سياسة مقالات

الاعتراف بالحق والخروج من مأزقنا الراهنة

الاعتراف بالحق والخروج من مأزقنا الراهنة

بقلم/ أ.د. أسامة محمد أبو نحل
إن ما شجعني على كتابة هذا المقال، مقالٌ كنت قد قرأته للأستاذ تحسين يحيى أبو عاصي بعنوان: “الفشل التاريخي للحركة الوطنية الفلسطينية”، والذي أجمله بالجملة التالية وهي توافق رأينا: بأن الحركة السياسية الفلسطينية بكل أطيافها لم تتعرض إلى انتكاسات أو إخفاقات متلاحقة فقط؛ بل سقطت سقوطًا مدويًا، وفشلت فشًلًا فاضحًا أمام المشروع الصهيوني وممارسات العدو على الأرض، ذلك الفشل أو السقوط لم يأتِ تعبيرًا عن سقوط وفشل الرموز التي قادت مسيرة النضال الوطني الفلسطيني فحسب؛ بل تعبيرًا عن سقوط وفشل المبادئ التي انطلقوا من خلالها أيضًا”.
وعلى الرغم من أن الأستاذ أبو عاصي قال كل ما يجيش به خاطري، إلَّا إنني أبدأ من حيث انتهى؛ فالساحة الفلسطينية سواء في داخل الوطن أو في مناطق الشتات، وبكافة ألوان أطيافها من فصائلٍ وتنظيماتٍ متعددة، واختلاف مشاربها، أضحت -إن لم نقل باتت -كغثاءِ السيل، لا قيمة عملية لها إلَّا ما ندر، وذلك نظرًا لتعدد ولاءاتها وانتمائتها التي أصبحت عبئًا ثقيلًا على كاهل الشعب الفلسطيني، وأصبح يُنظر لها نظرات ازدراء لا لشيء سوى أن هذه الفصائل، أصبحت تتعامل بفئوية مقيتة بعيدة عن مصالح هذا الشعب.
إنني أعلم تبعات ما سيترتب على هذا المقال من ردود أفعال، خاصةً من جانب الفريق المعارض له، لكن حرصي على نقاء وصفاء قضيتنا، وحرصي على ألَّا يتيه الفلسطينيون في مغارات الأرض، ولُجُج البحور والمحيطات والأنهار، هو ما دعاني لكتابة هذا المقال، وما قصدي من وراء ذلك كله سوى المصلحة العليا لهذا الشعب المغلوب على أمره، إما من جانب الاحتلال، أو من جانب بني جلدتنا.
فلا يختلف اثنان في أن تعدّد الفصائل والتنظيمات على الساحة الفلسطينية لم يخدم قضيتهم الواحدة؛ بل على العكس عملت على شرذمتها أحيانًا، والعمل على وأدها في أغلب الأوقات، ونسوا بل تناسوا أن في الاتحاد قوة كما يقول شعار العرب القومي. فبدلًا من توحيد صفوفهم في قالبٍ واحد تناثروا شيعًا وأحزابًا، لكل منهم دولة يوالونها، وأيديولوجية مختلفة، ولكل منهم زعامات وقيادات تأنف من الالتقاء مع فكر وأيديولوجية الآخرين؛ لذا تناثرت جهودهم النضالية، فأضحوا لا قيمة لهم في عالم لا يتعامل إلَّا مع الأقوياء. ونسوا أو تناسوا عن عمد أن العالم لا يحترم أي حركة وطنية غير متجانسة لا تجتمع على قلب رجلٍ واحد، واعتقدوا واهمين وما أكثر ما توهّمت به فصائلنا وتنظيماتنا على مر تاريخها المعاصر، من أن غالبية سكان المعمورة تقدس ثورتهم وتجلَّها. ولا أدري هل أفاق قومي على وقع الحقيقة المُرَّة والمدوّية أم لا؟
تلك الحقيقة التي أفقنا على وقعها، وأثبتت أن الثورة الفلسطينية على الرغم ما مثلته من نجاحاتٍ لا تُنكر وهي ظاهرة نبيلة على أية حال، إلَّا أنها فشلت في تحقيق الأهم، ليس بسبب قوة العدو وتعنته، ولا بسبب مؤامرات بني جلدتنا من العرب علينا، ولكن لسببٍ جوهري يجب ألَّا يغيب عن أذهاننا، وهو أن من تولّى أمر حركتنا الوطنية من سياسيين وعسكريين كانوا من الفشل بمكان، بحيث أنهم تعاملوا مع أمر حركتهم الوطنية ليس من منظور ثوري، بقدر ما كان بسبب تعاملهم مع الأمر على أنهم يقودون دولة أو ما يشبه الدولة، فغاصوا في البرتوكولات التي تجري لزعماء الدول المتحررة، أو قاموا بتأسيس مكاتب تمثيل لفصائلهم وتنظيماتهم أشبه ما تكون بالسفارات؛ كسفارات الدول العظمى.
لقد نسوا أو تناسوا عن عمد أنه مهما اختلفوا في وجهات النظر، فإن المصير الواحد هو قبلتهم الذي يجب أن يوجهوا لها الأنظار، ونسوا أو تناسوا أن القرابين التي تُقدّم يوميًا من أبناء الشعب الفلسطيني هي لله أولًا وللوطن الواحد فلسطين ثانيًا، وليس لآلهة تمثّل فئويتهم. فالشهيد الذي يسقط يجب أن يكون ابن فلسطين فحسب، وليس ابن الفصيل الفلاني أو التنظيم العلاني. ولكن مما يؤسف له أن هؤلاء الشهداء باتوا لا يمثلون وطنهم بقدر ما يمثلون قيادات فصائلهم وتنظيماتهم، وباتت الشطارة عند التنظيمات وتوابعها هي أن يجعلوا عدّاد الشهداء يعد لصالحهم ليظهروا أمام شعبهم على أنهم أكثر من يقدّمون، فتزداد شعبيتهم؛ وبالتالي: يحصلون على البركة والخير. ولقد شاهدنا ولم نسمع كيف أن تلك التنظيمات كانت تتسابق على تبني شهيدٍ أو حتى متوفي عادي مات قضاءً وقدر. وكيف كانت البوسترات يتم توزيعها تحمل أسماء أناس عاديين لم يلقوا حتفهم في ساحة الوغى، وهي تنعتهم بالشهيد البطل فلان الفلاني، حتى إن هذا الأمر بات محط سخرية العوام، دلالة على سخافة من يقومون بمثل هذه الأعمال.
لقد آن الأوان وكنتيجة منطقية لما آلت إليه قضيتنا من بؤسٍ وهوان على أيدي فصائلنا وتنظيماتنا، وكذلك الأمر سلطتنا الفلسطينية بعدما ثبت عجزها عن تحقيق ما وعدت به شعبها عندما وقعّت اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو)، من تخليصهم من نير الاحتلال، والعيش بدولةٍ تشبه إلى حد بعيد دولة سنغافورة. فماذا كانت النتيجة في نهاية المطاف؟ سوى أن آلة قمع الاحتلال ازدادت في عهدها، والفقر استشرى بين غالبية السكان، وأصبح الفلسطيني لا يستطيع التنقل من مدينةٍ فلسطينيةٍ إلى أخرى إلَّا بعد تنسيقٍ أمنيٍّ من جانب الطرف الإسرائيلي. لا بل المضحك المبكي في آنٍ واحد، هو أن رئيس السلطة الفلسطينية منذ نشأت هذه السلطة في عام 1994، وحتى الآن، وكذلك الأمر الوزراء وكبار المسئولين، ليس بوسعهم التنقل داخل أراضي هذه السلطة إلَّا بموافقة الحاكم العسكري الإسرائيلي، وبات الفلسطيني لا يحلم بدولةٍ كسنغافورة؛ بل على أقل تقدير بكيانٍ يشبه المعازل في أدغال أفريقيا.
وبناءً على ما سبق؛ فإني أرى المخرج مما نحن فيه يكمن فيما يلي:
1. نبذ العمل التنظيمي بكل مسمياته في كافة الأراضي الفلسطينية، وجعل العمل السياسي والعسكري المحترم كله تحت قيادة عمل موحدة، يتم انتقاؤها بمهنيةٍ وحرفيةٍ تامتين، على ألَّا يشترك في هذه القيادة ممن يسعون لجاهٍ أو سلطان؛ فقضيتنا أسمى من كل الشخوص والمسميات مهما كان تاريخها.
2. تشكيل سلطة فلسطينية جديدة تشارك فيها كافة القوى الوطنية والشعبية، عمادها جبهة وطنية مدنية تقود العمل الوطني في المرحلة القادمة، حتى يتم إقرار دستور وقانون وطني يحقق الإجماع.
3. أن يتولى أمر السلطة الجديدة أناس على درايةٍ بالهم الفلسطيني، وليس أناس يقبعون في بروجٍ عاجيةٍ لا نعرف عنهم ولا يعرفون عنا شيئًا، وأن من يتولى أمرنا يجب ألَّا يكون من متبعي التنظيمات، لأن تلك التنظيمات هي سبب بلاؤنا ومصائبنا.
4. على قيادات حركتي فتح وحماس بالذات أن يعلما أنهما في النهاية أبناء لأبٍ واحد هو مزيج من الإسلام والعروبة وأمٍ واحدة هي فلسطين، وإنه مهما اختلفا فقطعًا سوف يعودان لحضن بعضهما البعض.
لقد اعتقد البعض منا أن سبب ما نحن فيه من بلاء من صنع الآخرين، وهم صادقين في جزءٍ منه، لكن فصائلنا وتنظيماتنا تتحمل الجزء الأعظم من هذا البلاء. وصدق فيهم قول الشاعر:
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0