسرائيلية

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0