تأملات في الحياة و الموت
أسرة وطفل تنمية دين مختارات مقالات

لا تمُت دون أن تعرف الله

لا تمُت دون أن تعرف الله

بقلم/ د. أحلام مصطفى

عندما كنت أصغر لم أكن أفكر كثيراً في الموت بالصورة التي نتعلمها لاحقاً بعد أن ندخل المدارس أو نتابع التلفاز أو غير ذلك، أعتقد أنني كثيراً ما رددت – كما ردد غيري الكثير من الأطفال – أنه سيكون من الأفضل لو أنني أموت الآن وأذهب إلى الجنة وأصبح عصفورة. كانوا يقولون لنا بأن الأطفال عندما يموتون يتحولون إلى عصافير الجنة . كنت أعتقد أنه من الجيد أن أكون عصفورة في الجنة، ثم أجلس وحدي وأفكر: ولكنني لن أكون طفلة كما أنا الآن وأستمتع بكل الأشياء التي أسمع عنها، لن أستطيع تناول الحلوى ولا شرب الكثير من العصير ولا الحصول على كل المصاصات التي أريدها، لأنني سأكون عصفورة تطير فقط وتأكل الحبوب، كان تفكري تجريدياً فظيعاً! أتأمل الآن وأقول في نفسي كيف جاء كل ذلك الإيمان بالجنة إلى حد تمني الموت ثم في المقابل لم يكن وجود الله حاضراً لدرجة أنني خفت أن الجنة لن تعجبني كثيراً!

أعتقد أن جزءًا كبيراً من السبب يعود إلى أن أول ما عرفه الطفل عن الإيمان هو أنه إن أخطأ سيذهب إلى النار “خبط لزق”، وإن أحسن التصرف سيدخل الجنة على أجنحة الملائكة. لا أحد يحدثنا عن الله ونحن صغار، لا يقولون بأن الصلاة هي حوار معه، بل يخبروننا بأننا إن لم نصلِ سندخل النار، وإن لم “نسمع الكلام” سندخل النار، وإن كذبنا سندخل النار، الآن وأنا أكتب ألاحظ أن المرات المعدودة التي تُذكر فيها الجنة تكون في حال موتنا أطفالاً! ويالها من طريقة مبهجة للذهاب إلى الجنة!

بعضنا قد يعيش ويموت دون أن يعرف الله، حتى وإن صلّى وصام وقام بكل ما عليه القيام به من طقوس، يموت دون أن يعرف الله في أكلة شهية أكلها بعد فترة طويلة من اشتهائها، ودون أن يعرف الله في حب استثنائي كان سيخسره لولا توفيق عجيب لا يد له فيه، في شربة ماء بارد بعد يوم شاق، في ساعة من اليوم يقضيها هانئاً مرتاح البال في بيته الدافئ ومقعده الوثير وبجانبه فنجان الشاي وقطعة من الحلوى. نحن لا نعرف الله إلا في النوازل والمآسي، ولا نراه إلا في كل ما يصيبنا من محن، وكأننا مازلنا نكرر نفس العبارات التي نسمعها ونحن صغار.

لم أكن أفكر كثيرًا في الموت عندما كنت طفلة، ولما دخلت تلك الفترة التي يسمونها مراهقة ويطلقون علينا فيها أشنع الأوصاف لا لشيء إلا لأن طعبيتنا البيولوجية بهرموناتها تثير فوضى عارمة يسيئون هم التصرف معها فنتحول إلى أبناء وبنات عاقين… ماذا كنت أقول؟ آه نعم، في تلك المسماة بالمراهقة ولأننا نتصور أنفسنا شياطينا كنا نخاف الموت حتى لا ندخل النار، لأننا بطبيعة الحال كنا متأكدين من هذه الحقيقة. ثم في الجامعة أصبح الموت أقل خطراً، أعتقد أنني بدأت أرى فيه بداية ولم يعد نهاية كما كان في السابق، وإن كانت تلك البداية بعد غير محددة الملامح، في العشرين تقريباً بدأَت أفكار الفناء، والحياة التي لا معنى لها تداعى إلى خاطري، وأرى في نفسي كائناً لا قيمة له، لم يحقق شيئاً ولو متّ الآن فسوف أقابل الله كما خلقني بل ربما أسوأ! وبدأت أفعوانية جديدة – أفعوانية كلمة توحي لك بأنك مثقف ولكنها في الواقع ليست سوى لعبة من ألعاب مدبنة الملاهي التي تعرف غالباً بقطار الموت – أفعوانية الهبوط والصعود، ففي لحظة أنت إنسان مجتهد وملتزم ومنتج وعلاقتك مع الله جدية وفي تحسن، وفي لحظة أخرى تجد نفسك عالة على مجتمعك وتترسخ في ذهنك أفكار العدمية واللامبالاة فكل شيء إلى زوال وتفقد شيئاً من تلك العلاقة الطبية بالربّ وإن كان حاضراً في حياتك طوال الوقت ولكنك تعرف أن هنالك خطباً ما.

لا أعرف متى تحديداً ولكن في وقت من الأوقات لم أعد أفكر في الموت بالقدر الذي أفكر فيه فيما بعده، ولا أعني هنا يوم القيامة أو الحساب، ولكن ذلك الموقف العظيم عندما تلاقي “الله”، وأفكر في احتمالية أنه لن يحدثني غضباً، أو أنني سأدخل الجنة ولكنني لن أتمكن من رؤيته، فتصبح الفكرة خطباً جللاً، ويصيبك ذعر رهيب، وتفقد تركيزك وكأنك سمعت أسوأ ما كنت تخشاه، وتكرر في نفسك: كيف لا أراه؟! كيف لا أراه؟! وتستعيد شريط حايتك وفجأة تلتفت إلى كل تلك الأمور التي غابت ولم تعرف الله فيها، وحتى المصائب التي تدفعك إلى السقوط راجياً على قدميك، باكياً نائحاً، وتقول في نفسك؟! كيف لا أراه؟! وقد فاق وجوده في حياتك كل وجود، وعرفته دون أن تعرفه كما لم تعرف شيئاً في هذا الكون.. تسبح بعدها في حالة من التسليم، من الحزن، ومن الرجاء، أن يا إلهي لا تحرمني كما حرمتُ نفسي.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0