علي المرهج
عروض كتب فلسفة مختارات مقالات

كتاب الفلسفة البراجماتية ولحظة تشكل الخطاب البراجماتي

بقلم/ د. علي المرهج
صدر كتابنا (الفلسفة البراجماتية ولحظة تشكل الخطاب البراجماتي) بنسخة جديدة ومنقحة عن دار دجلة الأكاديمية..
يوزع الكتاب في دار ومكتبة المرهج في شارع المتنبي..
لوحة الغلاف للفنانة التشكيلية (هناء محمد). كل الشكر لها..
الفلسفة البراجماتية فلسفة أمريكية، استطاع فلاسفتها الكبار (تشارلس بيرس) و(وليم جيمس) و(جون دوي) من تأسيس فلسفتهم البراجماتية هذه وفق واقع المجتمع الأمريكي بكل التحديات التي فيه، دينية وعرقية وفلسفية، ليصنعوا لهم فلسفة تتخلص من سطوة الفلسفات الإنكليزية التجريبية والفلسفات الألمانية بنزعتها المثالية التأملية، لتكون فلسفة وسطاً بين المادية والمثالية من جهة، والتجريبة والعقلية من جهة أخرى، لأنها فلسفة انشغلت بمعالجة الواقع، ولم ينشغل فلاسفتها بالبحث عن مصدر المعرفة، لأن قيمة كل معرفة عندهم مرتبط بمقدار ما تقدمه لنا من نفع..
لا يُقصد بالنفع هو النفع الذاتي الذي يخدم الفرد لوحده، بل النفع الذي يخدم الفرد ولا يضر بقيم المجتمع…
إنها فلسفة تجمع بين الفكر والعمل، وتجعل الفكر في خدمة العقل..
كان (تشارلس بيرس) مؤسسها الذي يعرف أهميتها التي أثرت على بقية الفلاسفة البراجماتيين..
ـ لم تكن الفلسفة البراجماتية فلسفة منقطعة الجذور، بل جاءت نتيجة بوصفها ردّ فعل على تحديات الواقع الأمريكي أولاً، والتأثر بمفكرين أمريكيين حاولا حل مشكل الصراع العرقي في أمريكا، وحل مشكل الاستقلال ثانياً، وتأثير فلسفات أخرى سواء فلسفات قديمة وفي مقدمتها السفسطائية والأبيقورية والرواقية، أو فلسفات من العصور الوسطى، لا سيما تأثير فلسف”دونس سكوت” في فلسفة “بيرس”، فضلاً عن تأثير الفلسفة الحديثة لا سيما الفلسفة الإنكليزية التجريبية، وفلسفة “كانت” و “نيتشه”.
ـ البراجماتية عند (بيرس) كما هي عند (جيمس) و(دوي) اتجاه لحل الصراعات القائمة بين الفلسفات وبين (المزاج اللين العريكة) و(الصعب المراس)، فالبراجماتية بهذا المعنى تعد محاولة لجعل الأفكار الأمريكية المختلفة الاتجاهات لتصب في اتجاه واحد هو الاتجاه البراجماتي، وهنا تكون البراجماتية، إذن، إعادة صياغة منهجية للعقل الإنساني في أمريكا حيث لم تكن هناك صياغة محددة أصلاً، فعلى الرغم من ان البراجماتية انتقت من مذاهب واتجاهات فلسفية قديمة ووسيطة وحديثة إلا انها تبقى فلسفة امريكية أصيلة لأنها جاءت استجابة لحاجة المجتمع الأمريكي الذي كان ومنذ بداية تكوينه المختلط الاجناس يهدف لإيجاد صيغة تُعبر عن بنيته الداخلية، وقد كانت البراجماتية البيرسية في تأكيدها العمل والفعل وربطه بالفكر، تاكيد القول على ان قيمة القضية في الثمار المتأتية منها (النتيجة) هي الاتجاه الذي استكشف البنية الحقيقية لذلك الهجين، حتى أصبحت البراجماتية أمريكا وأمريكا هي البراجماتية.
ـ ما يُميز البراجماتية البيرسية هو العمل على جعل الفلسفة في خدمة الحياة والإنسان، ليكون دور الفيلسوف والفلسفة هو الكشف عن قيمة العلم والمنهج العلمي في فهم الحياة وتقدم البشرية، لذلك نجد فلسفة “جون ديوي” الاداتية هي أقرب أشكال البراجماتية لفلسفة “بيرس”، أي التعامل مع الفكر والعقل كأدوات أو وسائل لفهم الحياة، فهي فلسفة لا تفترض وجود الحقائق وتبني تصورات تأملية عنها، لأن حقيقة اليوم قد تكون كاذبة في المستقبل، بحكم تطور المناهج العلمية، لذا نجد فلسفة “بيرس” تبحث عن نظرية في المعنى، لا نظرية الحقيقة. لقد تحولت الفلسفة على يد البراجماتية إلى وسيلة فعالة لتفسير الأحداث التي تشكل حياة الناس، ومساعدة هؤلاء الناس على فهم دلالة هذه الأحداث واستدلال نتائجها التي تشكل معانيها التي ليس شرطاً ان تحققها الآن، بل من الممكن أن يكون تحصيلنا على معناها مستقبلاً وتلك النظرة للمستقبل التي وضعها (بيرس) في تفسيره لنظرية المعنى البراجماتي هي التي ميزت البراجماتية عن باقي الفلسفات الأخرى وتلك هي غاية المنهج العلمي العملي عنده.
ـ يُمكن أن نعدّ سيمياء (بيرس) شكلاً من أشكال نظريته في المعنى. وهو مؤسس هذا المبحث الجديد الذي صار فيما بعد منهجاً مستقلاً وضع قواعده فيلسوفنا “تشارلس بيرس”، وكذلك يُعدّ المنطق السيميائي عند (بيرس) بناءً آخر أو عملية تقنين أخرى لمفهومه أو مبدئه البراجماتي، فكل قضية لا بد ان تكون لها نتيجة وتلك النتيجة هي المعنى لتلك القضية، وكل شيء في العالم يجب أن يكون له علامة وهذه العلامة هي المعنى الذي يشكل علامة أخرى ومعنى آخرى، فالسيمياء إذن هي نظرية في المعنى.
ـ اهتمت نظرية في المعرفة البييرسية بالربط بين الفكر والعمل، فالمعرفة عنده من أجل الفعل والعلم من أجل العمل، وهي أقرب للمعرفة التجريبة منها للمعرفة التأملية، لذلك يمكن لنا القول أن ما طرحه بيرس في الدفاع عن المعرفة التجريبة تجعله أقرب من وليم جيمس لها، على الرغم من تصريح وليم جيمس بتبنيه لما أسماه “التجريبية الأصيلة”، ولكنه في دفاعه عن الفكر الديني ظهر لنا أنه أقرب للمعرفة التأملية منه للتجريبة الأصيلة.
ـ إن النتيجة العملية لبراجماتية (بيرس) هو الفرق الواضح بين ما هو مفيد وما هو حقيقي، فـ(بيرس) يستبعد ان تكون المنفعة والفائدة غاية الإنسان، فالمهم الوصول إلى الحقيقة، فعلى الرغم من تأكيد (بيرس) الشديد على الآثار العملية لكنه لا يهمل المدلول أو الفحوى العقلي لأي قضية أو مفهوم، فلا يجوز ان تؤدي هذه الآثار أو الاعتبارات العملية إلى افساد قدرتنا الاستدلالية وجعلنا نتجاهل الآثار أو النتائج المنطقية لصالح الاستنتاجات التي نرغبها والتي لا تبررها المقدمات المنطقية. ومن ثم فالقاعدة البراجماتية تطور أفكاراً أو عادات معينة حول النظر للاشياء نستنتج منها أفعالنا وهذه العملية كلها لا تكون مجرد ردود أفعال فردية، بل يجب ان تكون عامة، وهذا ما جعل براجماتية (بيرس) تختلف عن تابعه (وليم جيمس) الذي كان فردياً ذاتياً اكثر نفعية من (بيرس) بالغاية اكثر من الوسيلة من دون الاهتمام بالفحوى العقلي لتلك الوسيلة على أساس أن الغاية تبرر الوسيلة.
ـ مثلما أبدع “بيرس” مفهوم “البراجماتية” و مفهوم “السيميوطيقا” نجده يجترح مفهوماً جديداً لفلسفته أسماه “البراجماتيكية” تمييزاً لها عن “براجماتية جيمس” التي رغم دفاع “بيرس” عنه، كونه يعده جوهرة “البراجماتية”، إلا أن “بيرس” يعتقد أن جيمس شوه الغاية التي يرومها “بيرس” من اجترا.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0