علي رسول الربيعي
دين فلسفة مختارات مقالات

إعادة التفكير في الإسلام

إعادة التفكير في الإسلام
أو نقد أركون

بقلم/ الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

يدعو أركون في كتابه “إعادة التفكير في الإسلام”، إلى تطبيق “استراتيجية معرفية حديثة”، تهدف إلى “تجاوز الممارسات الموروثة من الماضي، سواء في الإسلام أو المسيحية أو الغرب العلماني”، عندما يتم “انتهاك الدوغمائيات وتقلب أو تدمر النظريات القياسية”. ” يقترح تبني الخط فكري لما بعد الحداثة الذي يعبر عن عملية “يشكك فيها العقل بوضعه الخاص في التكوين النفسي للوعي والتفكير، ويكشف عن جميع الأنشطة المعرفية.” اذ من المفترض أن يسمح ذلك للباحثين “بمراجعة تصوراتهم عما يسمى الثقافات القديمة والتقليدية والحديثة، ومواقفهم تجاه التبادل الثقافي وممارساتهم داخل المجال المنطقي (logosphere) الذي يحدد كل لغة”. ثم تهدف إعادة البناء اللاحقة إلى “توفير مساحة لظهور وبناء المفاهيم والتصورات والمقولات التي يمكن العثور عليها في جميع أنواع الثقافة وفي جميع مجالات النشاط الدلالي والسيميائي”.
قدم أركون نفسه بوصفه “مشتك من المظلومية” ويوضح قضيته ضد الظلم التاريخي المفروض على المسلمين من قبل الغرب، فيقول: على الرغم من خضوع الغرب “لأزمة عامة” متأثرة بشدة بـ “نهاية الايمان مع الماركسية”، الاً أنه استمر في الضغط على بقية العالم ورفض استقبال “أشكال التفكير” من خارجه. ويتابع أركون، أن الخطاب الغربي فرض باستمرار على “الأصوات الناقدة التي تعبر عن التضامن مع تاريخ الشعوب الإسلامية والمطالبة بأن يكون هناك أكثر” موضوعية “،” أكثر “حيادية”، “أقل” جدلية ” أو ان لا تكون ” منخرطة “في أشكال متكررة من الاحتجاجات ضد الغرب “. وفي صميم خطاب السلطة والقوة هذا، تم إصدار دعوة أساسية للتحول إلى قيم الغرب. ونتيجة لذلك “يسير تاريخ العالم المهيمن، بما يديم السيادة على البشر التي كانت تُنسب إلى الله في يوم من الأيام، في حين يستنفد الفاعلون الثانويون أنفسهم في تقليد، وتكييف، وإعادة إنتاج، وتأكيد إنتاجية هذا العالم وعصيانه. ومن المفارقات، على حد تعبير أركون، أنه في حين أن المفكرين الغربيين قد يكونون مستعدين للاعتراف بضعف منطق التنوير، وأزمة الفكر السياسي، واختفاء الخطاب الأخلاقي، وإضعاف البحث الفلسفي عن المعنى، وتدهور دولة الرفاهية، وزيادة تهشيم الإنتاج الأدبي والفني وتجريده، اللا أنهم ليسوا على استعداد لتحمل أو قبول تقييمات بديلة. وهذا ما يؤكد أن هذا الموقف محكوم، من بين أسباب أخرى، من قبل التيارات النقدية “الاستبطانية” في الفكر الغربي. وهكذا، عندما يشير الفكر الإسلامي، على سبيل المثال، “إلى مخاطر الولاء غير النقدي لتلك القوى نفسها، قوى الانحلال والفساد والاغتراب، يميل الغربيون إلى إعادة التأكيد على عدم المساس بها وبعالمية نموذجهم”.
كان يمكن للمسلمين (التقليديين والأصوليين) أن يتوقعوا، بعد توجيه اتهامات شديدة للغرب كهذه، أن يشرع أركون في ممارسة منهجية لكشف وتفكيك هذا التسلسل الهرمي للسلطة في الفكر الغربي. لكنه وبدلاً من ذلك، يرون أنه “انقلب” على تراثه الإسلامي، وقام بتفكيك أنظمته المعرفية وقوانينه الأخلاقية – القانونية، وتاريخ معتقداته أو أرختنها، ايً اخضاعها للتاريخية. إن مقاربته المعرفية للإسلام من خلال الإطار النظري للسلطة كما هي عند فوكو، تجعله عرضة للكثير من العلامات أو السمات المتناقضة لهذا الأخير، بالإضافة إلى التناقضات الخاصة به. لا يقترح أركون القيام بهذه الممارسة فقط في غياب نظام منهجي إسلامي يُفترض أنه أعيد بناؤه كشرط مسبق لا ضفاء الشرعية، ولكن في تطبيق مقاربة أو نهج معرفي على الإسلام، أدى عن غير قصد بتدعيم التسلسل الهرمي للسلطة على الضحية الذي يدعي أنه أدانه. وأعلن في لغة اعتذارية، صراحة أن هدفه هو “تحديث المواقف القديمة وكذلك إعادة تأهيل الإحساس بالتقاليد الثقافية الحية للمجتمعات الإسلامية في الممارسات الفكرية والثقافية من قبل الغرب”.
بما أن المجموعات العرقية والثقافية المختلفة تستخدم دائمًا “الإشارات” و “الرموز” لإضفاء الشرعية على دوافع السلطة، كما يذهب منطق أركون، فإن جميع “المؤمنين”، سواء كانوا ملتزمون بالديانات السماوية أو العلمانية المعاصرة، سيكونون كذلك على القدر نفسه من القيود بخصوص تصور مسألة المعنى ليس من زاوية التعالي غير المتغير- أي الأنطولوجيا المحمية من كل التاريخ – ولكن في ضوء القوى التاريخية التي تنقل القيم الأكثر قداسة.
إن هذا النهج “العلماني المنفتح”، المطبق بمنظور نقدي على أي جانب من جوانب المعرفة ويُفهم على أنه بحث عن أكثر أشكال التعبير حيادية، والأقل إيديولوجيًا احترامًا للإرادة الحرة للشخص الآخر، يشكل تقدمًا كبيرًا للعقل”. إن مثل هذا الحياد، ممكن فقط، وفقًا لأركون، من خلال الفكر العلماني، الذي سيُنتج في نهاية المطاف “إسلامًا ليبراليًا نقدًيا منفتحًا للتغيير … بعيدًا عن الإنغلاقات الإيديولوجية الأصولية … والاكراهات المتكررة للأرثوذكسية كأداة للسيطرة والتحكم”.
إن مقاربة أركون المقترحة تضع الإسلام بشكل لا لبس في موقع أنه لا يمتلك مزايا خاصة تجعل له حصانة، ومسيطر عليه أو خاضع للرقابة فيما يتعلق بتسلسل هرمي معرفي وعلماني للسلطة في حين من المفترض أنه “محايد”. وعليه قد يرى المسلمون (تقليديون واصوليون) أنه لا يمكن للمطالب بالحياد في ظل هذه الظروف إلا أن تعكس تناقضًا في الشروط. وقد يجادلون ايضًا أن أركون يضع هذا القالب (أيً البيئة أو الوسط الذي تتطور فيه المطالب) كمرجع لعلاقة خطابية فيما يتعلق بالإسلام حيث مطلوب منه باستمرار التكيف والامتثال للمبادئ التوجيهية الخارجية. وبدلاً من محاولة إعادة تأسيس استقلالية المرجعية الذاتية الإسلامية، فإنه يقدم ممارسة نظريًة ومنهجيًة يتم اختزال الإسلام فيها إلى حدود القوالب المعرفية الغربية في النهاية. وربما يعترضون ايضًا بعد كل هذا: كيف يمكن أن يُختزل الوحي المنبثق من الإله الذي يقوم بشكل أساس في وضع معايير الحقيقة والخطأ إلى عالم معرفي ومحايد، وتاريخي، وغير -أنطولوجي؟ ماذا تبقى من جوهره؟ كما- أنهم قد يرون- أنه ليس دليلًا ضامنا أن يؤدي تفكيك القوالب المعيارية للإسلام، كما هو حاصل بقوة في عمل أركون، الى أنه سيشكل شرطًا أساسيًا لظهور إسلام نقدي ليبرالي. لكنه بالتأكيد سيؤدي انهيار أو تهميش هذه القوالب المعيارية في واقع الأمر إلى القضاء على شرط ضروري وأساسي لميوله الليبرالية – الحرية. إن ترسيخ هذه القوالب الإسلامية، كما قال غليون، هو ما يبرر في نهاية المطاف الغايات الاجتماعية والدينية والسياسية، ما يتناسب معها من وسائل. فيكاد يكون من المستحيل على المسلمين بشكل عام، وكأفراد، ممارسة الاختيار الحر بناءً على مبادرتهم الخاصة في ظل غيابها كمعيار إرشادي. سيتوقف العديد من خياراتهم في نهاية المطاف على مجرد ظروف تتحدد وتتشكل من خلال واقع معادٍ مهيمن. سوف يتخلى المسلمون عن ثباتهم دون حذر، ليتم تهميشهم الى مجرد أدوات وآلات عمياء تصممها وتديرها تجسيدات لإرادة قوة أكبر.
تتدهور محاولة أركون لإدخال ” سلطة مضادة” في نهاية المطاف إلى فرضية الاختزال المعرفي، وبالتالي تختزل في حدود أفق سلطة هذا الإطار نفسه. إن أركون ومن أجل الهروب من مفارقات “عالم” السلطة (بالمعنى الفوكوي) وربما يذكرنا بالليبرالي المصري الشهير طه حسين، يقترح فلسفة للتاريخ تعرض اهتماما ووعيًا في ثقافة البحر الأبيض المتوسط الإنسانية المعاد تشكيلها. لا يتم هذا في إطار مرجعي ذاتي إسلامي، ولكن من خلال عملية إعادة تفكير جذرية يتم فيها تصور “العلاقة بين الفكر والعلامة وبين الفكر والرمز” من منظور “التاريخ المقارن” مع نقد فلسفي لجميع النظم الثقافية والمعرفية الموجودة الحالية؛ فيبدو الهدف الأساس الضمني هو “إدارة عملية لامركزية لا تترك أي امتياز لأيً مركز”. يفكك أركون من خلال القيام بذلك نظام القيم الإسلامية المتمركز في الأنطولوجيا (المنجذبة الى المركزية) من داخل آفق سلطة النظام المعرفي الغربي اللامركزي (الطرد من المركز). سوف يزدهر النظام الأخير الذي يُحكم عليه وفقًا لأوضاعه وشروطه الخاصة في إطار جميع الاحتمالات الطارئة، بينما (وهنا قد يعترض المسلمون التقليديون والاصوليون): أنه لا يمكن للإسلام، الذي يُحكم عليه وفقًا لشروط النظام الغربي إلا أن يُستنفد ويفقر، ويتحطم أيً مظهر من مظاهر المساواة، وإذا ما استعملنا لغة ما بعد الحداثة، يتفجر الاختلاف. يشير الاختلاف- هنا- إلى حالة الصراع بين خطابين (أو أكثر) غير متجانسين ولا يمكن حلهما بشكل منصف بسبب عدم وجود افتراضات محددة تنطبق على جميع الأطراف المعنية. وينشأ هذا الوضع عندما يتم تنظيم “الصراع الذي يعارضهم في لغة أحد الطرفين بينما لا يتم الإشارة إلى الخطأ الذي يعاني منه الآخر في تلك اللغة. لا يمكن لأي حكم يصدر في هذا السياق إلا أن يخطئ أحد الجوانب لأن قواعد نوع الخطاب الذي يحكم فيه ليست من النوع الخطاب المحكوم عليه. يمكن أن يؤدي التطبيق الإجرائي المتساوي لأنظمة القيم المتعاكسة الثنائية إلى تفاوتات عميقة وموضوعية بطبيعتها. إذا كانت “كل المعرفة”، كما يوحي نهج ما بعد الحداثة، “تستند إلى الظلم”، وإذا “لم يكن هناك حق، ولا حتى معرفة الحقيقة أو أساسها”، فقد يعترض المسلمون التقليديون والأصوليون قائلين: أين يُترك هذا القرآن والتقليد النبوي والوحي الإسلامي كمصادر للمعرفة؟ أين يترك هذا الإسلام بالنسبة للمسلمين؟ إن من يدعي الحقيقة، ويحدد مصدرها من خارج التاريخ، لا يمكن أن يتخلى عن حقوقه في العدالة والعالمية دون التخلي عن جوهره الخاص.
لا يمكن أن تسمح إعادة التفكير في الإسلام بأي مقياس بمثل هذه التناقضات. ومع ذلك، يفترضها أركون ومن غير تردد عن طريق الخوض في الأمور المعرفية وتجاهل الكوزمولوجيا والمعيارية. ونتيجة لذلك قد يُنظر اليه ان قد فشل في إثبات تفوق منهجه أو مطلبه في حقيقة الاتجاه او الميل للعالمية. إن أركون-المشتكي في موافقته المتضمنة في المنطق القائل بأنه “فقط ما يمكن التحقق من صحته في ظل نظام الأدراك هو الحقيقي، يحاول إثبات أي ضرر يدعيه معرفياً، بينما – يراه المسلمون المذكورين صفة- يتجاهل قواعد المرجعية الذاتية الإسلامية. فإذا كان نظام العبارات التي ينتمي إليها المشتكي يختلف عن العبارات المعرفية، وبالتالي يختلف بالضرورة عن نظام المحاكم الوحيدة التي يمكنه أن يلجا اليها، فمن المؤكد أنه سيفقد دعواه. هذا هو الحال، على سبيل المثال، مع فلسفة لا يمكن أن يقتصر نظام عباراتها من خلال فرضية على النظام المعرفي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0